عندما أُعلنت نتائج انتخابات مجالس المحافظات في 19 ديسمبر الحالي، ذهبت الأعين باتجاه طريقة وآلية تشكيل الحكومات المحلية، وكيفية اختيار المحافظين، وهل ستتمكن القِوى الأكثر حصولاً على الأصوات، من تنصيب مرشحيها محافظين في ١٥ محافظة.
لكن أعداد مقاعد الفائزين، ما زالت غير نهائية، فربما تحدثت تغييرات بعد إعلان ما تبقى من نتائج، فمفوضية الانتخابات أعلنت عن 94 % من نتائج التصويت الذي شارك فيه 6 ملايين ناخب، من أصل 16 مليوناً يمتلكون بطاقات بايومترية (بطاقات ناخب).
وأكدت الإعلان لاحقاً عن بقية النتائج بعد الانتهاء من العد والفرز اليدوي لألفي محطة اقتراع لم تتمكن من إرسال نتائجها عبر الوسط الناقل، بسبب عطل في أجهزة التصويت الخاص الذي خُصص للنازحين والقوات الأمنية.
وأنشئت مجالس المحافظات بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وإسقاط نظام حزب البعث، بهدف دعم اللامركزية في الحكم، لكن العمل بها عُلق عقب احتجاجات أكتوبر عام 2019 التي عُرفت باسم "احتجاجات تشرين". طالب المحتجون آنذاك بحلها على اعتبارها "حلقة زائدة وباباً للفساد".
لا أغلبية مريحة
يقول عميد كلية القانون في جامعة البيان علاء السيلاوي لـ"ارفع صوتك": "حسب النتائج الأولية التي أعلن عنها، لم يتمكن أي حزب أو تحالف من حصد الأغلبية، وهي نسبة المقاعد التي تفوق النصف بمقعد واحد، بحيث يستطيع أن يشكل الحكومة المحلية لوحده، وبالتالي سيحتاج الجميع إلى تكوين تحالفات بهدف اختيار المحافظين".
ويرى أن "عدم حصول أي تحالف على أغلبية مريحة لتشكيل الحكومات، ليست جديدة على الانتخابات العراقية، وهي حالة طبيعية في الخارطة السياسية سواء في الانتخابات التشريعية أو مجالس المحافظات".
ويضيف: "هناك حاجة إلى تحالفات واتفاقيات من شأنها أن تتحقق عندما تلتقي المصلحة الحزبية أو الرؤى الحزبية، وبالتالي فإن ما سيسود لاحقاً هو نظام السلة الواحدة أو تقاسم الكعكة والنفوذ، بحسب ما تراه التحالفات، ويُتفق على المناصب حسب نظام المحاصصة المعمول به عراقياً منذ عام 2003 ولحد الآن".
وتتمتع مجالس المحافظات بصلاحيات واسعة، على رأسها انتخاب المحافظ ووضع ميزانيات الصحة والنقل والتعليم، كما تمارس مهام الرقابة على صرف تلك الأموال.
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأنبار محمد دحام إن "نتائج الانتخابات اعتمدت على المناطقية، لأن الكتلة التي حققت النسبة الأكبر من المقاعد في المحافظات الجنوبية هي قوى الإطار التنسيقي التي دخلت إلى الانتخابات بقوائم متعددة، وحصلت على العدد الأكبر من الأصوات هناك".
ويضيف: "في المقابل، حصلت القوى السنية التقليدية وعلى رأسها تحالف تقدم على أعلى الأصوات في محافظة الأنبار".
ديمقراطية ناقصة
نتائج الانتخابات المحلية التي أُعلنت كما يقول دحام لـ"ارفع صوتك": "خلت من حلقة مهمة من حلقات إدارة البلاد، ألا وهي المعارضة السياسية، بعد مقاطعة قوى مهمة للانتخابات. غياب قوى معارضة في المجالس، يعني أن لا رقابة حقيقية على عملها".
وصوت البرلمان العراقي في مارس الماضي على اعتماد القاسم الانتخابي 1.7 في نظام سانت ليغو، من خلال تعديل قانون الانتخابات الذي اعتبره المعارضون والمستقلون مصمما لخدمة مصالح القوى التقليدية النافذة في البلاد.
كما احتسبت كل محافظة دائرة انتخابية واحدة، بعد إلغاء نظام الدوائر المتعددة الذي اعتمد في انتخابات البرلمان عام 2021، الذي قسمت البلاد بموجبه إلى 83 دائرة ما سمح بصعود أحزاب ناشئة وشخصيات مستقلة إلى البرلمان.
و "سانت ليغو" طريقة حساب رياضية لتوزيع أصوات الناخبين، قائمة على الأعداد التسلسلية الفردية (1.7، 3،5،7،9 ....إلخ) وتستمر بحسب عدد مقاعد الدائرة الانتخابية، ثم تُختار أعلى النواتج حتى استنفاد جميع المقاعد.
يتفق أستاذ القانون السيلاوي مع أستاذ العلوم السياسية دحام على أن الجمهور العراقي يعتبر مجالس المحافظات حلقة زائدة وغير قادرة على تلبية احتياجاتهم من الخدمات وهو ذات الأمر الذي أدى سابقاً إلى حلها أو تعليق العمل بها.
ويقول إن المجالس: "لم تقدم خدمات حقيقة للمواطنين، ولم نلحظ من عملها ثمار حقيقة وكان هذا هو السبب الرئيسي في غضب الشارع العراقي من وجودها ومطالبته بحلها في الأساس".
ويضيف أن "بعض أعضاء البرلمان تركوا مقاعدهم النيابية ورشحوا في مجالس المحافظات وفاز بعضهم فعلاً، لأنهم استشعروا أن لا قيمة لمقعد البرلمان التشريعي، أمام عضوية مجالس المحافظات التي تتعامل بتماس مباشر مع المواطنين".
