الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.
الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.

يعيش الأكراد في جنوب شرقي تركيا وشمال شرقي سوريا وشمالي العراق وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا. وعلى مر السنين حاولوا تأسيس وطن قومي لهم، وخاضوا في سبيل تحقيق هذا الحلم العديد من المعارك.

في هذا المقال، نسلط الضوء على أهم الزعماء التاريخيين للأكراد الذين سعوا لإقامة دولة كردية، سواء من خلال الكفاح المسلّح أو عبر حلول سلمية، ونستعرض جوانب من حياتهم والعوامل التي أسهمت في صعودهم سياسياً.

 

في العراق

عرف أكراد العراق ظهور العديد من الشخصيات الهامة التي حاولت تأسيس وطن قومي للشعب الكردي، من بينها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي.

ولد البرزنجي لأسرة كردية مشهورة في منطقة السليمانية، وبدأ حياته السياسية حليفاً للأتراك العثمانيين الذين أمدّوه بالسلاح ضد القوات الإنجليزية في الحرب العالمية الأولى، كما وضعوا تحت تصرفه الفوج العثماني من لواء السليمانية.

بعد هزيمة العثمانيين في الحرب، انضم البرزنجي إلى الإنجليز، وأعلن تسليم لواء السليمانية إلى القوات البريطانية، فقوبل هذا التصرف بتعيينه حاكماً للسليمانية.

بعد فترة من الهدوء، دخل البرزنجي في خصومة مع الإنجليز، لأنه أراد أن يوسع سلطاته في مناطق سكن الأكراد ما أدى لاشتعال الحرب بينه وبين الجيش الإنجليزي.

انتهت المعارك بالقبض على البرزنجي ومحاكمته، وصدر حكم الإعدام بحقّه،  ثم خُفف لاحقاً إلى السجن مدة عشر سنوات مع النفي إلى الهند.

في عام 1922 سمح الإنجليز بعودة البرزنجي إلى العراق مرة أخرى للتصدي للنفوذ التركي، حينذاك  أعلن البرزنجي نفسه ملكاً على كردستان، ودخل في معارك متعددة ضد الحكومة العراقية.

في مايو 1931، أُسدل الستار على ذلك الصراع الطويل بعد تمكّن القوات العراقية من الانتصار على قوات البرزنجي، فانتهت ثورته وسلم نفسه. ت

فرضت عليه الإقامة الجبرية في جنوب العراق. وفي عام 1941 تمكن من العودة للسليمانية وظل بها حتى توفي في 1956.

من القادة الآخرين ملا مصطفى البارزاني. ولد في مارس 1903 بمنطقة بارزان التابعة لمحافظة دهوك شمالي العراق.

في صغره، درس القرآن والحديث والعلوم الدينية في السليمانية وتأثر بالحركة الكردية التي قادها الشيخ البرزنجي. وفي بداية ثلاثينيات القرن الماضي، خاض مصطفى مع أخيه أحمد بعض المعارك ضد القوات العراقية والإنجليزية، واضطرّ في عام 1932 للسفر  إلى تركيا، ليعود بعدها بعامين على أثر عفو الدولة عنه.

يذكر فاضل البراك في كتابه "مصطفى البارزاني: الأسطورة والحقيقة" أنه كان على صلة قوية بكافة القيادات الكردية في العراق وخارجه ولذلك اختاره قاضي محمد ليكون وزير الدفاع في جمهورية مهاباد في إيران، وهي الجمهورية التي سرعان ما سقطت بعد شهور قليلة من تأسيسها.

في أغسطس 1946، أسس مصطفى البارزاني "الحزب الديمقراطي الكردستاني" واُنتخب رئيساً له. عقب الكثير من المصادمات بين الأكراد وبغداد شهد يوم 11 مارس 1970 عقد اتفاق الحكم الذاتي العراقي–الكردي بينه وبين نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، وبموجبها اعترفت الحكومة العراقية بالحقوق القومية للشعب الكردي ومُنح الأكراد حكماً ذاتياً في محافظات كردستان الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك).

لم تلتزم بغداد ببنود الاتفاق، وفي 1975 عقدت "اتفاقية الجزائر" مع إيران، وتخلت طهران بموجبها عن دعم الأقلية الكردية في العراق. على أثر ذلك، خرج مصطفى البارزاني من العراق إلى إيران ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية للعلاج من مرض السرطان ومكث فيها 4 سنوات حتى توفي في مارس 1979.

بشكل عام، ترك الزعيم الكردي أثراً كبيراً في وجدان قومه، واعتبر واحداً من أهم رموز القضية الكردية في العصر الحديث، حتى أُطلق عليه لقب "أبو القضية الكردية".

كذلك، اشتهر جلال الطالباني، الذي يُعدّ أول رئيس كردي للعراق. ولد جلال حسام الدين طالباني في 1933 بقرية كلكان التابعة لمحافظة السليمانية. درس المرحلة الابتدائية في كركوك والتحق بكلية الحقوق في بغداد في المرحلة الجامعية.

في نهاية الأربعينيات، التحق طالباني بصفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي الستينيات أصبح أحد قادة البيشمركة، كما شارك في المعارك التي دارت بين الأكراد وحكومة الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم. وخلال الثمانينيات قاد الطالباني المعارضة الكردية ضد صدام حسين.

عقب خسارة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية، تهيأت الظروف لإقامة إقليم كردي شبه مستقل في كردستان العراق. وفي هذا السياق، وقع التقارب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وأُدير الإقليم بقيادة مشتركة من الحزبين، لكن سرعان ما وقعت المواجهة المسلحة بينهما.

لم ينته الصراع بينهما حتى توقيع اتفاقية السلام بين البارزاني والطالباني في العاصمة الأميركية واشنطن عام 1998.

بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، سُمح للأكراد بدخول الساحة السياسية العراقية. وفي 2005م، انتخب البرلمان طالباني رئيساً للعراق بعد حصوله على غالبية الأصوات. وفي أكتوبر 2017، توفي الزعيم الكردي عن عمر ناهز 84 عاماً.

 

في إيران

عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهر الحلم بتأسيس دولة للأكراد في إيران. قاد الزعيم الكردي سمكو آغا حركة ثورية محاولاً أن يقيم إمارة كردية مستقلة في غربي إيران.

ولد سمكو آغا عام 1895، وفي شبابه قاد عشيرة الشكاك الكردية التي استوطنت مساحات واسعة في الأراضي الواقعة غربي بحيرة أرومية، وطالب بتأسيس دولة قومية للأكراد.

في سبيل تحقيق هذا الهدف، عقد العديد من الاجتماعات مع قيادات الأكراد في كل من إيران والعراق، ثم أعلن الثورة على الدولة القاجارية الحاكمة في إيران، ودخل في العديد من المعارك ضدها بين (1918- 1922).

وفي 1930 تمكنت السلطة القاجارية من القضاء على تمرد سمكو آغا بشكل كامل بعدما نجحت في استدراجه ثم قامت باغتياله.

تجدد حلم إقامة الدولة الكردية أثناء الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1941، سيطرت القوات السوفيتية على شمالي إيران وسمح السوفييت للأكراد بإقامة نوع من أنواع الحكم الذاتي في الأراضي التي يشكلون أغلبية فيها.

على أثر ذلك تشكل حزب "جمعية إحياء كردستان" وقام زعماء الحزب بإدارة الأمور في مدنهم. وفي يناير 1946 تم الإعلان عن تأسيس جمهورية مهاباد الكردية، واختيار قاضي محمد زعيم الحزب رئيساً للجمهورية الوليدة. لم يطل عمر تلك الدولة، حيث انسحب السوفييت بعد شهور وتركوا الأكراد دون مساندة.

في ديسمبر 1946، دخلت القوات الإيرانية إلى مهاباد وسيطرت على جميع مدنها. كما قامت بحظر اللغة الكردية. وتم شنق قاضي محمد بتهمة الخيانة العظمى.

زعيم آخر كردي، هو عبد الرحمن قاسملو. وُلد عام 1930م في مدينة أورمية وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والإعدادي، قبل أن يرحل إلى تركيا ليتابع دراساته في المرحلة الجامعية بإسطنبول.

يذكر الدكتور محمد علي الصويركي في كتابه "تراجم أعلام الكورد" أن قاسملو بدأ نشاطه السياسي في 1945، ولعب دوراً مهماً في تشكيل "اتحاد الشباب الديمقراطيين" في كردستان، الذي كان أحد مؤسسات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

بعد فترة قصيرة أصبح قاسملو عضواً رسمياً في الحزب، واُنتخب سكرتيراً عاماً له، ثم ترقى فيه حتى وصل إلى منصب الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان ينادي بالاستقلال الذاتي لمنطقة كردستان الشرقية.

بعد ذلك رحل قاسملو إلى أوروبا لدراسة علم السياسة والاقتصاد. فدرس في فرنسا، وتشيكوسلوفاكيا. ثم عمل بعدها على تدريس اللغة الكردية والتاريخ الكردي في بعض الجامعات الأوروبية.

في 1950، عاد إلى إيران وانتخب رئيساً للجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وعرف بمعارضته لسياسات الدولة الإيرانية الشاهنشاهية، فتعرض للحبس عدة مرات.

مع تزايد المعارضة ضد الحكم البهلوي، عاد قاسملو إلى كردستان في أواخر 1978، وقام برفقة 20 ألف مقاتل من قوات البيشمركة بحملة ضد جيش الشاه، واستولى أتباعه على السلاح من الجيش والشرطة في إيران خلال الاضطرابات التي عمت البلاد، وسيطرت البيشمركة على ثماني مدن وعشرين بلدة في كردستان الشرقية، وبذلك وضع الشعب الكردي حجر الأساس لدولته، وأسس فروعاً لحزبه في أنحاء البلاد.

بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، تم تهميش الدور الكردي إلى حد بعيد واضطر قاسملو للهجرة إلى أوروبا. وفي يوليو 1989 اغتيل في العاصمة النمساوية فيينا، ووجهت أصابع الاتهام للمخابرات الإيرانية.

مقاتل من حزب العمال الكردستاني- صورة أرشيفية
كيف أثّر حزب العمال الكردستاني تاريخياً على العلاقات العراقية التركية؟
خلال الشهر الماضي فقط، صنف العراق حزب العمال الكردستاني منظمة محظورة، لأول مرة منذ الصراع بين الحزب وتركيا. وخلال زيارته للعراق، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه يأمل رؤية "نتائج ملموسة" لهذا التصنيف، مضيفا أنه يتطلع إلى "المساعدة العراقية في هذه المعركة". ماذا نعرف عن حزب العمال الكردستاني؟ وكيف أثر تاريخيا على العلاقة بين بغداد وأنقرة؟
 

في تركيا

من أبرز زعماء الكرد في تركيا، كان الشيخ سعيد بيران، الذي ولد عام 1865. درس في صغره العلوم الدينية كما اعتنق التصوف على الطريقة النقشبندية، وحظي بمكانة معتبرة بين الأكراد في منطقة الأناضول وشمال سوريا.

وضح الدور القومي للشيخ سعيد في عشرينيات القرن العشرين، حيث انتهج مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة نهجاً متشدداً ضد الأقلية الكردية، واتبع سياسة التتريك في المناطق التي يقطنها الأكراد.

في فبراير 1925، اجتمع ممثلون عن أكراد تركيا وسوريا في مدينة حلب. واتفقوا على الوقوف ضد سياسة تركيا الكمالية، كما توافق المجتمعون على انتخاب الشيخ سعيد قائداً عاماً لهم. في مارس من العام ذاته، بدأت الثورة الكردية -تحديداً يوم عيد النوروز-  في مناطق عديدة من جنوب شرق تركيا.

في بداية الأمر، حقق الثوار الأكراد بعض الانتصارات، وتمكنوا من فرض الحصار على مدينة ديار بكر. وفي أبريل هُزموا أمام الجيش التركي، كما أُسر الشيخ سعيد بيران مع عدد من أتباعه.

في يونيو من السنة نفسها، حوكم الشيخ سعيد أمام محكمة تركية بتهمة الخيانة. وصدر بحقه حكم بالإعدام، ونُفذ في آخر شهر يونيو ضمن ساحة المسجد الكبير في ديار بكر.

مثال آخر، هو عدد من القادة الأكراد من عائلة بدرخان. وتُنسب إلى عميدها الأمير بدرخان باشا حاكم جزيرة بوتان جنوبي شرق الأناضول.

تولى الأمير بدرخان الحكم في سنة 1812 وتمكن من توحيد القبائل الكردية تحت رايته، ومدّ سلطته حتى وصلت حدود دولته إلى أطراف الموصل جنوباً، وسننداج شرقاً، وديار بكر وسيفورك غرباً.

في عام 1847، تمكن العثمانيون من اجتياح دولة بدرخان باشا وأسروا الأمير ثم نقلوه إلى إسطنبول، ومنها إلى جزيرة كريت، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى دمشق ليقضي فيها السنوات الأخيرة من حياته، حيث توفى عام 1869.

لم ينته تأثير الأسرة البدرخانية بوفاة بدرخان باشا، إذ تمكن أبناؤه وأحفاده من إذكاء الروح القومية لدى الأكراد بطرق متعددة. على سبيل المثال، قام عبد الرزاق بدرخان في 1913 بتأسيس أول جمعية ثقافية كردية باسم "كيهاندن" في مدينة خوي في إيران، كما قاد الانتفاضة الكردية لسنوات بدعم من روسيا حتى قُبض عليه وتم إعدامه من قِبل الأتراك في نهاية المطاف.

كذلك، قام جلادت بدرخان بتأليف الأبجدية الكردية اللاتينية، فيما أصدرت زوجته، روشن بدرخان مجلة هاوار من سوريا عام 1932، وعملت من خلالها على نشر الأبجدية الكردية في جميع أنحاء كردستان.

أيضاً كان منهم الأمير مقداد مدحت بدرخان، الذي أصدر صحيفة "كردستان" من القاهرة في عام 1898 وعمل من خلالها على تسليط الضوء على القضية الكردية.

ويُعدّ عبد الله أوجلان من أشهر الشخصيات التي ارتبط اسمها بالقضية الكردية في العصر الحديث. ولد في 1948 في محافظة أورفة التركية. وفي بداية السبعينيات التحق بكلية الحقوق في جامعة إسطنبول ثم تحول لدراسة العلوم السياسية بجامعة أنقرة.

في عام 1978، أسس أوجلان حزب العمال الكردستاني بهدف تأسيس دولة كردية على أجزاء من إيران وتركيا والعراق وسوريا، لكنه اضطر عام 1980 للرحيل إلى سوريا، وهناك أقام معسكرات لتدريب أعضاء حزبه. بعدها بأربع سنوات قام الحزب بعمليات عسكرية مختلفة في كل من إيران والعراق وتركيا.

في 1998، طالبت سوريا أوجلان بمغادرة أراضيها بعد أن تعرضت دمشق لضغوط من قِبل أنقرة.

إثر ذلك، تنقل بين روسيا وإيطاليا وكينيا. وفي فبراير 1999 قُبض عليه في كينيا وتم تسليمه للسلطات التركية ليُحاكم بتهمة الإرهاب، فصدر بحقه حكم بالإعدام تحوّل لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، وما زال فيه حتى اليوم.

خلال مسيرته، دخل حزب العمال الكردستاني، الذي أسسه أوجلان، في مواجهات دامية مع القوات التركية، نفذ أعضاؤه هجمات داخل الأراضي التركية وخارجه، ما وضعه في قائمة الإرهاب في أكثر من دولة، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

مواضيع ذات صلة:

علاقة شائكة بين الرجلين

 "كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها، الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز". بهذه العبارة لخّص عبد السلام جلود رئيس الوزراء الليبي الأسبق، شكل العلاقة المعقدة التي جمعت بين صدام حسين رئيس العراق الأسبق ونظيره الليبي معمر القذافي.

في المقال، نستعرض أبرز المحطات التي مرت بها العلاقة المعقدة بين الرئيسين الراحلين.

 

ثورة الفاتح وحزب البعث

عند قيام القذافي بثورة الفاتح في سبتمبر 1969 كان العراق خاضعاً للحُكم البعثي بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.

سارع العراق بالترحيب بالثورة الليبية وكان من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الثوري الجديد، كما ترأس صدام حسين وفداً زار ليبيا وعرض تقديم المساعدات والأسلحة لتوطيد دعائم الدولة الليبية الحديثة.

لم يدم هذا الوفاق طويلاً بعدما اختار القذافي السير في هُدى مثله الأعلى جمال عبد الناصر الذي لم يتمتع بعلاقات جيدة مع البعثيين وسبق أن هاجَم صدام حسين ووصفه بـ"البلطجي"، على حد وصف وزير التخطيط العراقي السابق جواد هاشم في مذكراته.

بعد رحيل الرئيس المصري الأسبق، تجلّى التباين الحاد بين الدولتين. ففي يوليو 1971 دعمت بغداد انقلاباً شيوعياً ضد الرئيس السوداني جعفر النميري، بينما وقفت ليبيا على النقيض بعدما لعبت دوراً محورياً في إحباط هذا الانقلاب، من خلال القبض على اثنين من قادته هما الضابط بابكر النور والضابط فاروق عثمان، وتسليمهما إلى النميري الذي أمر بإعدامهما.

في العام التالي وقّع الرئيس المصري أنور السادات مشروع الجمهوريات العربية مع القذافي وحافظ الأسد رئيس سوريا آنذاك، خطوة اعترض عليها البعث العراقي واصفاً هذا المشروع بـ"الاستسلامي" ويهدف للتفريط بمصالح الأمة العربية في فلسطين، حسبما ذكر عباس البخاتي في دراسته "موقف دول المغرب العربي من الحرب العراقية الإيرانية".

سريعاً أتى الرد الليبي؛ فعندما وقّع العراق معاهدة عسكرية مع الاتحاد السوفييتي في أبريل 1972 أمر القذافي باستدعاء سفير ليبيا في بغداد بدعوى أن هذه الخطوة مخالفة لميثاق الجامعة العربية.

بعدها هدأت الأوضاع قليلاً بين البلدين إثر اندلاع حرب أكتوبر والموقف التضامني الكبير الذي تبنّته الدول العربية لدعم مصر وسوريا آنذاك، أهما اتفاق الدول النفطية -منها العراق وليبيا- على قطع إمدادات النفط عن الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية داعمة لإسرائيل.

وعقب مضي السادات وحيداً في عقد اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل تأسس ما يُعرف بـ"جبهة الصمود والتصدي" بدعوة من ليبيا وعضوية الدول الرافضة لهذه الاتفاقية وعلى رأسها العراق والجزائر وسوريا.

في ظِل هذه الأجواء الساخنة، كان صدام لاعباً رئيسياً في رسم السياسة الخارجية لبلاده من خلال موضعه كنائبٍ للبكر، وضعٌ ازداد تطوراً عقب استقالة البكر، ليتصدّر صدام المشهد.

سعى الرئيسان حافظ الأسد وصدام حسين إلى الإطاحة ببعضهما من منصبهما لكنهما فشلا مرارا.
حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

 

صدام رئيساً.. صراعات كردستان وتشاد

بحسب شهادة وزير الخارجية الليبي الأسبق عبدالسلام التريكي التي نقلها غسان شربل في كتابه "في خيمة القذافي"، فإن الفراغ الكبير الذي عرفه العالم العربي بغياب جمال عبد الناصر تنازع على وراثته القذافي وصدام.

وأوضح أن "الكراهية المتبادلة" جمعت بين الرجلين في مرحلة مبكرة من حياتيهما، وهو ما تُرجم على الأرض في مواقف كلا البلدين ضد الأخرى.

فور تولي صدام حسين رئاسة العراق خلفاً للبكر أمر بالانسحاب من "جبهة الصمود" التي رعت ليبيا تأسيسها بسبب عضوية سوريا بها، وافتتح حُكمه باتهامها بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحُكم في بغداد، واتخذها ذريعة لإعدام عددٍ من معارضيه.

بعدها، أظهر القذافي وصدام رغبتهما في إثارة القلق للآخر؛ فقدّم القذافي دعماً كبيراً للأكراد، حيث استقبل جلال طالباني ومسعود بارزاني وغيرهما من الشخصيات العراقية المعارضة للنظام البعثي آنذاك، كما تعرّض فرع حزب البعث في ليبيا للتنكيل حتى قُتل عامر الدغيس أحد كوادر البعث الليبي في بداية 1980.

من جانبه، دعم صدام الرئيس التشادي حسين حبري خلال حربه ضد القذافي وزوّده بأسلحة متقدمة مكّنت قواته من الصمود بوجه الجيش الليبي.

هذا الشقاق الحاد بين الرجلين أسفر عن مشاجرة شهيرة بينهما بعدما التقيا وجهاً لوجه خلال قمة عربية عُقدت في الدار البيضاء. في هذه القمة سخر صدام حسين من الاسم الرسمي الطويل الذي اختاره القذافي للجماهيرية الليبية قائلاً "أخ معمر، ماذا سميت ليبيا؟ أعطني العنوان الكامل".

تحوّلت العلاقة بين الزعيمين إلى "الكراهية" على حد وصف عبد الرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي، الذي قال: "هذه الكراهية المتبادلة كانت وراء تسليم إيران صواريخ ليبية استخدمتها في دك المدن العراقية".

 

الحرب العراقية الإيرانية

بسبب موقف ليبيا المعارض من اتفاقية "كامب ديفيد"، تحسّنت علاقة القذافي بالخميني المعارض الأول للشاه صاحب العلاقات الوثيقة بإسرائيل ومن خلفها أميركا.

بعد خروج الخميني من العراق إثر توقيع "اتفاقية الجزائر" بين صدام حسين والشاه، أعرب القذافي عن رغبته في استقبال الخميني ووضع إذاعة تحت إمرته ينشر عبر أثيرها أفكاره حول إيران وبقية الدول. لكن الخميني رفض، حسبما كشف جلود في كتاب شربل غسان.

استمرّت العلاقة الجيدة بين القذافي والخميني رغم انخراط طهران في حربٍ ضروس ضد العراق، وفي أكتوبر 1980 صرّح عدنان خير الله وزير الدفاع العراقي في مؤتمر صحافي أن "ليبيا تقاتل إلى جانب إيران".

زودت ليبيا إيران بصواريخ سكود (أرض– أرض) استعانت بها في قصف بغداد. بسبب هذه الخطوة قرر صدام قطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، فردَّ عليه القذافي في نفس الشهر بالقول إن دعم طهران "واجب إسلامي" ومحاربتهم تُعد "خدمة للولايات المتحدة الأميركية".

في بداية 1981 أعلنت بغداد أن قواتها أسرت جنوداً ليبيين بعثهم القذافي لتدعيم الإيرانيين في جبهات القتال، وهو ما نفته إيران على لسان رئيسها آنذاك أبو الحسن بني صدر.

وفق شهادة علي السبتي سفير العراق الأسبق في ليبيا، أرسل القذافي خلال احتدام المعارك برقية إلى صدام أخطره فيها بأن هذه الحرب "عبثية وجميع قتلاها في النار" فردَّ صدام "قتلانا في الجنة وقتلاهم وأبوك في النار".

طيلة هذه الفترة اعتادت صحيفة "الثورة" العراقية، وكانت الجريدة الرسمية لحزب البعث العراقي، شنَّ هجماتٍ عنيفة ضد الرئيس الليبي عبر نشر مقالات وصفته بـ"مجنون ليبيا" و"الطاغية الصغير" و"العقيد المجنون".

ازداد الوضع تعقيداً إثر تحسّن موقف إيران ونجاحها في اختراق الأراضي العراقية وعدم الانسحاب منها، الأمر الذي أدى لشعور القذافي بالحرج بسبب رفض طهران مطالبه بالاكتفاء بما حققته من استعادة أراضيها ورغبتها في الاستيلاء على قطاعات من العراق، هنا أعلن القذافي معارضته لاحتلال أي أراضٍ عربية وأعاد علاقته الدبلوماسية مع بغداد.

في 1987 صرّح القذافي بأن تزويد إيران بالصواريخ كان "خطأ كبيراً"، ما أدى لتحسّن  العلاقات بين البلدين، حتى إن صدام حسين وافق على استقبال جاد الله الطلحي وزير الخارجية الليبي وبحث معه كيفية إنهاء الحرب، وهي خطوة لم تستجب لها طهران إلا في منتصف 1988.

من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

ما بعد 2003

قبيل اشتعال حرب الخليج الثانية تلقى صدام حسين عرضاً من القذافي بالخروج من العراق إلى ليبيا حيث يعيش ضيفاً على القذافي لكن صدام رفض الاستجابة، بحسب شهادة نوري المسماري مدير المراسم الرئاسية الليبية.

بعد إسقاط النظام البعثي في 2003 وما أعقب ذلك من إلقاء القبض على صدام حسين وسجنه، أجرى القذافي اتصالات مكثفة مع فصائل مسلحة عراقية لوضع خطة محكمة لتهريبه حتى لو كلفت مليارات الدولارات، بحسب شهادة الدبلوماسية الليبية دعد شرعب.

بعدها أجرى القذافي اتصالاً بتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حينها وطالبه بمنع نشر أي صور مهينة لصدام حسين وهو في سجنه.

عقب فشل محاولة تهريب صدام وتقديمه للمحاكمة، ساهم القذافي في تمويل نفقات هيئة المحامين التي دافعت عن صدام، وكانت ابنته عائشة عضواً في هذا الفريق. موقفٌ دفع صدام لكتابة قصيدة مادحة لها ابتدأها بقوله "قد انتخت عائشةُ وارتجف الضرُّ.. وإذ تبسّمت فقد أشرق الفجرُ".

فشلت هذه المحاولة أيضاً في تحرير صدام من السجن بسبب الحكم عليه بالإعدام. وكان يوم تنفيذ هذا الحُكم كان وقعه كارثياً على القذافي، حتى إنه انقطع عن التواصل مع العالم الخارجي شهراً كاملاً، حسبما روت شرعب.

وخلال خطابٍ شهير له في إحدى القمم العربية انتقد القذافي بشدة عملية إعدام صدام حسين قائلاً لباقي رؤساء الدول العربية "ممكن الدور جاي عليكم كلكم".

الدعم الكبير الذي قدمه القذافي لصدام ما بعد 2003 أثار إعجاب رغد ابنة رئيس العراق فوجّهت الشُكر عدة مرات للزعيم الليبي حتى إنها وصفته بـ"البطل الشهيد" خلال تدوينة كتبتها بمناسبة ذكرى ثورة الفاتح.