الصفحة الرئيسية (مؤرشفة)

عراقية ناجية من العنف الأسري: أحاول أبني حياة وسط الخراب

رحمة حجة
24 نوفمبر 2020

آلاف حالات العنف ضد النساء يتم تسجيلها سنوياً في العراق، ولكن سارة وأمها، كانتا دوماً خارج الإحصائيات في بغداد، لأنهما لم تقدما شكوى، ولأن أحداً من أقاربهما، لم يكترث.

كان عمر سارة سبع سنوات حين بدأت تتلقّى الضرب على جسدها، خصوصاً ظهرها، من والدها، الذي كان يضرب أمها وإخوتها أمامها أيضاً. 

هذا الضرب كان "بمناسبة وغير مناسة.. لسبب وغير سبب" حسبما تقول، إلا أنها في سن العاشرة، وقفت لتحمي أمها من أبيها، وتتلقى كل الضرب عنها. حينها عبرت بطريقتها للمرة الأولى بأنهما لا تشعران بالأمان.

حاولت سارة، قبل منتصف الليل بقليل الاستنجاد بعمّها وبعض أقاربها المقيمين في الحيّ نفسه، حيث تعاظم ضربهما باستخدام الصونده (خرطوم مياه بلاستيكي).

"لم يُظهر أي رد فعل. عافونا وحدنا، ولم ينقذنا أحد" تقول سارة عن أقاربها، وهي التي عاشت سنوات طويلة وسط غياب "رد الفعل" على الضرب، حتى من أمها، التي استكانت تحت ضغط عائلتها "ارجعي من أجل الأولاد".

وفي اليوم الثاني بعد هذه الليلة الطويلة التي لا تنساها سارة "كان كل شيء طبيعياً، كأن شيئاً لم يحدث أمس" وفق تعبيرها.

وحسب منظمة الصحة العالمية، تعرضت سارة وأمها لما يُعرف بـ"عنف العشير"، والعشير قد يكون أحد الأقرباء (الأب / الأخ/ وغيرهما) أو الزوج أو الصديق، ومنه تأتي مفردة العِشرة، التي تعني المخالطة والمصاحبة والمعايشة.

"وﺗﺘﻌﺮض واﺣﺪة ﻣﻦ ﺛﻼثة ﻧﺴﺎء وﻓﺘﻴﺎت ﻟﻠﻌﻨﻒ اﻟﺠﺴﺪي أو اﻟﺠﻨﺴﻲ خلال ﺣﻴﺎﺗﻬﻦ، ويكون ﻓﻲ ﻣﻌﻈﻢ اﻷﺣﻴﺎن من طرف عشير" حسب المنظمة نفسها.

 توقف والدهما عن "الضرب الجماعي" لأبنائه الذكور وابنته الوحيدة وأمهم، ليس لأنه بات "أكثر وعياً واعتذر عمّا يقوم به" كما تمنت ابنته، إنما لأنه أصيب بمرض أفقده قوّته وتفوقه البدني عليهم. 

هذا الأمر خلق شعوراً متناقضاً لدى سارة، فهو في نهاية الأمر: أبوها.

ماذا تقول عن ذلك؟ وكيف تعيش الحياة منذ خمس سنوات، أي بعد شبه النهاية لكابوس العنف الذي طغى على طفولتها ومراهقتها؟ وبماذا تحلم؟

 

"شوية حريّة"

لم يكن من السهل على سارة (22 عاماً) مشاركة "ارفع صوتك" تجربتها، خصوصاً أنها لا تزال تعيش في نفس البيت الذي شهد تعنيفها وأمها، وهو بمثابة استعادة لذاكرة صعبة.

تبعث رسائلها الصوتية بالسّر، بنبرة تقف فيها الدمعة على طرف العين بداية، ثم نفس العين تبدو في صوتها حالمة طامحة بالمستقبل، فهذه المقابلة بمثابة "فرصة" لسارة للتعبير عن نفسها ورواية ما لا يُروى من قصص نساء أخريات، حسبما أكدت لنا.

تقول سارة "الكثير من النساء يعشن ظروفاً أتعس منّي ولا يستطعن الكتابة بعضهن أميّات وليس لهن صوت، كما لا يمكنهن الكلام. هذه فرصتي لإيصال أصواتهن".

"منذ زمن أخذت قراراً ألا أكون مجرد إنسانة واقفة على الحياد" تؤكد سارة، التي توشك على التخرج من الجامعة، التي مثلّت لها نافذة أمل لمستقبل أفضل.

 وإن كان أبوها توقف عن ضربها بسبب مرضه، فإن بعض إخوتها سلكوا نفس مسلكه، وهم الذين كانوا يُضربون على يده معها، أطفالاً.

تروي سارة لـ"ارفع صوتك": "آخر ضربة تلقيتها من والدي وأنا في عُمر  16 سنة، كان أن أنهيت مكالمة تلفونية مع أمي وهي خارج البيت، بالتزامن مع وصول أحد إخوتي، الذي سحب الهاتف مني بعنف، متهماً إياي بأنني أكلم شاباً، وحدث شجار قوي بيننا. بعد بعد ذلك شربت حبوباً دوائية بنيّة الانتحار،  وتُركت في مكاني نحو نصف ساعة، حتى وصلت أمي البيت، وحين جاء أبي وعلم بالأمر، ضربني على ظهري، بدل أن يتكلم معي أو يأخذني للمستشفى".

وفي بداية السنة 2020 "حدثت مشكلة في البيت  في البيت كانت أمي الملامة فيها، فدافعت عنها، ولأنني بنت عليّ ألا أتكلم أو أرفع صوتي، حسبما يعتقد إخوتي، ليقوموا بضربي" تتابع سارة.

وعن المفارقة في مرض أبيها الشديد والتوقف عن ضربها، تقول سارة "شعرت بالحزن صحيح، لكني في نفس الوقت حصلت على شوية (القليل) حريّة".

وتضيف "في البداية تساءلت: هل أنا إنسانة سيئة أم جيدة؟ هل يُعقَل أنني فرحانة بمرض أبي؟.... كان يجب أن تكون الحياة منصفة أكثر، بحيث يعي أخطاءه ويعتذر لنا عن كل شيء".

وتوضح أن الموضوع لم يكن مقتصراً على الضرب، بل التحكم بشكل كبير في مظهرها، حتى وهي طفلة صغيرة.

تروي سارة "أتذكر في أحد الأعياد، كان عمري 10 سنوات، وذاهبة مع أمي لبيت جدّي، أرتدي تنورة قصيرة، فقام أبي بإرجاعنا للبيت،  ومنعني من الخروج، وحرّض إخوتي ضدّي،  وبقيت متروكة أبكي..."

"منذ طفولتي وأنا أرتدي عباءة وتنانير طويلة، كنت مثل عجوز، لا شيء في يشبه الطفولة. حتى طلاء الأظافر منعت منه، لأنه برأي أبي (حرام)" تتابع سارة.

القليل من الحرية الذي نالته سارة بعد مرض أبيها، لم يقتصر على مظهرها الخارجي، بل أيضاً كان في دخولها الجامعة، ووصولها لسنة التخرّج، على الرغم من الضغوط الكبيرة في محيط عائلتها الممتدة على أمها لتزويجها.

تقول "لولا أمي التي رفضت تزويجي صغيرة أسوة ببنات خالاتي، لما كنت اليوم هنا. فمنذ كان عمري 17 سنة والنساء في عائلتنا يمارسن الضغط عليها أو يسمعنني كلاماً جارحاً".

"التعليم الجامعي كان بمثابة طفرة في حياتي، تغيرت، وتغيرت ثقافتي، وفي موقع تويتر صرت أدافع عن النساء. لكن حتى في المجال الافتراضي نتعرض للتهديد، والتحريض ضدنا كنسويّات عراقيات، وبسبب الحملات ضد نسويات أخريات، لم أعد أستطيع التعبير عن كل ما يخطر في نفسي" تقول سارة لـ"ارفع صوتك".

وحيث كانت الجامعة نافذتها الأولى لعالم مختلف، مثلت فترة الانقطاع عن الدوام والبقاء في البيت تبعاً لأزمة جائحة فيروس كورونا، أسوأ ما جرى لها خلال 2020، وأصيبت إثر ذلك بالإحباط والاكتئاب، فهل ما زالت كذلك؟

 

كيف الشفاء؟

"عشت نحو سنة ونصف- قبل كورونا وبعدها-  مع الاضطرابات النفسية والقلق والاكتئاب، وبدأت آثاره تظهر على صحتي الجسدية، كنت كلما سمعت صوت أبي أشعر بنبضات قلبي تتسارع وأنكمش على نفسي، وأحياناً بدون سابق إنذار. سنة 2020 كانت الأسوأ" تصف سارة أزمتها النفسية.

لكنها قالت "كافي" وبدأت مرحلة العلاج النفسي لها بنفسها، مشيرة إلى استعانتها بالكتب  في هذا المجال.

صارت تقرأ أكثر، وتمارس الرياضة في مساحة ضيقة داخل بيتها، حيث اختارت تمارين مناسبة، وصارت تكتب، وترسم، لتفريغ المشاعر التي تنتابها.

تقول سارة "كنتُ أعبر أحيانا عن آلامي وأحزاني في تويتر، فلا أجد تعاطفاً، بل اللوم واتهامي بأنني سلبية، لذا قررت قضاء وقت أكثر مع نفسي، والتأمل، لمعرفة ما أريد حقاً".

وتتابع "مرّات أقع لكنني أقوم بناء على قناعتي بأن أحداً لن ينقذني، سوى أنا".

كما تعمل سارة على تطوير مهاراتها في اللغتين العربية والإنجليزية، وبرامج الحاسوب، أملاً منها بتحسين فرصتها في الحصول على عمل مباشرة بعد التخرّج.

 

أحلام سارة؟

لسارة هدف كبير في المجال العام، بأن تحاول نقل صوت النساء المعنّفات وألا تعيش فتاة أخرى تجربة مشابهة لما عاشته، وهدف آخر لها بأن تصبح امرأة "مستقلة تعيش حياتها كما تحب وترتدي ما تحب وتعمل في المكان الذي تحب".

ولسارة حلم، ربما يجده الكثير من القرّاء بسيطاً جداً، لكنه إلى الآن في قوام المستحيل ضمن الحياة التي تعيشها، تقول "أريد فد يوم أطلع أصور بشوارع بغداد القديمة، أحب أصور وأحب أمشي، ولازم أحقق هذا الحلم". 

حتى ما يملّه بعضنا، مثل المشاركة في تدريبات أو ورشات عمل، هو حلم أيضاً بالنسبة لسارة.

"أريد أحضر دورات فعاليات وأتطوع وأسافر، وأبني ذكريات" تضيف الشابة العشرينية.

وعن الذكريات، طالما شعرت أنها عاشت طفولة بلا ذكريات جميلة يمكن استعادتها، حيث حرمتها دوّامة العنف التي علقت فيها لسنوات، من ذلك.

وفي آخر رسالة صوتية عبر تطبيق "واتساب" بعثتها سارة، ابتسمت وقالت "لا أعرف إن كانت قصتي ملهمة، لكنّي سأظل أقاوم. أريد أن أبني حياة وسط الخراب وقلّة الإمكانيات".

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمستشفى إدلب المركزي- ا ف ب
صورة تعبيرية لمستشفى إدلب المركزي- ا ف ب

يواجه الملايين من سكّان شمال غرب سوريا كارثة صحية محتملة على خلفية توقّف الدعم عن العديد من المنشآت الطبية، وتوقف عمل المنظمات الراعية لها.

ويقطن في محافظة إدلب وريفها وريف حلب الغربي نحو 5 ملايين مدني، أكثر من نصفهم نازحون داخلياً من مناطق مختلفة، تحت نفوذ "هيئة تحرير الشام" وواجهتها المدنية "حكومة الإنقاذ".

وتعمل في تلك المناطق عشرات المنظمات الإغاثية والطبية التي تحصل على تمويلها بشكل كامل من منظّمات إغاثية دولية، أعلن بعضها توقف الدعم، بينما تسود مخاوف من إيقاف التمويل كلّياً عن البقية التي لا تزال قيد التشغيل.

وفي يونيو الماضي، قالت مديرية الصحة التابعة لـ"حكومة الإنقاذ" في إدلب إن مدير الصحة الدكتور زهير القراط التقى مع مُديري مراكز الرعاية الصحية الأولية؛ لمناقشة واقع انخفاض دعم المراكز الصحية والخروج بمقترحات تساعد في التخفيف من الآثار الكارثية المترتبة على ذلك.

English Below استكمالاً لسلسلة اللقاءات التي تعقدها مديرية صحة إدلب مع المنشآت الصحية نتيجة تقليص الدعم الدولي للقطاع...

Posted by ‎مديرية صحة إدلب - Idlib Health Directorate‎ on Monday, June 3, 2024

 

"لا بوادر إيجابية"

وعبر صفحتها الرسمية في "فيسبوك"، قالت مديرية صحة إدلب إن عدد المراكز الصحّية التي توقّفت وسيتوقف عنها الدعم حتى نهاية يونيو بلغ 22 مركزاً، وسيرتفع هذا الرقم مع نهاية العام إلى 95 مركزاً في ظل عدم وجود أية بوادر أو مؤشرات لمنح جديدة تدعم تشغيلها.

وفي حملة تحت عنوان "أنقذوا الأرواح"، نظّمت كوادر طبّية في محافظة إدلب في 9 يوليو الجاري، وقفة احتجاجية ندّدت بتقليص الدعم الدولي عن القطاع الصحي في شمال غرب سوريا، وطالبت بإعادة دعم وتمويل المنشآت الصحية المتوقّف عنها الدعم.

وتُضاف أزمة إيقاف الدعم الدولي عن القطاع الطبي في شمال غربي سوريا إلى سلسلة من الأزمات المعيشية والخدمية التي تضرب المنطقة، في ظل اعتمادها بشكل كلّي على الدعم الخارجي وعدم توفّر موارد ماليّة مُساعدة، كما يقول الطبيب عمار الزين، الذي يعمل في مركز "السلام" الصحي بريف إدلب.

ويرى لـ"ارفع صوتك" أن إيقاف الدعم الطبي في منطقة لا تزال تعيش آثار الحرب المُدمّرة بعد أن حظيت ببضع سنوات من الهدوء النسبي "أشدُّ فظاعة من عودة القصف والمعارك".

يوضح الزين: "أيام القصف والغارات الروسية والسورية كانت المراكز الطبية قادرة نوعاً ما على استقبال الجرحى، أما اليوم فإن إيقاف الدعم سيكون كفيلاً بإنهاء حياة الآلاف بسبب أمراض أو إصابات يمكن تلافيها".

وفي مايو الماضي، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إنه لم يتمّ الحصول إلا على 6% من التمويل المطلوب لعام 2024 في سوريا، وهو 227 مليون دولار من أصل 4.07 مليار دولار يحتاج إليها، واصفاً نقص التمويل والاستجابة الإنسانية لسوريا بأنه أمر "مُثير للقلق".

وأضاف المكتب حينها "سيضطرّ ما يقرب من 160 منشأة صحية بما في ذلك 46 مستشفى، إلى تعليق عملياتها بحلول يونيو إذا لم تتم زيادة التمويل".

 

كارثة "يمكن تلافيها"

في السياق، يقول الطبيب العام سعيد جملو إن أبرز المراكز الصحية التي توقّف الدعم عنها فعلياً في محافظة إدلب، هي مستشفى "أريحا" للنسائية والأطفال، ومجمع "سرمدا" الطبي، ومستشفى "حارم" العام، ومركز "الأمل" لجراحة العظام، ومركز "الرحمة الجراحي"، ومستشفى "كفرتخاريم" للنسائية والتوليد، ومركز "معرتمصرين" للعلاج الفيزيائي.

ويضيف أن كلاً من هذه المراكز يستقبل بشكل يومي عشرات الحالات، فيما تستقبل مراكز الصحة النسائية والتوليد العدد الأكبر من المراجعين.

ويحذر جملو خلال حديثه لـ"ارفع صوتك" من أن الأخطر في إيقاف الدعم عن تلك المراكز والمنشآت يتمثل في جانب الصحّة النسائية والتوليد، إضافة إلى المراكز التي تستقبل حالات غسيل الكلى، ما قد يشكل "كارثة حقيقية، يمكن تلافيها بدعم من دولة واحدة في حال تقرّر إيجاد حلول". 

وتسود حالة من القلق والخوف والترقّب في أوساط سكّان شمال غرب سوريا، بعد إيقاف ثلث المراكز الطبّية والصحّية المدعومة، وسط مناشدات للإبقاء على المراكز التي لا تزال قيد التشغيل، والمُهدّدة بالإيقاف مع نهاية العام الحالي.

أحد سكان ريف إدلب الشمالي ويُدعى وليد حاجي، يعتبر أنه في ظلّ الحالة الاقتصادية الهشّة التي تعيشها الغالبية من سكان شمال غرب سوريا، تبدو المشافي والمراكز الصحية الخاصة هي البديل الوحيد في حال حصول السيناريو المُرعب (وقف الدعم عن العامة).

يقول حاجي (46 عاماً) لـ"ارفع صوتك": "غالبية السكان في شمال غرب سوريا يعيشون على متوسط أجر يومي لا يتجاوز 100 ليرة تركية (نحو 3 دولارات)، بينما وصلت أجرة المعاينات الخاصة إلى أكثر من هذا الرقم، في حال م يتمّ حساب تكلفة التصوير الشعاعي أو الرنين المغناطيسي والتحاليل المختلفة".