منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول". 

مواضيع ذات صلة:

فنان عراقي أثناء عمله على إحدى اللوحات في المنطقة التي كانت تُسمى شارع الرسامين- ارفع صوتك
فنان عراقي أثناء عمله على إحدى اللوحات في المنطقة التي كانت تُسمى شارع الرسامين- ارفع صوتك

منزوياً خلف المجمعات التجارية وبعيداً عن الشارع العام المكتظ بصخب الباعة والمتبضعين، يبدو شارع الرسامين خاوياً من مرتاديه الذين كانوا قبل أربعين عاماً من العراقيين الذواقة والسياح الأجانب وموظفي البعثات الدبلوماسية.

حين كان محمد الخفاجي صغيراً في أواخر سبعينيات القرن الماضي وأوائل الثمانينيات، كانت أذنه تلتقط مختلف اللغات واللهجات العربية من الباحثين عن لوحات الفن التشكيلي العراقي ولوحات المستشرقين.

"لكن الشارع اليوم يفتقد رواده وكثير من فنانيه الذي هاجر الكثير منهم خارج البلد" كما يقول الخفاجي لـ"ارفع صوتك".

صورة حديثة من شارع الرسامين وسط بغداد- ارفع صوتك

البدايات 

يشرح الخفاجي بداية ظهور شارع الرسامين في منطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد، حين كانت المنطقة تعج بمحال الموبيليات (الأثاث): "كان والدي نجاراً ولديه معرض كبير على واجهة الشارع، وفي عام 1974 اقترح عليه فنان مصري اسمه سيد رابح أن يعرض لوحاته للبيع في المعرض".

لم يمانع والد الخفاجي من الفكرة وبدأ الفنان المصري بالرسم وعرض اللوحات، يقول الابن "بشكل مفاجئ كانت اللوحة تباع بسرعة كبيرة خلال مدة لا تتجاوز اليوم أو اليومين، وهذا أعجب أبي، فقرر تحويل عمله إلى بيع اللوحات، ومن هنا بدأ شارع الرسامين بالتوسع".

بالنتيجة، يتابع الخفاجي، اهتم جميع أفراد العائلة بالرسم، بعضهم انتظم في مدارس الفن وكلياته في العراق، بدراسته. هو نفسه انصب اهتمامه على الرسم التشكيلي والبغداديات التراثية.

 ومثل أي مشروع ناجح، جذبت البداية القوية الكثير من الذواقة والفنانين وبدأت المعارض الفنية بالتوسع حتى وصل عددها إلى 74 معرضاً في ثمانينيات القرن الماضي، لتمتد على طول الشارع العام وداخل بعض الأزقة.

يقول الخفاجي "في ذلك الوقت كانت هناك حركة فنية قوية في العراق خصوصاً الفن التشكيلي حتى أن السوق كان جاذباً للسياح الأجانب، فمن كان يزور العراق لعدة أيام يأتي لشراء لوحة كتذكار من زيارته، والأمر ذاته بالنسبة للبعثات الدبلوماسية التي كان الكثير منها مستقراً في منطقة الكرادة".

 لا يتعلق الأمر فقط بفناني العراقي، إذ استقطب الشارع عدداً من الفنانين العرب الذين استقروا في ن في فنادق الكرادة ورسموا لوحات لمصلحة المعارض.

وخلال عقد التسعينيات، رغم الحصار الاقتصادي، ظلت أن اللوحات العراقية مطلوبة من الخارج بشدة، وذاع صيت الكثير من الفنانين.

يضيف الخفاجي "مثلما كانت بداية انطلاقة شارع الرسامين قوية، كان التراجع هائلاً.. مع العام 1997 بدت آثار الحصار واضحة، و بدأ الطلب يقل مع تراجع المعروض بسبب هجرة العديد من الفنانين واستقرارهم خارج العراق".

صورة حديثة من شارع الرسامين وسط بغداد- ارفع صوتك

أسباب التراجع

بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 وما تلاه من وقائع، مثل تزايد العنف وتردي الأوضاع الاقتصادية، تأثرت حياة الفنانين العراقيين المزاولين للرسم في الشارع، كما يقول عبد الناصر الأنصاري، وهو صاحب معرض في شارع الرسامين.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "أغلب الناس أصبح شغلها الشاغل يتعلق بكيفية الحصول على عمل وتلبية متطلبات المعيشة، ولا توجد فسحة من الرفاهية للتفكير بالفن أو اقتناء الأعمال الفنية الأصلية التي تكون من القماش والألوان وجهد بشري هو ثمرة سنوات طويلة من التدريب".

ويعتبر الأنصاري أن هذه الظروف أسهمت بتراجع ذوّاقة الفن، الأمر الذي رافقه تراجع أيضاً في عدد الزائرين والسيّاح الذين كانوا لا يفوّتون فرصة زيارة شارع الرسامين واقتناء إحدى اللوحات المعروضة فيه.

ما تحدث عنه الأنصاري كان واضحاً خلال زيارة فريق "ارفع صوتك" إلى شارع الرسامين الذي لم تبق منه سوى عدة معارض على اتجاهي شارع الكرادة، فيما يتركز نشاطه في قيصرية كتب على لافتتها القديمة "مجمع الرسامين للفنون التشكيلية" في زقاق متفرع عن الشارع الرئيس بوجود غير ملاحظ.

بينما تتحدث مراسلة "ارفع صوتك" معه، أشّر الأنصاري بيده نحو مجمع تجاري مقابل القيصرية قائلاً "هذه البناية سابقاً كانت معارض فنية كبيرة، لكن الزحف العمراني اقتلع ما كان مقراً لعدد كبير من الفنانين بعد عرض بنايتهم للبيع، واستقر عوضاً عنها مجمع تجاري للسلع الاستهلاكية والمطاعم (مول)".

 الأمر ذاته ينطبق على العديد من المحال التجارية في المنطقة، يؤكد الأنصاري، مبيناً "ارتفعت أسعار العقارات فيها وارتفعت بدلات الإيجار، في بالمقابل أصبح العائد المادي من وراء المعارض الفنية غير مرض لأصحاب الأملاك وكثير منهم انتهز الفرصة وقام ببيع أو استثمار المكان".

يتفق الرسام مهدي الخفاجي مع ما ذهب إليه الأنصاري، قائلاً إن "الواقع الذي نعيشه صعب ولا يتمكن الإنسان العراقي من الحصول على أبسط الخدمات مثل الكهرباء التي تغيب كثيراً في فصل الصيف، فكيف يمكن أن يركز على الفن والجمال في ظل واقع متراجع!".

صورة حديثة من شارع الرسامين وسط بغداد- ارفع صوتك
صورة حديثة من شارع الرسامين وسط بغداد- ارفع صوتك

تحديّات وأمل

مرت سبعة أشهر على وصول الفنان العراقي عدي شربة من المهجر إلى العراق، استقر في عمله خلالها بشارع الرسامين. عمله يختلف عن البقية باختياره الرسم على الزجاج.

يقول شربة إن هذا النوع "لاقى نجاحاً جيداً فهو مزيج من الفن التشكيلي والبغداديات القديمة وبين الحداثة، عبر صناعة أبواب زجاجية فنية في البيوت والمطاعم والفنادق والمؤسسات".

ويعدّد لـ"ارفع صوتك" أبرز التحديّات التي تواجه الفنانين في العراق، منها "كيفية تقييم العمل الفني مادياً، فما يحكم السوق هو قانون العرض والطلب مع الأسف، وليس القيمة الفنية للعمل، وهذا يجب ألا يحصل للفن في أي بلد".

ومن المقارنات الأكثر تأثيراً على النفس، بحسب شربة، حين يقارن المشتري بين سعر الأعمال الفنية اليديو ونظيرتها المطبوعة التي تُعد أقل قيمة فنياً.

"لهذا فإننا نرى سوق الفن في العراق ضعيفاً ومحصور بفئة معينة. ويضطر الفنان لعرض لوحاته خارج العراق للحفاظ على قيمة فنه الذي أفنى فيه سنوات طويلة من عمره للوصول إلى النضج الفني المطلوب"، يتابع شربة.

ويتوقع إذا استمر الحال كذلك، أن يفقد العراق خزينه من الأعمال الفنية التي يتم الاحتفاظ بها داخلياً، أمام توجه الفنانين بأعمالهم للخارج من أجل الحفاظ على قيمتها الفنية.

في المقابل، أثرت الطفرة التكنولوجية على شارع الرسامين بشكل "إيجابي" كما يرى الأنصاري. يوضح: "العالم أصبح قرية صغيرة في ظل الإنترنت، وكان لمواقع التواصل الاجتماعي أثر في عرض الفنانين الشباب والرواد لأعمالهم في مواقعهم الإلكترونية. هذا أسهم بتقليص فجوة النفقات التي يحتاج إليها الرسام في عمله من إيجاد مقر للعمل أو مكان لعرض لوحاته وغيرها من الاحتياجات".

من جهته، يؤكد مهدي الخفاجي الذي كان محاطاً بألوانه وعاكفاً على لوحة للشناشيل أن "الأجيال الجديدة وجدت منفذاً لها في مواقع التواصل، والتقدم التكنولوجي وفر لها تواصلاً مع المهتمين بالفن داخل وخارج العراق، وهو أمر يوفر لهم الكثير من الأموال التي يتطلبها العمل الفني ويشير إلى تعاف فني من نوع جديد وأكثر حداثة".