نفذ تنظيم داعش 926 عملية في العام 2023.

بعد نحو 5 سنوات على إعلان هزيمة تنظيم داعش بسقوط آخر معاقله ببلدة الباغوز الواقعة بريف دير الزور في مارس 2019، أطل التنظيم في الربع الأخير من 2023، وبداية العام الجاري (2024) برأسه من جديد مسجلاً نشاطاً عسكرياً ملحوظاً.

وفي تقرير أصدرته الأمم المتحدة منتصف فبراير الماضي، قال الأمين العام المساعد لمكافحة الإرهاب فلاديمير فورونكوف، في إحاطة قدّمها أمام مجلس الأمن الدولي، إنه على الرغم من التقدم المطّرد الذي أحرزته الدول الأعضاء بالأمم المتحدة في الحد من القدرات العملياتية لتنظيم داعش، إلا أنه "لا يزال لديه والجماعات التابعة له القدرة على شن هجمات تسفر عن خسائر كبيرة في صفوف المدنيين".

وتنوّعت عمليات التنظيم خلال العام 2023، وشملت مناطق عدة على الخارطة السورية، فيما أحصى "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" قيام التنظيم بـ 926 عملية في 2023 استهدفت معظمها مناطق سيطرة النظام السوري، مقارنة بنحو ربع هذه العمليات خلال العامين 2021 و2022.

إحصائيات يناير وفبراير

وتُظهر المؤشرات الميدانية -وفقاً للمركز نفسه- أن التنظيم "لم يُهزم هزيمة كاملة، إذ لا يزال قادراً على شنّ هجمات ضد خصومه، ولا سيما في الجغرافيا السورية"، ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية للاستجابة لهذا النشاط المتنامي، عبر إرسال 1500 جندي من الحرس الوطني إلى سوريا والعراق، لاستكمال جهود محاربة التنظيم.

وخلال العام 2024 واصل التنظيم عملياته في عدة مناطق بسوريا على نحوٍ أكثر زخماً، حيث أحصى "المرصد السوري لحقوق الإنسان" 103 عمليات للتنظيم خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، توزّعت بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وقُتل فيها نحو 155 شخصاً بين مدنيين وعسكريين.

"تسعى خلايا التنظيم لاستغلال كل فرصة سانحة لإثارة الفوضى وتنفيذ عمليات الاغتيال والاستهداف التي تعمل من خلالها على إرسال رسالة مفادها أن التنظيم سيظل باقياً" وفق تقرير المرصد، والذي أوضح أن غالبية العمليات استهدفت قوات النظام السوري، ولا سيما في منطقة البادية السورية، التي باتت بمثابة "ثقب أسود" يبتلع بشكل شبه يومي عناصر وضباطاً إما من القوات النظامية السورية، أو مما يُعرف باسم "القوات الرديفة"، في إشارة إلى الميليشيات الإيرانية متعددة الجنسيات، ميليشيات "الدفاع الوطني" المدعومة من قبل روسيا.

هذه الإحصائيات التي تشكّل خطّاً بيانياً متصاعداً في عمليات التنظيم منذ 5 سنوات إلى الآن، تشير بوضوح إلى أن التنظيم المتطرّف "عاد ليشكّل خطراً ملموساً في الشرق السوري"، بحسب  الباحث في مركز "عمران" للدراسات الإستراتيجية، سامر الأحمد.

أسباب ارتفاع النشاط 

يقول الأحمد لموقع "ارفع صوتك"، إن: "ثمة أسبابا جليّة وراء عودة زخم العمليات لتنظيم داعش سوريا، على رأسها مشكلة "الحوكمة" في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، والتي تتمثل بما يسمّيها السكان "انتهاكات" متواصلة من قبل "قسد" وعدم قدرتها على تحقيق التوازن العرقي والإثني في بقعة تتميز بتنوعها بين عرب وأكراد وسريان وغيرهم".

أما في مناطق سيطرة النظام السوري فيشير الأحمد إلى مشكلة في "الفعالية الأمنية" للنظام، والتي استفاد منها داعش الذي نقل الثقل العسكري لعناصره وخلاياه النائمة من العراق إلى سوريا.

ويتطرق الأحمد إلى استفادة داعش بشكل غير مباشر من الحرب في غزة، التي انخرطت فيها الميليشيات الموالية لإيران عبر شن عمليات ضد القوات والقواعد الأمريكية في حقل العمر أو حقل كونيكو شرقي دير الزور، ما دفع التحالف الدولي والجيش الأمريكي إلى شن ضربات مكثّفة أجبرت الميليشيات الإيرانية متعدّدة الجنسيات على إعادة التموضع في الشرق السوري.

هذا التفسير يتوافق معه كذلك المحلل العسكري والإستراتيجي، العقيد حاتم الراوي، الذي يرى أن عودة النشاط الواسع لتنظيم داعش في البادية السورية بدأ مع إجراءات التضييق على إيران في المنطقة، وخاصّةً على الحدود العراقية السورية.

ويقول الراوي لـ "ارفع صوتك"، إن: "الميليشيات الإيرانية تلقّت ضربات تعد الأعنف من قبل القوات الأمريكية، حيث تم ضرب المطارات ومراكز التحكم والسيطرة، إضافة إلى استهداف قادة اإيرانيّين في سوريا والعراق ولبنان"،

لكنه لا يستبعد أن تكون خلايا خلايا التنظيم في البادية السورية تتحرك بأوامر من الحرس الثوري الإيراني، للإيحاء بأنها الطرف القادر على مجابهة التنظيم، وأن الضربات ضدّها تنطوي على احتمالات عودة التهديدات إلى المنطقة.

من المستفيد؟

ارتفاع وتيرة نشاط التنظيم خلال النصف الثاني من العام 2023، ومطلع العام 2024 تزامن مع عمليات أمنية واسعة شنتها قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي، إلى جانب عمليها لقوات النظام السوري بدعم جوّي روسي، وهو ما يدفع مدير مؤسسة "الذاكرة السورية" عبد الرحمن الحاج، للقول: " العمليات لم تؤثر بشكل فعّال في كبح عمليات ونشاط التنظيم".

وعن المستفيد يشير الحاج في حديثة لـ "ارفع صوتك" إلى وجود العديد من الجهات المستفيدة من بقاء نشاط التنظيم، يقول: " على رأس تلك الجهات النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية، لأن كل طرف يعدّ نفسه الطرف الملائم لمواجهة نشاطات التنظيم، وبالتالي يحصل على الدعم العسكري والسياسي".

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".