A view of a damaged building following missile attacks, in Erbil
الدمار الذي سببته الصواريخ الإيرانية في أحد مباني أربيل

منذ 17 أكتوبر ٢٠٢٣ لم تهدأ سماء محافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق من تكرار الهجمات التي طالتها بصواريخ وطائرات مسيرة، شنتها ميليشيات عراقية موالية لإيران على قواعد التحالف الدولي، ضمن ما تسميه "رداً على التعاون الأميركي الإسرائيلي في غزة".

لكن هجوم الأمس الذي تعرضت له عاصمة الإقليم الكردي، يختلف عما سبقه على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، فكان بـ11 صاروخاً باليستياً، معززاً بطائرات مسيرة مفخخة.

استهدف الهجوم مناطق سكنية متفرقة داخل المدينة، وأسفر عن مقتل 4 أشخاص، رجل الأعمال الكردي، بيشرو دزيي، وابنته البالغة من العمر 11 شهراً، وصديقه رجل الأعمال المسيحي العراقي، كرم ميخائيل، ومواطن فيلبيني كان يعمل في منزل دزيي. كما أصيب 16 آخرين من أفراد عائلته، بينهم زوجته ونجله وابنته الأخرى.

يختلف الهجوم الجديد في كونه شُنّ بشكل مباشر من داخل الأراضي الإيرانية، وانطلق من قواعد كرمانشاه غرب إيران، ومن الأحواز في جنوبها باتجاه شمالي العراق.

استخدم الحرس الثوري في الهجوم صواريخ باليستية (أرض - أرض) من طراز "خيبر شكن" (مدمّر خيبر)، الذي صنعته القوة (جو فضائية) التابعة للحرس الثوري عام 2022.

هجوم مطار أربيل
هجوم على مطار أربيل الدولي.. وتفعيل صافرات الإنذار في القنصلية الأميركية
أفاد مراسل قناة الحرة نقلا عن "مصدر" في مؤسسة مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان العراق بوقوع هجوم بطائرات مسيرة استهدف مطار أربيل الدولي، ليل الثلاثاء الأربعاء.

وأكدت مؤسسة مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان في بيان وقوع

يعتبر المحلل السياسي في مركز "رامان" للبحوث والاستشارات، شاهو قرداغي، الهجوم الإيراني الأخير على أربيل "من أعنف الهجمات التي تشنها طهران بصورة مباشرة على إقليم كردستان العراق، بحجة استهداف مراكز إسرائيلية".

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أنّ "الهجوم محاولة إيرانية لإعادة الاعتبار لسمعتها داخلياً وخارجياً، خاصة بعد تفجيرات كرمان، لكنها استهدفت مواقع مدنية".

بحسب مصادر عسكرية وأخرى أمنية تحدثت لـ"ارفع صوتك": "تستخدم الميليشيات الموالية لإيران في هجماتها على أربيل منصات إطلاق متنقلة وتتخذ من سهل نينوى وجنوب شرق الموصل وكركوك نقاط الانطلاق، خاصة في الأشهر الثلاثة الأخيرة".

وتضيف: "كانت معظم الطائرات المسيرة من طراز (معراج 532) الانتحارية الإيرانية الصنع".

وفي كل مرة، تعلن ميليشيات عراقية موالية لإيران المسؤولية عن الهجمات، خاصة ميليشيا "النجباء" وكتائب "حزب الله"، أو مجموعات أخرى شكلتها إيران خلال الأعوام الأربعة الماضية مثل "أولياء الدم" و"أصحاب الكهف".

ومنذ الحرب بين إسرائيل و"حماس" في غزة، اختارت هذه الميليشيات اسما موحداً لها أثناء الإعلان عن الهجمات على أربيل وقواعد التحالف الدولي في العراق وسوريا وهو "المقاومة الإسلامية في العراق".

ويؤكد قرداغي أن هذه الاطراف "تنفذ الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة وتستهدف أربيل تحت مسميات وهمية لإضعاف تجربة الإقليم".

 

لا يمتلك إقليم كردستان العراق منظومة دفاع جوي خاصة به للتصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، والمنظومة الوحيدة التي يعتمد عليها هي منظومة "C-RAM" الدفاعية التابعة للتحالف الدولي.

أسهمت المنظومة في التصدي للعديد من الهجمات، لكنها لا تستطيع حماية أربيل بالكامل، لأنها مخصصة لحماية قوات التحالف والمنطقة الجغرافية المحيطة بها.

يرى الناصر دريد وهو باحث وأكاديمي عراقي، أن "إيران تريد من خلال هجماتها إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة الأميركية، مفادها، لن أسكت على قصف حلفائي، خاصة بعد قصف الحوثيين في البحر الأحمر".

ويضيف لـ"ارفع صوتك أن "إيران تستهدف حلفاء واشنطن في المنطقة، نعم، هناك حلفاء غير الإقليم مثل دول الخليج، لكن استهدافها سيثير الكثير من المشاكل والأزمات".

ويتابع: "أقرب وأسهل حليف ممكن أن تهاجمه إيران وتوصل من خلاله رسالتها إلى أميركا، هو كردستان العراق، وهذا ما فعلته".

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.