صورة أرشيفية لعراقيين في ميدان "أبو سيف" وسط بغداد، عام 1925- تعبيرية
صورة أرشيفية لعراقيين في ميدان "أبو سيف" وسط بغداد، عام 1925- تعبيرية

أكثر من مئة عام مرت على أحد أهم الأحداث في تاريخ العراق المعاصر، "ثورة العشرين"، وحتى الآن لا يغيب الجدل حول أسبابها ونتائجها وزعاماتها.

يقول عالم الاجتماع علي الوردي في كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"، إن "ثورة العشرين هي أول حدث في تاريخ العراق يشترك فيه العراقيون بمختلف طبقاتهم وفئاتهم، فقد شوهدت فيها العمامة إلى جانب الطربوش، والكشيدة إلى جانب اللفة القلعية والعقال إلى جانب الكلاو وكلهم يهتفون (يحيا الوطن)".

ولم يشهد العراق خلال حكم العثمانيين، بحسب الوردي، أية معركة اشترك فيها أهل المدن مع العشائر "فقد كان هناك نفور بينهما اختفى أثناء ثورة العشرين"، ولم يكن للمعارك السابقة "أية صبغة دينية إلا نادراً، ولم يحدث  أن أفتى العلماء بتأييدها، أما ثورة العشرين فقد أفتى العلماء بتأييدها واعتبروها جهاداً في سبيل الله".

ويرى أن مفاهيم "الوطنية" و"الاستقلال" لم تكن معروفة لدى العراقيين ومن الممكن اعتبار "ثورة العشرين" المدرسة الشعبية الأولى التي علمت العراقيين تلك المفاهيم.

ومناطقياً لم يحدث أن امتدت معركة سابقاً في أنحاء العراق بمثل ذلك النطاق الذي امتدت بها "ثورة العشرين".

وعلى مستوى التناول التاريخي، فإن "ثورة العشرين" وقعت بين مبالغة الثوريين المتحمسين، و بين المغالين في نقدها وهم في الغالب خصومها من البريطانيين وغيرهم ممن حاول تحجيمها بأنها "امتداد للمعارك التي شنتها العشائر العراقية ضد الحكومة التركية بين آن وآخر"، يتابع الوردي.

الرئيسان السوري شكري القوتلي والمصري جمال عبد الناصر خلال اعلان "الجمهورية العربية المتحدة"
لماذا فشلت تجارب "الوحدة العربية" في القرن العشرين؟
"إن منح العرب وعداً بدولة كبيرة هو مجرد تضليل. إذ لا يمكن لدولة مماثلة ان تبصر النور. لا يمكنكم تحويل مجموعة قبائل إلى كيان واحد قابل للعيش"، هذا القول هو للديبلوماسي الفرنسي، جورج بيكو، الذي وقّع مع نظيره البريطاني مارك سياكس اتفاقية سايكس-بيكو الشهيرة التي قسّمت الشرق الأوسط بين الدولتين الاستعماريتين.

رفض الاحتلال

يقول أستاذ التاريخ السياسي الحديث أحمد الركابي لـ"ارفع صوتك" إن السبب الرئيسي لـ"ثورة العشرين" الأوضاع السيئة التي كان يعانيها العراقيون تحت الاحتلال البريطاني.

ويضيف أنها لم تكن الحدث الأول من نوعه "فمنذ دخول القوات البريطانية إلى العراق حصلت العديد من المواجهات في الوسط والجنوب".

يذكر الركابي بعض تلك المواجهات: "معركة الشعيبة عام 1915، وثورة النجف 1918 وغيرها مما كان شاهداً على رفض العراقيين للاحتلال الذي سبب مشاكل عديدة في البلد، بعضها يتعلق بفرض قوانين وضرائب وأعراف تعسفية، دون أن يدركوا إن العراقيين شعب صعب المراس ولا يشبه الشعوب الأخرى التي كانت بريطانيا قد استعمرتها سابقاً".

بالنتيجة "لم يحتمل الشعب العراقي طريقة البريطانيين لإدارة العراق فاشتعلت شرارة الثورة التي استمرت من 30 يونيو حتى نهاية أكتوبر" بحسب الركابي.

وذكر عبد الرزاق الحسني في كتابه "الثورة العراقية الكبرى"، مقدمات سبق اندلاع الثورة "تتعلق بالوضع الاقتصادي وسوء إدارة الاحتلال المتمثلة باحتياجات الجيش المحلية، التي تضمنت السخرة وجمع الطعام وإشغال العقارات ببدلات ضئيلة وإذلال الناس وسلب ثروات البلاد، بينما كان العامل الأبرز موقف علماء الدين".

وأضاف أن هناك "أوضاعاً اجتمعت مع بعضها خلال تلك الفترة بين  ظروف الحرب العامة وعنف الموظفين البريطانيين ضد رجال القبائل التي بعثت فيهم روح التكتل وتناسي الضغائن العصبيات القبلية، لتحلّ محلها العصبية القبلية العامة".

"ومن جانب آخر تأثرت المدن بحركة الأحزاب السياسية والحركة الثقافية الكبيرة والحس الوطني الذي بدأ بالنمو حتى قبل الإطاحة بالحكم العثماني"، وفق الحسيني.

سلوك البريطانيين كما يصفه علي الوردي وصل إلى حد "الرعونة" في حالات كثيرة ومن قبل بعض الحكام بالإضافة لقسوتهم وعدم معرفتهم بعادات وتقاليد العراقيين أبرزهم الميجر ديلي الذي كان يحكم الديوانية والكولونيل ليجمن الذي كان يحكم الموصل ثم تحوّل إلى الرمادي.

يبيّن الركابي أن بريطانيا "عملت في العراق وفق سياسة فرق تسد، فكانت تأتي إلى العشيرة وتختار شخصاً منافساً لرئيسها وتمنحه  الإقطاعيات والأموال وعدداً من الشبانة (الشرطة) لحمايته، بالتالي حاولت شق العشيرة إلى نصفين، فاستفادت بعض العشائر وأخرى تضررت".

أما العامة من الطبقات المسحوقة والكادحة، كما يقول الركابي، فقد عانت من جراء سياسات الاحتلال ورفضته تماماً، ساعدها على ذلك تأييد عدد كبير من رجال الدين.

وطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية- أرشيفية
نوري السعيد.. رجل الهاشميين الأول في العراق
لا يُمكن استحضار تاريخ العراق الملكي دون المرور على شخص السياسي البارز نوري السعيد، ذلك الرجل الذي مثّل حجر الزاوية الأساسي لتلك الفترة دون منازع حتى من الملوك أنفسهم. فلطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية.

وعود

المعروف عن السياسة البريطانية أنها أغدقت بالوعود الخلابة على العرب خلال الحرب وكان من أشهر تلك الوعود بيان صدر عقب احتلال بغداد تضمن العبارة المشهورة "جئناكم محررين لا فاتحين".

وفي 30 نوفمبر 1918 قررت بريطانيا إجراء استفتاء في العراق يتعلق بطبيعة الحكم الذي يرغبون به، تضمن ثلاثة أسئلة هي "هل يفضلون دولة عربية واحدة تحت إرشاد بريطانيا تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج، وهل يرغبون في أن يرأس هذه الدولة رجل عربي من أولي الشرف، ومَن هو هذا الرئيس الذي يريدونه؟"، كما جاء في كتاب الوردي.

نتيجة لذلك الطرح البريطاني، تم تقديم أسئلة تتعلق بالاستفتاء إلى المرجع الديني المطاع الشيخ محمد تقي الحائري في "جواز انتخاب غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين"، فأفتى الحائري ما نصّه "ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين".

ووقع الاختيار من قبل كثير من الأعيان والشيوخ على أن يكون العراق دولة مستقلة عن التاج البريطاني، يرأسها ملك عربي مسلم وهو أحد أنجال الشريف حسين مقيداً بمجلس تشريعي وطني مقرّه عاصمة العراق بغداد. كان ذلك في يناير 1919، لكن في المقابل وضع العراق تحت الانتداب البريطاني في 25 أبريل 1920.

شرارة الثورة

بدأت شرارة الثورة كما يؤرخ عالم الاجتماع علي الوردي من "الرميثة" نتيجة لعدة وقائع هي "أحداث دير الزور، وواقعة تلعفر وأحداث رمضان في بغداد ونفي ابن الشيرازي"، انتهت بقمع البريطانيين لأهل هذه المناطق بوحشية ونفي عدد كبير من قادة الاحتجاجات.

قبلها بخمسة أيام سمع الميجر ديلي أن عشيرة "الظوالم" رفعت راياتها مظهرة أنها في حرب مع الحكومة، فأوعز باعتقال رئيس الظوالم شعلان أبو الجون وإرساله إلى الديوانية، وفي 30 يونيو أرسل إلى أبو الجون للحضور إلى سراي الرميثة وجرى توقيفه.

أرسل أبو الجون الخبر إلى ابن عمه غثيث الحرجان الذي سارع مع عشرة رجال مسلحين لتحريره، وهو ما تم بعد قتل اثنين من الحراس الأربعة، وعادوا به إلى عشيرتهم لتبدأ أحداث "ثورة العشرين" بسلسلة من المعارك بعد قيامه باقتلاع أخشاب سكة الحديد، واستمرت عشائر الرميثة تقاتل البريطانيين منفردة وحدها زهاء أسبوعين.

بعدها بدأت رايات الثورة ترفع في مناطق عديدة من الفرات الأوسط (النجف وكربلاء والديوانية وبابل والمثنى) بالإضافة إلى العاصمة بغداد. أشهر تلك المعارك كانت "الرارنجية" التي استمرت ست ساعات استخدمت فيها العشائر السلاح الأبيض و"الفالة" و "المكوار".

ولم يتمكن من النجاة إلا نصف الرتل الإنجليزي حتى وصفها الجنرال هالدين بـ"الكارثة" وقُدرت خسائرها بـ20 قتيلاً و318 مفقوداً. هذه المعركة كانت نقطة تحوّل كبيرة لصالح الثورة شكلت محور دعاية كبيرة جعلت العشائر المترددة تندفع نحو الانضمام كما يقول الوردي.

لكن، ما إن انتهى شهر أغسطس حتى بدأت القوات البريطانية تتوارد إلى العراق، وتسلم الجنرال هالدين برقية من وزير الحربية ونستون تشرشل أعلمه فيها أن "الوزارة قررت وجوب القضاء على الثورة".

من ثورة العشرين إلى "النهضة النسائية".. جانب من سيرة المرأة العراقية
خاضت المرأة العراقية نضالاً طويلاً من أجل نيل حقوقها، وهو نضال تعدّدت جبهاته، فهو ضد السلطة المعادية لحقوق المرأة، والعادات والتقاليد الاجتماعية التي أعاقت تطورها في شتى المجالات. وخلال مسيرة النضال الطويلة برزت المئات من الناشطات العراقيات في شتى المجالات، نستعرض عدد منهن.

نتائج

الهجوم الشرس الذي قادته بريطانيا تضمن قصف المدن والقرى والعشائر بالطائرات والمدافع، في وقت لم يكن لدى العراقيين سوى البنادق والأسلحة البيضاء والتقليدية، وخلال خمسة أشهر من بداية الثورة كانت المؤن والعتاد نفدت.

لا توجد إحصاءات دقيقة للخسائر كما يقول الحسني في كتابه، مكتفياً بذكر الخسائر التي سجلها الجنرال البريطاني هالدين، وأفادت بمقتل  312 بريطانياً منهم 19 ضابطاً، بالإضافة لجرح 1228 بريطانيا، أما المفقودين منهم فوصل عددهم إلى 451، بينما بلغ عدد القتلى والجرحى العراقيين نحو 8450.

ومجموع الغرامات التي استلمتها الحكومة من الثوار تجاوزت 63 ألف بندقية صالحة للاستخدام وأكثر من ثلاثة ملايين خرطوشة ومبلع 867 روبية (54 جنيه إسترليني آنذاك).

بحسابات الحروب، فإن العراقيين تكبدوا خسائر فادحة من الناحيتين البشرية والمادية، إلا أن النتيجة المباشرة للثورة كما يؤكد الأستاذ أحمد الركابي، كانت "إلغاء مشروع بريطاني قضى باقتطاع الجزء الجنوبي من العراق وربطه بالهند، وعمل عليه ويلسون وغيره من قادة الاحتلال في العراق".

يوضح "بعد الثورة، تم التعجيل بالمطالبة المهمة، أن يحكم العراق حاكم عربي حدده بعض الثوار وشيوخ القبائل بالأمير فيصل بن الحسين. وهو ما توافق لاحقاً مع إرادة البريطانيين لرد الجميل للشريف حسين الذي ساندهم في الحرب، ما أدى لقيام الحكومة العراقية ثم استقلال العراق".

 

جدل الشيخ ضاري

قبل أيام، شهدت صفحات العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً، بعد إلقاء الفنان علي سمير لقصيدة والده الراحل الشاعر سمير صبيح، التي تلمّح إلى محاولات سرقة "ثورة العشرين" من قبل "حزب البعث" وعشائر معينة في المنطقة الغربية من العراق.

الشيخ ضاري رياض محمد اقرأ التاريخ من دون شحنات طائفية. الشيخ ضاري لم يكن بطلا عظيما كما يصوره السنة ولم يكن سارقا...

Posted by Riyadh Mohammed on Friday, June 21, 2024

وهو جدل ليس بجديد على الساحة العراقية، حيث بدأ في ثمانينيات القرن الماضي حين أنتجت الحكومة العراقية فيلماً حمل عنوان "المسألة الكبرى" نُسب فيها إلى الشيخ ضاري، الفضل في إطلاق شرارة الثورة وتحويل أهم أحداثها من الفرات الأوسط إلى المنطقة الغربية.

بغض النظر عن التراشقات الطائفية والمناطقية فإن الكولونيل لجمن قتل على يد أبناء وأتباع الشيخ ضاري (12 أغسطس 1920 أي بعد نحو ستة أسابيع من قيام الثورة)، بعد توجيهه إهانات للشيخ وبصقه على وجهه بسبب حادث سلب في منطقة كان مسؤولاً عن الأمن فيها.

يقول علي الوردي إن الشيخ ضاري "كان واحداً من الشيوخ الذين اختارتهم بريطانيا ضمن سياسة اختيار شيخ واحد في كل منطقة يدعمونه بالمال والنفوذ ليكون مسؤولاً عن الأمن والنظام فيها، كما كان واحداً من الشخصيات التي وصلها كِتاب من الثوار في الجنوب، وأبدى استعداده لإعلان الثورة".

حادث مقتل الكولونيل ليجمن كان ضربة موجعة للحكومة البريطانية، خصوصاً أنها جاءت بعد أيام على معركة الرارنجية الشهيرة التي أسهمت في نشر الثورة بمناطق عديدة في العراق.

وبعد مقتل الكولونيل أعلن الشيخ ضاري الانضمام إلى الثورة، وتوجه إلى كربلاء في أكتوبر 1920 ولم يبق فيها طويلاً، بل عاش متنقلاً بين العشائر حتى أُلقي القبض عليه عام 1927 وجرت محاكمته وسجنه حتى وفاته عام 1928.

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.