من الأمثلة قصيدة "غنيتُ مكة" للشاعر اللبناني سعيد عقل، التي غنتها فيروز- تعبيرية
من الأمثلة قصيدة "غنيتُ مكة" للشاعر اللبناني سعيد عقل، التي غنتها فيروز- تعبيرية

رُزِقَ الكاتب والأديب اللبناني المسيحي مارون عبود بصبي فسماه محمداً، لشدّة إعجابه برسول الإسلام.

وكان كما يروي حفيده الإعلامي وليد عبود في إحدى المقابلات "يضع رسماً للنبي محمد بريشة رجل الدين المسيحي نعمة الله المعادي في صدر داره حيث يستقبل الناس، وكان مفتوناً بالإسلام وبالعروبة، متأثراً بموجة القومية العربية".

وفي ديوانه الشعري "الزوابع"، قصيدة لعبّود يدافع فيها عن اختياره الاسم "خفف الدهشة واخشع إن رأيت/ ابن مارون سميّاً للنبي.. أمه ما ولدته مسلماً/ أو مسيحياً ولكن عربي.. والنبي القرشي المصطفى/ آية الشرق وفخر العرب".

وهو واحد من أدباء وشعراء عرب مسيحيين افتتنوا بالدين الإسلامي وأعربوا عن ذلك علانية.

هذا ليس بغريب عن العلاقة بين المسيحيين العرب والإسلام، فقد حضرت تاريخياً شخصيات مسيحية أثرت التاريخ الإسلامي. وفي مجال الشعر ربما يكون الأخطل أحد أشهر الشعراء الذين اشتهروا بمدائحهم للأمويين، وتناول مواضيع إسلامية ومظاهر من حياة المسلمين في شعره، في انعكاس لتأثير البيئة الإسلامية عليه.

الشاعر الشهير جورج جرداق، صاحب "هذه ليلتي" التي غنتها أم كلثوم، كان أيضاً  مفتوناً بالإمام علي بن أبي طالب، ابن عم محمد، وزوج ابنته فاطمة. وقد خصص له موسوعة بعنوان "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية"، يستهلها بوصف علي بأنه "العظيم الحق لا يخص طائفة من البشر ولا قوماً دون قوم".

في مجال لا يبتعد كثيراً ومع شاعر غنائي آخر، عندما ينصت مستمع عربي إلى كلمات أغنية "غنيتُ مكة" للمطربة اللبنانية فيروز وهي تشدو "يا قارئ القرآن صلّ لهم/ أهلي هناك وطيب البيدا"، آخر ما قد يتوقعه أن يكون كاتب هذه الكلمات شاعر مسيحي.

القصيدة التي تحتفي بمدينة مكة، مقصد المسلمين من مختلف أرجاء العالم لممارسة شعائرهم المقدسة، كتبها في الواقع الشاعر اللبناني سعيد عقل، الذي تأثّر بالإسلام وأبدع في تناول أكثر موضوعاته قدسية في شعره.

غلاف كتاب "الإسلام في شعر المسيحيين" لفارس يواكيم

في كتابه "الإسلام في شعر المسيحيين" (2017)، يفسّر الباحث فارس يواكيم علاقة عقل الخاصة بالإسلام، فهو "على عكس معظم الشعراء الذين ورد ذكرهم في هذا الكتاب، وكان الإسلام والعروبة لديهم وجهين لعملة واحدة، ومدخلهم إلى الإسلام باب العروبة، يفصل سعيد عقل بين الاثنين جذرياً. وتبقى علاقته بالإسلام روحية ومن دون عروبة. وهو قرأ القرآن جيداً، ويلمس القارئ ذلك في بعض أبياته".

يواكيم قدم في كتابه أكثر من ثلاثين أديباً عربياً من سوريا ولبنان ومصر والسودان وفلسطين ودول عربية أخرى، كتبوا مدائح في الإسلام ومكة ومحمد ومناسك الحج.

وإذا كان عدد الأدباء والشعراء اللبنانيين كبيراً في الكتاب، ربما لوجود عدد كبير من المسيحيين في هذا البلد، إلا أن هناك أسماء أخرى مثل الشاعر الفلسطيني نقولا حنا الذي ينقل عنه يواكيم قوله "قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت فيه ففتنني، ثم أعدت قراءته فآمنت".

كما يذكر قصيدة كتبها الشاعر السوداني عزيز التوم منصور، بعد حريق المسجد الأقصى في أغسطس عام ١٩٦٩، يقول فيها "إني بكيت عليك أمس/ كما بكيت على المسيح".

العديد من هؤلاء الشعراء والأدباء استقوا ثقافتهم العربية من المصادر الدينية، وتحديداً من القرآن، وبعضهم يعتبر أن النص الديني الإسلامي كان "ملهماً" لبلاغتهم الأدبية ورافداً لقصائدهم وأعمالهم الأدبية والفكرية.

وكان الإسلام في ثقافتهم محفزاً لنشر قيم التعرّف إلى الآخر والحوار معه، وأحياناً كانت الغاية منه الحشد لمشروع العروبة السياسي والثقافي على السواء.

في كلا الحالين، شكّل الإسلام ثنائياً مع مسيحية هؤلاء، مثرياً تجاربهم، من دون أن يعني ذلك، بالضرورة، تخلياً عن مسيحيتهم. وربما يكون المثل الساطع على هذا الثراء في القول الذي ينقله يواكيم عن جبران خليل جبران "أنا لبناني ولي فخر في ذلك أيضاً.. أنا مسيحي ولي فخر بذلك. ولكنّي أهوى النبي العربي وأكبر أسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله...".

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.