صورة من احتفالية التحالف الدولي في بغداد
صورة من احتفالية التحالف الدولي في بغداد | Source: Courtesy Image

مع توجه الحكومة العراقية إلى إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق وفق ما أعلنه رئيس الحكومة محمد شياع السوداني مؤخراً، أكد خبراء أمنيون وسياسيون حاجة بغداد إلى التعاون مع التحالف عسكرياً وأمنياً، نظراً للتحديات الإقليمية والداخلية التي تعاني منها المنطقة.

وأعلن السوداني عن تشكل لجنة ثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية، مهمتها تحديد ترتيبات إنهاء مهمة التحالف الذي تقوده واشنطن.

وقال السوداني يوم الجمعة الماضي إن "الحوادث الأخطر هي التي تكررت لأكثر من مرة في العراق من خلال قيام قوات التحالف الدولي باعتداءات ضد مقار الحشد الشعبي".

ويأتي تشكيل اللجنة بعد يوم من استهداف طائرة مسيرة مقرا لـ"حركة النجباء" التي يتزعمها أكرم الكعبي، وتنضوي في هيئة الحشد الشعبي الرسمية. أسفرت العملية عن مقتل المسؤول العسكري للحركة، طالب السعيدي الملقب ب "أبو تقوى".

Iraqi PM Mohammed Shia al-Sudani meets with his Spanish counterpart Pedro Sanchez in Baghdad
السوداني: الحكومة العراقية ماضية باتجاه إنهاء وجود التحالف الدولي
أكد رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، الخنيس، في بغداد، أن الحكومة العراقية ماضية باتجاه إنهاء وجود التحالف الدولي في العراق. وأشار إلى أن الحكومة ترفض الاعتداءات على البعثات الدبلوماسية في البلاد.

 

اتفاقيات عراقية - أميريكية

بحسب الباحث السياسي سيف السعدي فإن "هناك اتفاقيتين بين العراق والولايات المتحدة الأميركية، وهما الاتفاقية الخاصة بترتيب خروج القوات الأميركية باسم (SOFA)، أما الثانية فهي الإطار الاستراتيجي والمعروفة اختصاراً (SFA) وتتكون من 30 مادة".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "سمحت المادة الرابعة للقوات الأميركية بحق الدفاع عن النفس ضمن القانون الدولي النافذ، كما نصت المادة 30 على ألا تُعدل إلا بموافقة الطرفين رسمياً وخطياً وفق الإجراءات الدستورية السارية في البلدين".

ويضيف: "عندما عادت القوات الأميركية إلى العراق عام 2014 بعد انسحابها منه عام 2011، كان ذلك ضمن اتفاقية منحتها حصانة ديبلوماسية، مع السماح لها بحمل الأسلحة وارتداء الزي العسكري وعدم التعرض لها، وأضيفت إلى ملحق اتفاقية الإطار الاستراتيجي".

وأعلن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في سبتمبر عام 2014 عن تشكيل تحالف دولي لمكافحة والقضاء على تنظيم "داعش" من خلال عمليات عسكرية مشتركة قادتها بلاده ضد التنظيم وبدأت أولى عملياتها ضده في العراق وسوريا بالتنسيق مع شركاءه من دول أخرى.

 

 

فرض إرادات

يقول أستاذ السياسيات العامة في جامعة بغداد إحسان الشمري لـ "ارفع صوتك" إن "قضية انسحاب التحالف الدولي ليست جديدة، فقد سبق أن دار الحديث عنها عام 2020، ولم تمض الحكومة في جدولته".

ويضيف أن "التداعيات الأخيرة نتيجة للهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية والفصائل المسلحة، في ظل إرادة سياسية حاكمة على رئيس الوزراء العراقي، فرضت عليه تشكيل لجنة ثنائية تأخذ على عاتقها مهمة الدخول في المفاوضات بين بغداد وواشنطن لجدولة الانسحاب".

ويتابع الشمري أن "سردية جدولة انسحاب هذه القوات لا تحظى بتوافق وطني. هناك معارضة سُنية وكوردية لها. لا يرتبط الأمر برغبات تنفيذ إرادات سياسية بقدر ما يتعلق بمصلحة العراق العليا التي تتطلب الاستمرار بالتعاون مع التحالف وواشنطن، رغم وجود أطراف تحاول أن تتجنب الحاجة العراقية لهما".

ويتفق الخبير الأمني الضابط المتقاعد علاء النشوع مع ما ذهب إليه الشمري ويقول لـ "ارفع صوتك" إن "العراق ما زال بحاجة إلى دعم استخباراتي وأمني لعدم توفر منظومة استخبارات دقيقة، كما أنه بحاجة إلى التكنولوجيا المتطورة وطائرات استطلاع للتزود بالمعلومات".

ويضيف أن "الجهاز الاستخباري في العراق لم يصل بعد إلى الدرجة الكافية من النضج، ويحتاج إلى إعادة تنظيم من ناحية التدريب والتعليم والمدارس والدعم المادي وهي موجودة لدى الدول المتقدمة ".

السوداني أكد موقف العراق "الثابت" بإنهاء مهمة التحالف الدولي لمكافحة داعش
"إنهاء وجود التحالف" في العراق.. احتياج واقعي أم "امتصاص للغضب"؟
في ظل توترات متصاعدة يشهدها العراق بين فصائل مسلحة والقوات الأميركية على خلفية حرب إسرائيل ضد حركة حماس الفلسطينية، أعلنت بغداد تشكيل لجنة مهمتها تحديد ترتيبات إنهاء مهمة التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش الذي تقوده واشنطن.

 

التهديد الإرهابي

حاجة العراق إلى استمرار التعاون مع التحالف الدولي تأتي بحسب الشمري من "التهديد الذي ما زال مستمراً من الإرهاب أو الجماعات المتطرفة، التي تمثل تحدياً تواجهه الدولة العراقية رغم إعلان الانتصار عليها في عام 2017".

ويشير إلى أن "المؤسسة الأمنية ما تزال بحاجة إلى المزيد من الدعم في مجال الاستشارة والتسليح والتدريب ورفع الجاهزية وتبادل المعلومة الاستخباراتية، وهذه الأمور تحتم على العراق أن ينفتح على الجميع، وبما أن التحالف الدولي هنا، فهو يشكل فرصة ليطور العراق إمكانياته الأمنية والعسكرية".

ويحذر الشمري من أن "انسحاب التحالف قد يؤدي إلى نوع من بداية العزلة العراقية عن عملية التواصل معه والدول التي تشكله على كافة المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية".

وبحسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في فبراير 2023 ويغطي تهديد تنظيم "داعش" للأمن الدولي ونطاق جهود الأمم المتحدة لمساعدة الدول الأعضاء على مواجهته، فإن "الأحداث على مدى السنوات الأربع الماضية تظهر أن التهديد الذي يشكله التنظيم والجماعات التابعة له ما تزال قائمة".

كما أكد التقرير انتشار الأسلحة التقليدية والارتجالية بين الجماعات التابعة للتنظيم في أفريقيا، وأشار إلى الوصول المستمر لها، لا سيما الأنظمة الجوية دون طيار، يمثل تهديداً كبيراً لقوات التحالف والجهات الفاعلة الأخرى التي تسعى إلى محاربة التنظيم.

وتحدث التقرير عن استمرار استخدام عناصر "داعش" بشكل نشط تكتيكات التمرد في سوريا والعراق، حيث أعلن عن مسؤوليته عن 279 هجوماً في سوريا و483 هجوماً في العراق.

ورغم أن الأعداد السنوية لهذه الهجمات تتناقص بشكل مطرد وعلى الرغم من أن التنظيم في موقف دفاعي في هذه البلدان، إلا أن التنظيم لم يهزم بعد، بحسب التقرير.

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".