صورة أرشيفية لعراقيين في ميدان "أبو سيف" وسط بغداد، عام 1925- تعبيرية
صورة أرشيفية لعراقيين في ميدان "أبو سيف" وسط بغداد، عام 1925- تعبيرية

أكثر من مئة عام مرت على أحد أهم الأحداث في تاريخ العراق المعاصر، "ثورة العشرين"، وحتى الآن لا يغيب الجدل حول أسبابها ونتائجها وزعاماتها.

يقول عالم الاجتماع علي الوردي في كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"، إن "ثورة العشرين هي أول حدث في تاريخ العراق يشترك فيه العراقيون بمختلف طبقاتهم وفئاتهم، فقد شوهدت فيها العمامة إلى جانب الطربوش، والكشيدة إلى جانب اللفة القلعية والعقال إلى جانب الكلاو وكلهم يهتفون (يحيا الوطن)".

ولم يشهد العراق خلال حكم العثمانيين، بحسب الوردي، أية معركة اشترك فيها أهل المدن مع العشائر "فقد كان هناك نفور بينهما اختفى أثناء ثورة العشرين"، ولم يكن للمعارك السابقة "أية صبغة دينية إلا نادراً، ولم يحدث  أن أفتى العلماء بتأييدها، أما ثورة العشرين فقد أفتى العلماء بتأييدها واعتبروها جهاداً في سبيل الله".

ويرى أن مفاهيم "الوطنية" و"الاستقلال" لم تكن معروفة لدى العراقيين ومن الممكن اعتبار "ثورة العشرين" المدرسة الشعبية الأولى التي علمت العراقيين تلك المفاهيم.

ومناطقياً لم يحدث أن امتدت معركة سابقاً في أنحاء العراق بمثل ذلك النطاق الذي امتدت بها "ثورة العشرين".

وعلى مستوى التناول التاريخي، فإن "ثورة العشرين" وقعت بين مبالغة الثوريين المتحمسين، و بين المغالين في نقدها وهم في الغالب خصومها من البريطانيين وغيرهم ممن حاول تحجيمها بأنها "امتداد للمعارك التي شنتها العشائر العراقية ضد الحكومة التركية بين آن وآخر"، يتابع الوردي.

الرئيسان السوري شكري القوتلي والمصري جمال عبد الناصر خلال اعلان "الجمهورية العربية المتحدة"
لماذا فشلت تجارب "الوحدة العربية" في القرن العشرين؟
"إن منح العرب وعداً بدولة كبيرة هو مجرد تضليل. إذ لا يمكن لدولة مماثلة ان تبصر النور. لا يمكنكم تحويل مجموعة قبائل إلى كيان واحد قابل للعيش"، هذا القول هو للديبلوماسي الفرنسي، جورج بيكو، الذي وقّع مع نظيره البريطاني مارك سياكس اتفاقية سايكس-بيكو الشهيرة التي قسّمت الشرق الأوسط بين الدولتين الاستعماريتين.

رفض الاحتلال

يقول أستاذ التاريخ السياسي الحديث أحمد الركابي لـ"ارفع صوتك" إن السبب الرئيسي لـ"ثورة العشرين" الأوضاع السيئة التي كان يعانيها العراقيون تحت الاحتلال البريطاني.

ويضيف أنها لم تكن الحدث الأول من نوعه "فمنذ دخول القوات البريطانية إلى العراق حصلت العديد من المواجهات في الوسط والجنوب".

يذكر الركابي بعض تلك المواجهات: "معركة الشعيبة عام 1915، وثورة النجف 1918 وغيرها مما كان شاهداً على رفض العراقيين للاحتلال الذي سبب مشاكل عديدة في البلد، بعضها يتعلق بفرض قوانين وضرائب وأعراف تعسفية، دون أن يدركوا إن العراقيين شعب صعب المراس ولا يشبه الشعوب الأخرى التي كانت بريطانيا قد استعمرتها سابقاً".

بالنتيجة "لم يحتمل الشعب العراقي طريقة البريطانيين لإدارة العراق فاشتعلت شرارة الثورة التي استمرت من 30 يونيو حتى نهاية أكتوبر" بحسب الركابي.

وذكر عبد الرزاق الحسني في كتابه "الثورة العراقية الكبرى"، مقدمات سبق اندلاع الثورة "تتعلق بالوضع الاقتصادي وسوء إدارة الاحتلال المتمثلة باحتياجات الجيش المحلية، التي تضمنت السخرة وجمع الطعام وإشغال العقارات ببدلات ضئيلة وإذلال الناس وسلب ثروات البلاد، بينما كان العامل الأبرز موقف علماء الدين".

وأضاف أن هناك "أوضاعاً اجتمعت مع بعضها خلال تلك الفترة بين  ظروف الحرب العامة وعنف الموظفين البريطانيين ضد رجال القبائل التي بعثت فيهم روح التكتل وتناسي الضغائن العصبيات القبلية، لتحلّ محلها العصبية القبلية العامة".

"ومن جانب آخر تأثرت المدن بحركة الأحزاب السياسية والحركة الثقافية الكبيرة والحس الوطني الذي بدأ بالنمو حتى قبل الإطاحة بالحكم العثماني"، وفق الحسيني.

سلوك البريطانيين كما يصفه علي الوردي وصل إلى حد "الرعونة" في حالات كثيرة ومن قبل بعض الحكام بالإضافة لقسوتهم وعدم معرفتهم بعادات وتقاليد العراقيين أبرزهم الميجر ديلي الذي كان يحكم الديوانية والكولونيل ليجمن الذي كان يحكم الموصل ثم تحوّل إلى الرمادي.

يبيّن الركابي أن بريطانيا "عملت في العراق وفق سياسة فرق تسد، فكانت تأتي إلى العشيرة وتختار شخصاً منافساً لرئيسها وتمنحه  الإقطاعيات والأموال وعدداً من الشبانة (الشرطة) لحمايته، بالتالي حاولت شق العشيرة إلى نصفين، فاستفادت بعض العشائر وأخرى تضررت".

أما العامة من الطبقات المسحوقة والكادحة، كما يقول الركابي، فقد عانت من جراء سياسات الاحتلال ورفضته تماماً، ساعدها على ذلك تأييد عدد كبير من رجال الدين.

وطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية- أرشيفية
نوري السعيد.. رجل الهاشميين الأول في العراق
لا يُمكن استحضار تاريخ العراق الملكي دون المرور على شخص السياسي البارز نوري السعيد، ذلك الرجل الذي مثّل حجر الزاوية الأساسي لتلك الفترة دون منازع حتى من الملوك أنفسهم. فلطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية.

وعود

المعروف عن السياسة البريطانية أنها أغدقت بالوعود الخلابة على العرب خلال الحرب وكان من أشهر تلك الوعود بيان صدر عقب احتلال بغداد تضمن العبارة المشهورة "جئناكم محررين لا فاتحين".

وفي 30 نوفمبر 1918 قررت بريطانيا إجراء استفتاء في العراق يتعلق بطبيعة الحكم الذي يرغبون به، تضمن ثلاثة أسئلة هي "هل يفضلون دولة عربية واحدة تحت إرشاد بريطانيا تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج، وهل يرغبون في أن يرأس هذه الدولة رجل عربي من أولي الشرف، ومَن هو هذا الرئيس الذي يريدونه؟"، كما جاء في كتاب الوردي.

نتيجة لذلك الطرح البريطاني، تم تقديم أسئلة تتعلق بالاستفتاء إلى المرجع الديني المطاع الشيخ محمد تقي الحائري في "جواز انتخاب غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين"، فأفتى الحائري ما نصّه "ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين".

ووقع الاختيار من قبل كثير من الأعيان والشيوخ على أن يكون العراق دولة مستقلة عن التاج البريطاني، يرأسها ملك عربي مسلم وهو أحد أنجال الشريف حسين مقيداً بمجلس تشريعي وطني مقرّه عاصمة العراق بغداد. كان ذلك في يناير 1919، لكن في المقابل وضع العراق تحت الانتداب البريطاني في 25 أبريل 1920.

شرارة الثورة

بدأت شرارة الثورة كما يؤرخ عالم الاجتماع علي الوردي من "الرميثة" نتيجة لعدة وقائع هي "أحداث دير الزور، وواقعة تلعفر وأحداث رمضان في بغداد ونفي ابن الشيرازي"، انتهت بقمع البريطانيين لأهل هذه المناطق بوحشية ونفي عدد كبير من قادة الاحتجاجات.

قبلها بخمسة أيام سمع الميجر ديلي أن عشيرة "الظوالم" رفعت راياتها مظهرة أنها في حرب مع الحكومة، فأوعز باعتقال رئيس الظوالم شعلان أبو الجون وإرساله إلى الديوانية، وفي 30 يونيو أرسل إلى أبو الجون للحضور إلى سراي الرميثة وجرى توقيفه.

أرسل أبو الجون الخبر إلى ابن عمه غثيث الحرجان الذي سارع مع عشرة رجال مسلحين لتحريره، وهو ما تم بعد قتل اثنين من الحراس الأربعة، وعادوا به إلى عشيرتهم لتبدأ أحداث "ثورة العشرين" بسلسلة من المعارك بعد قيامه باقتلاع أخشاب سكة الحديد، واستمرت عشائر الرميثة تقاتل البريطانيين منفردة وحدها زهاء أسبوعين.

بعدها بدأت رايات الثورة ترفع في مناطق عديدة من الفرات الأوسط (النجف وكربلاء والديوانية وبابل والمثنى) بالإضافة إلى العاصمة بغداد. أشهر تلك المعارك كانت "الرارنجية" التي استمرت ست ساعات استخدمت فيها العشائر السلاح الأبيض و"الفالة" و "المكوار".

ولم يتمكن من النجاة إلا نصف الرتل الإنجليزي حتى وصفها الجنرال هالدين بـ"الكارثة" وقُدرت خسائرها بـ20 قتيلاً و318 مفقوداً. هذه المعركة كانت نقطة تحوّل كبيرة لصالح الثورة شكلت محور دعاية كبيرة جعلت العشائر المترددة تندفع نحو الانضمام كما يقول الوردي.

لكن، ما إن انتهى شهر أغسطس حتى بدأت القوات البريطانية تتوارد إلى العراق، وتسلم الجنرال هالدين برقية من وزير الحربية ونستون تشرشل أعلمه فيها أن "الوزارة قررت وجوب القضاء على الثورة".

من ثورة العشرين إلى "النهضة النسائية".. جانب من سيرة المرأة العراقية
خاضت المرأة العراقية نضالاً طويلاً من أجل نيل حقوقها، وهو نضال تعدّدت جبهاته، فهو ضد السلطة المعادية لحقوق المرأة، والعادات والتقاليد الاجتماعية التي أعاقت تطورها في شتى المجالات. وخلال مسيرة النضال الطويلة برزت المئات من الناشطات العراقيات في شتى المجالات، نستعرض عدد منهن.

نتائج

الهجوم الشرس الذي قادته بريطانيا تضمن قصف المدن والقرى والعشائر بالطائرات والمدافع، في وقت لم يكن لدى العراقيين سوى البنادق والأسلحة البيضاء والتقليدية، وخلال خمسة أشهر من بداية الثورة كانت المؤن والعتاد نفدت.

لا توجد إحصاءات دقيقة للخسائر كما يقول الحسني في كتابه، مكتفياً بذكر الخسائر التي سجلها الجنرال البريطاني هالدين، وأفادت بمقتل  312 بريطانياً منهم 19 ضابطاً، بالإضافة لجرح 1228 بريطانيا، أما المفقودين منهم فوصل عددهم إلى 451، بينما بلغ عدد القتلى والجرحى العراقيين نحو 8450.

ومجموع الغرامات التي استلمتها الحكومة من الثوار تجاوزت 63 ألف بندقية صالحة للاستخدام وأكثر من ثلاثة ملايين خرطوشة ومبلع 867 روبية (54 جنيه إسترليني آنذاك).

بحسابات الحروب، فإن العراقيين تكبدوا خسائر فادحة من الناحيتين البشرية والمادية، إلا أن النتيجة المباشرة للثورة كما يؤكد الأستاذ أحمد الركابي، كانت "إلغاء مشروع بريطاني قضى باقتطاع الجزء الجنوبي من العراق وربطه بالهند، وعمل عليه ويلسون وغيره من قادة الاحتلال في العراق".

يوضح "بعد الثورة، تم التعجيل بالمطالبة المهمة، أن يحكم العراق حاكم عربي حدده بعض الثوار وشيوخ القبائل بالأمير فيصل بن الحسين. وهو ما توافق لاحقاً مع إرادة البريطانيين لرد الجميل للشريف حسين الذي ساندهم في الحرب، ما أدى لقيام الحكومة العراقية ثم استقلال العراق".

 

جدل الشيخ ضاري

قبل أيام، شهدت صفحات العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً، بعد إلقاء الفنان علي سمير لقصيدة والده الراحل الشاعر سمير صبيح، التي تلمّح إلى محاولات سرقة "ثورة العشرين" من قبل "حزب البعث" وعشائر معينة في المنطقة الغربية من العراق.

الشيخ ضاري رياض محمد اقرأ التاريخ من دون شحنات طائفية. الشيخ ضاري لم يكن بطلا عظيما كما يصوره السنة ولم يكن سارقا...

Posted by Riyadh Mohammed on Friday, June 21, 2024

وهو جدل ليس بجديد على الساحة العراقية، حيث بدأ في ثمانينيات القرن الماضي حين أنتجت الحكومة العراقية فيلماً حمل عنوان "المسألة الكبرى" نُسب فيها إلى الشيخ ضاري، الفضل في إطلاق شرارة الثورة وتحويل أهم أحداثها من الفرات الأوسط إلى المنطقة الغربية.

بغض النظر عن التراشقات الطائفية والمناطقية فإن الكولونيل لجمن قتل على يد أبناء وأتباع الشيخ ضاري (12 أغسطس 1920 أي بعد نحو ستة أسابيع من قيام الثورة)، بعد توجيهه إهانات للشيخ وبصقه على وجهه بسبب حادث سلب في منطقة كان مسؤولاً عن الأمن فيها.

يقول علي الوردي إن الشيخ ضاري "كان واحداً من الشيوخ الذين اختارتهم بريطانيا ضمن سياسة اختيار شيخ واحد في كل منطقة يدعمونه بالمال والنفوذ ليكون مسؤولاً عن الأمن والنظام فيها، كما كان واحداً من الشخصيات التي وصلها كِتاب من الثوار في الجنوب، وأبدى استعداده لإعلان الثورة".

حادث مقتل الكولونيل ليجمن كان ضربة موجعة للحكومة البريطانية، خصوصاً أنها جاءت بعد أيام على معركة الرارنجية الشهيرة التي أسهمت في نشر الثورة بمناطق عديدة في العراق.

وبعد مقتل الكولونيل أعلن الشيخ ضاري الانضمام إلى الثورة، وتوجه إلى كربلاء في أكتوبر 1920 ولم يبق فيها طويلاً، بل عاش متنقلاً بين العشائر حتى أُلقي القبض عليه عام 1927 وجرت محاكمته وسجنه حتى وفاته عام 1928.

مواضيع ذات صلة:

مسجد "الرسول الأعظم" في إحدى المناطق السياحية المعروفة داخل العاصمة العُمانية مسقط- تعبيرية
مسجد "الرسول الأعظم" في إحدى المناطق السياحية المعروفة داخل العاصمة العُمانية مسقط- تعبيرية

لأكثر من 10 ساعات استمر الهجوم الدموي في محيط مسجد "الإمام علي" بمنطقة "الوادي الكبير" في العاصمة العُمانية مسقط، بين ليل الاثنين وصباح الثلاثاء الماضيين.

وجاء عشية إحياء الشيعة حول العالم "يوم عاشوراء"، حيث يستذكرون في فعالياته  مقتل الإمام الحسين في معركة كربلاء عام 680.

أسفر الهجوم عن مقتل ستة أشخاص، أربعة باكستانيين وهندي وشرطي عُماني، إضافة إلى ثلاثة مهاجمين، كما أصيب نحو 28 آخرين بجروح.

تبنى تنظيم داعش العملية في السلطنة الخليجية الهادئة التي لم يسبق أن شهدت مثل هذه الهجمات من قبل، بخلاف دول مجاورة.

وخلافا لبقية دول الخليج التي يحكمها السُّنة، تتبع عُمان المذهب الإباضي، ولكن لديها عدد كبير من السكان السنّة وأقلية شيعية صغيرة، إلا أنها مؤثرة. فماذا نعرف عن شيعة عُمان وأبرز القبائل العُمانية المحسوبة عليهم؟ وما هو وضعهم الحقوقي والاجتماعي والسياسي كأقلية دينية في البلاد؟

 

التاريخ والأصل

يشير الباحث محمد صادق إسماعيل في كتابه "حقوق عربية ضائعة: قراءة في قضايا اجتماعية معاصرة" إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجه الباحثين الراغبين في التعرف على تاريخ التشيّع الإمامي في سلطنة عُمان.

وعلى الرغم من قِدم هذا الوجود إلا أنه لم يحظ باهتمام المؤرخين، بحسب إسماعيل، قائلاً "الشخص الذي يريد أن يبحث في تاريخ شيعة عُمان عليه أن يقوم بالرجوع إلى الكثير من المصادر للوصول إلى المعلومات الصحيحة والدقيقة، لأن تاريخ عُمان قد دُوّن على المذاهب الأخرى غير المذهب الشيعي...".

ومن الممكن تحديد البدايات الأولى للحضور الشيعي في عُمان بالعقد الثالث من القرن الأول الهجري. في تلك الفترة، خاض الإمام علي بن أبي طالب عدداً من الحروب ضد الخارجين على سلطته بعدما تولى الخلافة، وفق ما يذكر شبر بن شرف بن علي الموسوي في كتابه "الطائفة الإمامية في عُمان: التاريخ والأدب والتجديد".

يضيف "جيش الإمام علي شهد حضوراً كثيفاً من جانب قبائل الأزد العمانية. حارب أفراد القبيلة بجوار الخليفة الرابع، وحافظوا على ولائهم له عقب وفاته. وظهر ذلك في مساندتهم المستمرة للإمامين الحسن والحسين بن علي على الترتيب".

في القرون الأولى من الهجرة، اشتهرت العديد من الشخصيات العمانية التي اعتنقت التشيّع الإمامي. منهم على سبيل المثال، اللغوي الشهير الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي وصفه محسن الأمين في كتابه "أعيان الشيعة" بقوله "كان أفضل الناس في الأدب، وقوله حجةٌ فيه، واخترع علم العروض، وفضله أشهر من أن يُذكر...".

ومنهم أيضاً، الفقيه المعروف ابن أبي عُقيل العماني، الذي امتدحه رجل الدين العراقي المعاصر محمد مهدي بحر العلوم في كتابه "الفوائد الرجالية" فقال إنه "أول من هذب الفقه واستعمل النظر، وقسّم البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى...".

ورغم غلبة المذهب الإباضي على معظم نواحي عُمان، إلا أن الوجود الشيعي ظل قائماً في العديد من المدن والقرى على مرّ القرون.

 

التوزيع الديموغرافي

في الوقت الحالي، يُقدّر عدد أتباع الشيعة الإمامية في عُمان بنحو 100 ألف نسمة من إجمالي عدد السكان الذي يبلغ مليونين و330 ألف نسمة، منهم مليون و800 مواطن عُماني.

يتحدث وضاح الهاشمي، الباحث العماني في تاريخ المذاهب لـ"ارفع صوتك" عن توزيع الطائفة الشيعية داخل عمان.

ويشرح أنهم ينتظمون في عدد من القبائل، هي: "البحارنة" وهم الشيعة العرب، و"الموسويون" وهم من الأشراف العلويين من ذرية موسى الكاظم بن جعفر الصادق، و"العجم" ترجع أصولهم إلى إيران خصوصاً مناطق الساحل الإيراني، ويعيشون منذ قرون في مسقط ومنطقة مطرح وفي منطقة الباطنة أيضاً بينما يعيش القليل منهم في مسندم ومدينة صور الساحلية. كذلك، تعرف عُمان قبائل "اللواتية" الشيعية التي هاجرت من عُمان في زمن الفتوحات الإسلامية إلى السند والهند وبعدها رجعت إلى عُمان مرة.

يضيف الهاشمي "كانت قبائل اللواتية تعتنق التشيع الإسماعيلي الأغاخاني في أول الأمر. ثم تحولت في القرن التاسع عشر الميلادي إلى المذهب الإمامي الإثني عشري".

في كتابها "الموجز في تاريخ سلطنة عمان القديم والحديث"، تلقي الباحثة شيرين إسماعيل أحمد الضوء على المكانة المُعتبرة التي حظي بها العديد من الشيعة داخل السلطنة في العقود الأخيرة.

وتبيّن أن "اللواتية شغلوا مناصب حكومية ممتازة. على سبيل المثال عُين مقبول بن علي بن سلطان وزيراً للتجارة والصناعة عام 1993، وعُين محمد بن موسى اليوسف وزير دولة لشؤون التنمية في 1994. كما عُينت راجحة بنت عبد الأمير اللواتي، كأول امرأة عُمانية في منصب وكيل وزارة الشؤون التخطيط في مجلس التنمية، قبل أن تشغل منصب وزير السياحة في فترة لاحقة. بالإضافة لخديجة بنت حسن اللواتي، التي كانت أول امرأة تشغل منصب سفير، عندما عُينت كسفيرة لسلطنة عُمان لدى هولندا".

كذلك، تذكر أحمد، أن "البحارنة أيضاً شغلوا مراتب محترمة في المجتمع العُماني. ساعدهم في ذلك تميزهم في مجالات العمل الحر والتجارة، مثل عائلة درويش التي تملك شركة محسن حيدر درويش، وتُعدّ من العائلات الثرية في السلطنة".

"وكان للبحارنة نفوذ سياسي واسع لا سيما أنهم يشغلون مواقع مهمة في الديوان السلطاني، منهم الدكتور عاصم الجمالي، أول وزير للصحة في 1970، الذي تولى لفترة وجيزة رئاسة الوزراء بالوكالة" تتابع أحمد.

 

نموذج التعايش 

على العكس من حالة التضييق التي تعاني منها معظم الأقليات الشيعية في الدول الخليجية، يتمتع شيعة عُمان بهامش واسع من التسامح وحرية ممارسة طقوسهم وشعائرهم.

يعترف شبر الموسوي بهذا التسامح، فيؤكد في كتابه أن الشيعة في عُمان "يحظون باستقلالية تامة في إدارة شؤون مذهبهم. وتبدو مظاهر تلك الاستقلالية في بناء وتشييد العديد من المساجد الخاصة بهم، وإنشاء وتسيير المؤسسات الخيرية، مثل (صناديق القرض الحسن)، و(مساعدة الأيتام)، و(أبناء السبيل)، بالإضافة لإدارة الأوقاف الجعفرية والمأتم والحسينيات".

"لهذا نجد أن مساجد أتباع أهل البيت وحسينياتهم تتوزع على العديد من المحافظات والمدن والقرى التي يقطنونها. يُمارسون شعائرهم فيها بكل حرية وطمأنينة. وفي مسقط لوحدها عددها 21؛ كما أن هناك العديد من المساجد في الباطنة، من أشهرها مسجد الإمام علي بن أبي طالب في المصنعة، ومسجد الفيروز في الخابورة..."، بحسب الموسوي.

من جهته، يؤكد وضاح الهاشمي على ذلك، مردفاً أن "عموم الشيعية العمانيين يتمتعون بكافة حقوقهم كمواطنين في السلطنة. فيتولون مختلف الوظائف الحكومية، ويتشاركون مع السنة والإباضية في كافة الحقوق والواجبات دون تمييز أو تفرقة في المعاملة".

ويقول "حتى أن الشيعة يتزاوجون من أهل المذاهب الأخرى دون حساسية تُذكر. ويخوضون المنافسات الانتخابية للوصول لمقاعد مجلس الشورى دون الحاجة للحصول على حصة انتخابية -كوتا- مخصصة لهم، كما هو الوضع في العديد من الدول الأخرى".

وهناك العديد من الشواهد الدّالة على انعقاد حالة فريدة من التسامح المذهبي داخل عُمان. ففي نوفمبر 2022، شهدت مسقط افتتاح جامع "السلام الكبير" على مساحة تزيد عن 13 ألف متر مربع بما يجعله أكبر جامع للمسلمين الشيعة في السلطنة.

حضر ذلك الافتتاح العديد من رموز وعلماء السنة والإباضية، ولم يجدوا بأساً في الصلاة بجوار الشيعة، وهو أمر يخالف الصورة النمطية الشائعة عن حالة الاحتقان المذهبي السائدة في معظم الدول العربية.

في السياق نفسه، تم توثيق العديد من حالات التعايش السلمي الهادئ بين الشيعة العُمانيين من جهة وأصحاب المذاهب المخالفة من جهة أخرى. على سبيل المثال، اشتهر مقطع فيديو  لحفل زفاف لعريس سني وعروس شيعية المذهب، فيما تولى العقد مفتي الإباضية في عُُمان.

ونَشرت بعض الصفحات على موقع "إكس" قيام بعض السنة والإباضية بمشاركة الشيعة العمانيين طقوسهم بمناسبة ذكرى مقتل الإمام الحسين في شهر محرم.