تعود تسمية الأسرة البدرخانية إلى الأمير بدرخان بن عبد الله خان الذي حكم إمارة بوتان
تعود تسمية الأسرة البدرخانية إلى الأمير بدرخان بن عبد الله خان الذي حكم إمارة بوتان

يعيش الأكراد في جنوب شرقي تركيا، وشمال شرقي سوريا، وشمالي العراق، وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا.

على مر السنين، حاول الأكراد تأسيس وطن قومي لهم وخاضوا في سبيل تحقيق هذا الحلم العديد من المعارك.

نسلط الضوء في هذا المقال على الأسرة البدرخانية، وهي واحدة من أهم الأسر الكردية التي سعت لإقامة دولة كردية، سواء بالسلاح أو بالحل السلمي.

 

الأمير بدرخان

تعود تسمية الأسرة البدرخانية إلى الأمير بدرخان بن عبد الله خان الذي حكم إمارة بوتان -الواقعة في جنوبي شرق الأناضول- في الفترة الممتدة بين سنتي 1821- 1847. تذكر الباحثة المصرية فائزة محمد حسن ملوك في دراستها "سياسة الدولة العثمانية تجاه الإمارات الكردية في كردستان 1514-1851" أن الأمير بدرخان عمل على وضع الخطط لتنظيم انتفاضة كردية تجاه الدولة العثمانية.

في هذا السياق، بادر بدرخان بالاتصال بزعماء الأكراد لتكوين تحالف كردى ضد السلطات العثمانية، ومن أهم هؤلاء الزعماء مصطفي بك، ودرويش بك وخان محمود (حكام مناطق وان) ونور الله بك (أمير هكاري) وفتاح بك (أحد أمراء هكاري) وخالد بك (أمير خيزان) وشريف بك (أمير بدليس) وكور حسين بك (زعيم العشائر الكردية في منطقة قارص). عُرف هذا التحالف بالحلف المقدس، وتولى الأمير بدرخان قيادته.

وفي أربعينيات القرن التاسع عشر أعلن الأكراد ثورتهم، وبدأوا يفرضون سلطانهم على مساحات واسعة من الأراضي التي تعيش فيها أغلبية كردية، وصلت حدود إمارة بوتان إلى أطراف الموصل جنوباً، وسننداج شرقاً، وديار بكر وسيفورك غرباً. في تلك الأثناء، وقعت بعض الاعتداءات الكردية على الأقليات المسيحية النسطورية في العراق، وتسبب ذلك في تأييد الدول الأوروبية السلطات العثمانية في محاولتها القضاء على الثورة الكردية.

بعد فترة من المواجهة العسكرية، قامت السلطات العثمانية بتقديم الهدايا لبعض زعماء الأكراد ليتخلوا عن دعم بدرخان، ونجحت تلك الخطة في تقليص قوة بدرخان، وعزله عن العديد من القادة الأقوياء، الأمر الذي أضعف الثورة.

وفي سنة 1847، نجحت الدولة العثمانية في حصار بدرخان، فاضطر إلى التسليم مع جميع أفراد اسرته، وأرسل بهم جميعاً إلى إسطنبول، حيث تم نفيه مع عائلته إلى جزيرة كريت في البحر المتوسط، وبقى بها لمدة خمسة عشر عاماً ثم سمح له السلطان العثماني بالذهاب إلى الشام حيث مات بدمشق في سنة 1869، بعد أن نال لقب الباشوية.

 

مقداد مدحت بدرخان

ولد مقداد مدحت بدرخان في مدينة كانديا بجزيرة كريت في سنة 1858، وفي شبابه، انتقل إلى إسطنبول لمتابعة دراسته، وعُرف بإتقانه التركية والعربية والفارسية، إلى جانب لغته الأم الكردية.

بعد نفي الأسرة البدرخانية، سافر مقداد وشقيقه عبد الرحمن إلى مصر- والتي عُرفت في تلك الفترة باستقلالها عن السلطنة العثمانية بسبب سياسات الخديوي عباس حلمي الثاني-. في تلك المرحلة، قام الشقيقان بإصدار صحيفة "كردستان". ونُشرت أول أعدادها من دار الهلال في القاهرة سنة 1898.

كتب مقداد مقالات الصحيفة باللهجة الكرمانجية، المُستخدمة على نطاق واسع في تركيا وسوريا وأجزاء من العراق وإيران، كما كتب أيضاً باللهجة السورانية المُستخدمة من قِبل بعض الأكراد في إيران والعراق. 

سلطت الصحيفة الضوء على معاناة الأكراد، وكان القائمون عليها يعملون على توزيعها -بشكل مجاني- في مختلف أنحاء كردستان عبر دمشق وبيروت. لم يمر وقت طويل على إصدار الصحيفة حتى تعرض القائمون عليها للملاحقة من قِبل السلطات العثمانية، وتسبب ذلك في تغيير مقر الصحيفة ما بين مصر وبريطانيا وسويسرا.

مدونات إرفع صوتك
الأكراد الفيليون ومشروع استقلال كردستان العراق
لا تقتصر الاعتراضات على مشروع استقلال إقليم كردستان العراق على الجهات الدوليّة والقوى الإقليميّة وحتّى موقف بغداد نفسه، إذ أنّ هناك أكراداً تابعين للمذهب الشيعيّ ومعروفين بالأكراد الفيليّين معارضون أساسيّون لانفصال الإقليم عن العراق.

في سنة 1906، اُعتقل مقداد مدحت بدرخان أثناء وجوده في إسطنبول، وصدر قرار بنفيه إلى مدينة طرابلس الليبية، وبعد 4 سنوات، عاد مقداد إلى تركيا، وتابع أنشطته الثقافية والسياسية الداعية لنهضة الأمة الكردية إلى أن تُوفي سنة 1915.

 

جلادت بدرخان

يُعدّ جلادت أمين بدرخان أحد أبرز اعلام عائلة بدرخان. ولد جلادت في إسطنبول، وتعلم فيها إلى أن انتسب إلى الكلية الحربية، وتخرج ضابطاً بالجيش العثماني.

بعد الحرب العالمية الأولى، تم إيفاد جلادت من قِبل "جمعية تعالي الكردية" لكردستان لإعداد قوة عسكرية مسلحة، بهدف تحرير المناطق التي يسكن فيها الأكراد.

في تلك الأثناء، قابل جلادت المبعوث الإنجليزي ميجر نونيل الذي زار كردستان للوقوف على تطلعات ومطالب الشعب الكردي، وقد تسبب هذا اللقاء في تغيير مسار جلادت، لأنه أختار أن يتخلى عن الحل العسكري، وآمن بأهمية جمع التراث الكردي الشفهي، بهدف نشر الثقافة الكردية في كل مكان.

في سنة 1922، صدرت أوامر مصطفى كمال أتاتورك بنفي بعض زعماء الأكراد خارج حدود تركيا، وقد كان جلادت واحداً من هؤلاء الزعماء، واضطر عندها إلى السفر لألمانيا ليتابع دراسته بالحقوق في جامعة لايبزغ.

 وبعد تخرجه سافر إلى مصر ثم لبنان ثم سوريا، وذلك بحسب ما يذكر محمد فتحي عبد العال في كتابه "قطوف من الحضارات".

 في سوريا، قدم جلادت خدمة عظيمة للأمة الكردية، وذلك عندما نشر أبجدية كردية تتألف من 31 حرفاً.

نشر جلادت هذه الأبجدية في الأعداد الستة الأولى من مجلة (هوار)،وهي المجلة التي أصدر جلادت عددها الأول في 1932، ثم ألحق بها مُلحقا مُصورا باسم (روناهي) في إبريل 1942.

في سنة 1951، توفي جلادت بدرخان، ودُفن في دمشق بعد أن ترك العديد من المؤلفات اللغوية والصحافية.

 

كاميران بدرخان

ولد كاميران بدرخان سنة 1895، في إسطنبول، ودرس الحقوق في المرحلة الجامعية، وامتهن المحاماة. بعدها انتسب إلى "جمعية تعالي الكردية"، ورافق شقيقه جلادت في رحلته في كردستان، وفي تلك الفترة، صاحب المبعوث البريطاني ميجر نويل في رحلاته عبر العراق.

بعد صدور قرار نفيه، تنقل كاميران بين سوريا ولبنان. وفي سنة 1943، أصدر صحيفتي "اليوم الجديد"، و"النجمة"، وفي سنة 1947، رحل كاميران إلى فرنسا، واستقر في باريس، وأصبح أستاذاً في جامعة باريس، قسم اللغات الشرقية، واختص فيها بتدريس اللغة الكردية، وفي العاصمة الفرنسية أسس كاميران مركز الدراسات الكردية، وفي سنة 1948، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وقدم مذكرة باسم الشعب الكردي للسكرتير العام للأمم المتحدة بشأن القضية الكردية.

بشكل عام، ألف كاميران العديد من الكتب التي تناولت القضية الكردية، كما اشتهرت ترجماته لتفسير القرآن باللغة الكردية، والتي نشرها في شكل حلقات متتابعة على صفحات مجلة هاوار.

 سنة 1978، توفي كاميران بدرخان في باريس عن عمر ناهز 83 عاماً.

 

عبد الرزاق بدرخان

ولد عبد الرزاق بن نجيب بن بدرخان باشا في إسطنبول سنة 1864، وعمل في شبابه عدة سنوات موظفاً في وزارة الخارجية العثمانية ثم عُين في بداية التسعينات سكرتيراً في السفارة العثمانية في بطرسبورغ، وهناك تعلم الروسية وأصبح مقرباً من الحكومة الروسية.

بحسب ما يذكر عبد الفتاح علي يحيى في دراسته "عبد الرزاق بدرخان البوتاني... نشاطه الثقافي والسياسي" فإن السلطات العثمانية تخوفت من العلاقات الوطيدة التي انعقدت بين عبد الرزاق وعدوتها التقليدية روسيا، فنقلته بعد سنة واحدة إلى طهران ليكون سكرتيراً في السفارة العثمانية، في تلك الأثناء، فكر عبد الرزاق في الهرب، وتمكن من ذلك بمساعدة موظفي السفارة الروسية فهرب سنة 1893 إلى روسيا، ثم غادرها إلى إنجلترا، ولكنه اضطر للعودة إلى إسطنبول مرة أخرى بعد أن مارست السلطات العثمانية ضغوطاً قوية ضد أسرته. سنة 1906، قُبض على عبد الرزاق مع مجموعة أخرى من أفراد الأسرة البدرخانية، وتم نفيهم إلى طرابلس الليبية، وظل في المنفى حتى سنة 1910.

بعد الإفراج عنه سافر إلى روسيا واتفق مع القيصر على تشكيل جيش كردي يساعد الروس في حربهم ضد العثمانيين، وفي هذا السياق، نشر عبد الرزاق العديد من البيانات للأكراد، والتي أكد فيها أن الحرب الروسية العثمانية ليست حرباً دينية، وأن العثمانيين لا يهتمون بالشأن الكردي، ولذلك فمن الافضل أن يبحث الاكراد عن مصلحتهم مع الروس بهدف تأسيس وطن قومي لهم.

ومع تطور احداث الحرب، وقع الخلاف بين عبد الرزاق والروس بسبب اكتشافه أطماعهم في السيطرة على منطقة كردستان.  وفي سنة 1918، اُسدل الستار على قصة عبد الرزاق بدرخان عندما تمكنت المخابرات العثمانية من إلقاء القبض عليه، ليتم تسليمه أسيرا إلى علي إحسان باشا قائد الجيش العثماني الفيلق السادس في جبهة العراق، ليُعدم عبد الرزاق في مدينة الموصل.

 

روشن بدرخان

طوال عقود، برزت العديد من نساء أسرة بدرخان، بحيث عملن في خدمة القضية الكردية بأكثر من طريقة، في هذا السياق، اشتهر اسم روشن بدرخان باعتبارها واحدةً من أهم المناضلات الكرديات.

ولدت روشن بدرخان في سنة 1909، في مدينة قيصرية أثناء فترة نفي أسرتها، وفي عمر السنتين، انتقلت روشن مع أسرتها لإسطنبول، قبل أن يتم نفي الأسرة مرة أخرى إلى سوريا.

في دمشق، استقرت عائلة روشن بدرخان هناك، وتعلمت الفتاة الصغيرة العربية والفرنسية، كما التحقت بدار المعلمات، وتحصلت على شهادة الدبلوم في تعليم اللغة العربية.

في سنة 1935، تزوجت روشن من قريبها جلادت بدرخان، وفي تلك المرحلة ظهر الدور التنويري لروشن.

يذكر الباحثان إسلام عبد الله يونس وعلي صالح حمدان في دراستهما "روشن بدرخان: دراسة في حياتها ودورها الثقافي" أن الاميرة الكردية أدت دوراً تنويرياً واضحاً في الصحف والمجلات العربية بعد تخرجها من دار المعلمات، وذلك عندما كتبت في الصحافة الفلسطينية حول مشكلات المرأة في جريدة "مرآة الشرق"، كما نشرت مقالات ومواضيع اجتماعية وسياسية مهمة في مجلة "منيرفا" اللبنانية.

في السياق التثقيفي نفسه، عملت روشن بدرخان معلمةً للغة العربية في إحدى المدارس الفرنسية بريف دمشق، كما باشرت التدريس في عدد من المدارس الحكومية السورية، ومنها مدرسة خولة بنت الأزور، ومدرسة ليلى الأخيلية.

وفي سنة 1934، ساهمت روشن في تأسيس جمعية خريجات دور المعلمات، وبعد 10 سنوات شاركت في المؤتمر النسائي العالمي الذي عُقد في القاهرة.

من جهة أخرى، عُرفت روشن بترجمتها العديد من الأعمال الأدبية التركية إلى اللغة العربية، ومنها كتاب "مذكرات امرأة" لكوزيدا صبري، و"مذكرات معلمة" لرشاد نوري، وقصيدة "رسالة للشعب الكردي" من تأليف عبد الله سليمان كوران. كما ألفت روشن بعض الكتب المهمة، ومنها "جلادت بدرخان كما عرفته"، و"صفحات من الأدب الكردي".

في سنة 1992، توفيت روشن بدرخان عن عمر ناهز 83 عاماً. ودُفنت - بناء على وصيتها- في دمشق بالقرب من مدفن جدها بدرخان وزوجها جلادت بدرخان.

مواضيع ذات صلة:

صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك
صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك

في طفولته، تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

كما عرض تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، يحلّ صاغية ضيفاً على "ارفع صوتك" في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

 

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبد الرحمن، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه (هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟).

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

 

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

 

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

المؤرخ العراقي عادل بكوان: الميليشيات والفساد يهددان العراق
صدرت حديثاً عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل" النسخة المترجمة إلى العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي-الفرنسي عادل بكوان. الكتاب صادر أساساً باللغة الفرنسية، وحمل بالعربية عنوان "العراق: قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم"، وهو يوثق لمئة عام من تاريخ العراق الحديث. هنا حوار مع الكاتب.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه، بوصفه "مشروع حسين بن علي سني". وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

 

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

 

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل. هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

 

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

 

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

 

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

 

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.