أكثر من 360 ألف إنسان عَبرَ البحر الأبيض المتوسط هذا العام مستخدمين طرقاً أقل ما يمكنُ وصفها بالخطرة وغير الإنسانية. وعلى طريق الهجرة هذا مات أكثر من 3700 إنسان حتى الآن حسب تقرير صدر عن المنظمة الدولية للهجرة قبل أيام. ووصف التقرير البحر الأبيض المتوسط بـ "البحر الأكثر دموية في العالم" حيث مات في هذا البحر أكثر من 2700 إنسان في طريقهم للهجرة حتى بداية شهر أيلول/سبتمبر.

وبمقارنة بسيطة فإن عدد الواصلين في شهر آب/أغسطس من العام الحالي إلى اليونان قد بلغ 750 ضعف عدد الواصلين خلال الشهر نفسه في العام الماضي، ومعظمهم من السوريين.

بعض هؤلاء المهاجرين حاول عشرات المرات وكلما فشل، أعاد المحاولة مرةً أخرى.

"نل حُريتك أو مُت وأنت تُحاول" هذا ما كتبه أحدُ المهاجرين الذين أرجعتهم السلطات اليونانية إلى تركيا على حائط مكان احتجازهم. وهي تلخصُ ما  يجول في ضمير وعقل أمواجٍ بشرية سابقتْ أمواجَ البحرِ لتصل شواطئ أوروبا.

موقع (إرفع صوتك) يستعرضُ عدداً من الأسباب التي أدت بالآلاف للمخاطرة بحياتهم والاتجاه صوب أوروبا.

ويمكنُ تصنيف الأسباب إلى صنفين: طاردة وجاذبة.

الوضع الأمني

تشهد المنطقة وخاصة سوريا والعراق وضعاً مأساوياً وأمنياً خطيراً. حيث يسيطر تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) على قرابة ثلث مساحة العراق بالإضافة إلى ما يقرب من نصف مساحة سوريا.

ووصل عدد السوريين المهجرين خارج سوريا إلى أكثر من أربعة ملايين لاجئ، يتواجد أكثرهم في تركيا (قرابة المليونين) ويتلوها لبنان بأكثر من مليون لاجئ، وسط آمالٍ تخبو بقرب الوصول إلى حلٍ يعيدُ لهم الأمل المفقود. وتجاوز عدد المهجرين داخلياً أكثر من ستة ملايين ونصف المليون لاجئ.

أما العراقيون، فقد وصل عدد المهجرين داخلياً ومنذ بداية 2014 فقط إلى أكثر من ثلاثة ملايين عراقي، يسعى بعضهم إلى اللجوء إلى بلد آخر وبشتى الوسائل.

الوضع الاقتصادي

يُعاني اللاجئون من أوضاعٍ اقتصادية صعبة وتزدادُ صعوبتها يوماً بعد يوم مع نفاد كل المدخرات، إن وجدت. بالإضافة إلى قلة فرص العمل في بلادٍ مثل تركيا ولبنان وسوريا نفسها.

ومما يزيد الوضع الاقتصادي سوءاً هو ضعف المردود المالي عن الأعمال التي ينجزها اللاجئون وعدم كفايتها. وتقوم المنظمات الأممية بمحاولات مستمرة لإغاثة اللاجئين عن طريق توزيع مساعدات عينية وأخرى نقدية بالإضافة إلى تبرعات فردية عجزت عن مواجهة المد البشري الهائل.

كل هذا ترافق مع قصص نجاح لأقارب وأصدقاء وغيرهم ممن وصلوا إلى أوروبا، وبالأخص دولاً مثل ألمانيا، مما دفع بالعديد إلى اعتبار الهجرة هي الحل الأمثل ورحلة الخلاص، ولا غيرها حلٌ وخلاص.

فعبروا فوق الموت، هرباً من الموت.

بعض هؤلاء المهاجرين حاول عشرات المرات وكلما فشل، أعاد المحاولة مرةً أخرى/وكالة الصحافة الفرنسية

يأسٌ استوطن القلوب

يقول الباحث في علم الاجتماع الدكتور أحمد قاسم إن الجيل الحالي يحملُ على عاتقيه، من بين ما يحمله، هموماً نتجت عن أحداثٍ لم يعاصرها ولكنه ما زال يدفع ثمن نتائجها، مثل الحرب العراقية-الإيرانية التي "أهلكت الاقتصاد" وما تلاها من غزو الكويت والحصار الذي فرض على العراق في فترة التسعينيات من القرن الماضي حتى عام 2003.

وقال قاسم "هنالك تراكم إحباط لدى الشباب. فاتورة الاضطرابات والحروب والدمار التي حصدوها في عمرهم القصير تجعلهم يرون المصاعب في رحلة الهجرة لا تساوي شيئاً أمام ما يعانوه في حياتهم اليومية فيصبح احتمال الموت في الهجرة لا يساوي شيئاً أمام ما يواجهه الشبابُ يومياً من قتل وتفجيرٍ واحتمال موت يطرق الأبواب في كل لحظة".

ويضيف الباحث المتخصص والمراقب لموجة الهجرة "البلدان التي تشهد حركة اللجوء هذه تواجه تحديات على المستوى المنظور في منظومات عدة منها المنظومة الدفاعية، والاقتصادية، والمجتمعية".

ويضيف قاسم "نحن أمام طبقة شابة تمثل جزءاً مهماً من المجتمع ولكنها تعاني من الإحباط العالي ... ولا ترى أي أفق لمستقبل مشرق".

ويهاجر الكثيرُ رغبة في تأمين مستقبل أولاده، بدل حياته التي لم يرَ فيها ما يجعله يتمناه لفلذة كبده. وآخرون يهاجرون طمعاً في ملذاتٍ وفرصٍ لا تتوفرُ في بلاد الشرق. وآخرون يفرون من الاضطهاد والظلم والطغيان الذي يحكم حياتهم، وتتعدد أسباب الهجرة إلا أنها تشتركُ فيما بينها، بأنها تدفعُ المهاجرَ لتحمل اختيار الرحيل رغم احتمال الموت على اختيار البقاء وحتمية المعاناة.

دعوة للنقاش

تختلف الأسباب التي تدفع الشباب للهجرة، باختلاف الشخص والبلد والعمر وعوامل كثيرة أخرى. فما هي أسباب الهجرة؟

شاركنا برأيك في التعليقات هنا أو على صفحتنا في فيسبوك.

*إحصائية عن عدد المهاجرين الواصلين والقتلى في البحر الأبيض المتوسط/ منظمة الهجرة الدولية

*الصورة: بعض هؤلاء المهاجرين حاول عشرات المرات وكلما فشل، أعاد المحاولة مرةً أخرى/وكالة الصحافة الفرنسية

مواضيع ذات صلة:

عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم
عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم

الحرة- ضياء عودة- دفعت "زوبعة منظمة" كما وصفها نشطاء حقوق إنسان وسياسي سابق، العشرات من العائلات الإيزيدية المقيمة في كردستان العراق للفرار إلى سنجار، وهي أرضهم الأم التي تعرضوا فيه للإبادة على يد تنظيم داعش في مثل هذا الشهر من عام 2014.

وقال الناشط الإيزيدي والمدافع عن حقوق الإنسان، فرهاد علي لموقع "الحرة" إنه ومنذ أمس الخميس غادرت أكثر من 700 عائلة إيزيدية كردستان العراق، "بسبب خطابات الكراهية التي صدرت من بعض رجال الدين في الإقليم".

وأوضح أن خطاب "رجال الدين" تسبب في حالة خوف وهلع بين الناس، مشيرا إلى "وضع صعب يشمل الإيزيديين المقيمين في المخيمات في إقليم كردستان وسنجار".

"العائلات لا تعرف ماذا تفعل ويريد أفرادها إيقاف (الزوبعة) الحاصلة وعدم بث خطاب الكراهية، والحفاظ على التآخي والتعايش بين جميع المكونات العراقية"، كما يتابع علي.

ونشر الناشط عدة تسجيلات مصورة عبر موقع التواصل "إكس" توثّق حركات الفرار باتجاه سنجار.  

ويضيف الناشط الإيزيدي مراد إسماعيل أن "خطابات الكراهية" التي دفعت العائلات الإيزيدية للفرار جاءت في أعقاب التصريحات الأخيرة لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، والتي أطلقها في ذكرى الإبادة التي نفذها تنظيم داعش.  

 

 

وقال في تغريدة عبر "إكس": "من المقلق كيف أن أفعال أو تصريحات أي فرد إيزيدي تؤدي إلى لوم المجتمع الإيزيدي بأكمله وتجريده من الإنسانية وتكفيره".

من جانبها، نفت السلطات الأمنية والإدارية في محافظتي دهوك وزاخو الأنباء التي تحدثت عن هروب نازحين من مخيمات الإيزيديين خوفا من انتقام متطرفين إسلاميين عقب تصريحات ششو، وفقا لمصادر الحرة.

 

ما قصة التصريحات؟

"خطاب الكراهية" الذي انتشر ضد أبناء المجتمع الإيزيدي في العراق جاء بعد حديث مصّور تناقله مستخدمون عبر مواقع التواصل لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، واتهم على إثره بالإساءة للنبي محمد والتحريض على الحرب بين الديانات.  

ونشروا تسجيلا مصورا مقتطعا عبر مواقع التواصل، ولم يتأكد موقع "الحرة" مما جاء فيه وما قاله ششو بالتحديد.

ورغم التوضيح الذي نشره القيادي الإيزيدي وتداولته وسائل إعلام لم تتوقف الحالة الخاصة ببث خطاب الكراهية ضد الإيزيديين، كما قال نشطاء حقوق الإنسان الذين تحدث معهم موقع "الحرة".  

وجاء في بيان قائد قوات سنجار أنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام أو المسلمين أو النبي محمد، وأضاف أنه أراد التذكير بأنه "مادام المتطرفون موجودون فإن الاعتداءات ضد الإيزيديين سوف تستمر".

وفي غضون ذلك أصدر "المجتمع الإيزيدي" بيانا، الجمعة، أوضح فيه أنه "تم استخدام جملة من كلام (ششو) عن الإبادات دون أن يكون قاصدا النبي محمد ولا الإساءة إلى شخصه الكريم".

وأضاف البيان: "ولم تكن العبارة تعبر عن موقفه ولا موقف المجتمع الإيزيدي ولا الديانة الإيزيدية المبنية على احترام الشعوب والعقائد"، مؤكدا على التوضيح الذي نشره ششو، وأن "كلماته كانت تستهدف المجاميع الإرهابية التي قامت بالإساءة للدين الإسلامي الحنيف أكثر من الإساءة إلى غيره".

واعتبر "المجتمع الإيزيدي" أن ما وصفهم بـ"أطراف الإسلام السياسي ومنابرهم الإعلامية تقوم على وسائل التواصل بتأجيج المشاعر الدينية للإخوة المسلمين، متحججين بكلمات غير مقصودة تم تفسيرها بشكل غير صحيح لقائد قوات سنجار".

وأشار إلى "حملة منظمة عبر مواقع التواصل للتحريض على قتل الإيزيديين، وهم الذين يعانون منذ سنوات طويلة من التكفير ولا يوفر المتطرفون جهدا إلا ويستغلونه لتهديد أبناء شعبنا المسالم"، وفق البيان.

وتابع في الختام: "نوجه أنظار الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والمجتمع الدولي إلى خطورة الوضع والمخاوف لدى المواطنين الإيزيديين العزل، وبشكل خاص المقيمين في مخيمات النزوح".

 

"مذكرة قبض وردود"

وذكرت وسائل إعلام عراقية أن محكمة استئناف نينوى أصدرت مذكرة قبض بحق قائد قوات سنجار، بتهمة الإساءة للنبي محمد و"التحريض على حرب بين الديانات".

المادة القانونية المنطبقة على التهمة هي رقم (195) من قانون العقوبات العراقي، كما جاء في المذكرة، التي لم تشر إلى صاحب الدعوى.

ونقل موقع قناة "روداو" عن  حيدر ششو، ابن شقيق قاسم ششو قوله إنه يعتقد بأن تصريحات عمه عن النبي محمد قد أسيء تفسيرها، مشيرا إلى أنه "تمت المبالغة في هذه المسألة رغم توضيحاتنا".

وأضاف أن الهدف من تأجيج الموضوع هو يهدف "خلط الأمور"، لافتا إلى أن الموالين لداعش قاموا باستغلالها، كما حذّر من أنه وفي حال الاستمرار بذلك فسوف يتخذون موقفا، مردفا: "الذين يعارضوننا اليوم لم يقولوا شيئا عن كل الانتهاكات التي ارتكبت بحقنا".

لكن في المقابل صدّرت عدة إدانات للحديث الذي أطلقه ششو، والذي اعتبر "مسيئا للنبي محمد".

وكان أبرزها من جمال الضاري الأمين العام للمشروع الوطني في العراق، إذ قال عبر "إكس": "ندين بأشد العبارات قيام المدعو قاسم ششو بالإساءة لرسولنا الكريم محمد  وللدين الإسلامي الحنيف، مستغلا ذكرى جريمة الإبادة الايزيدية لتمرير أجندته الخبيثة".

وأضاف الضاري: "وفي الوقت الذي نؤكد فيه رفضنا وإدانتنا لجرائم تنظيم داعش الإرهابي والتي لا تمت لتعاليم الاسلام، نطالب الحكومة العراقية وجميع القوى السياسية بالتصدي بحزم لهذه الإساءات".

كما طالب بـ"تقديم المحرضين والمسيئين إلى العدالة ليكونوا عبرة، لكل من يحاول بث الفرقة والإساءة للأديان والرسل والرموز الدينية المقدسة".

ولم يصدر أي بيان رسمي حتى الآن من الحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان العراق.  

ومن جهته أشار الناشط الحقوقي الإيزيدي مراد إسماعيل إلى "آلاف خطابات الكراهية والمنشورات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي انتشرت خلال الأيام الماضية".

وقال إسماعيل إن ما سبق يحدث "في ظل صمت المؤسسات الأمنية والقضائية".

وأوضح أن "مئات العائلات الإيزيدية تسارع الآن إلى مغادرة مخيمات النازحين نتيجة لخطاب الكراهية والتهديدات من المتطرفين في أعقاب تصريحات ششو".  

كما أضاف أن "الحكومة العراقية وحكومة كردستان لديهما المسؤولية القانونية لملاحقة هؤلاء المتطرفين الذين ينشرون الكراهية ضد الإيزيديين في المنتديات العامة ويحرضون على العنف ضدهم".

 

"في ذكرى الإبادة"

وسنجار، وهي منطقة جبلية في شمال غرب العراق، موطن لخليط من السكان الأكراد والعرب، والإيزيديين هم أقلية إثنية ودينية يتحدثون الكردية.

وفي أغسطس 2014، اجتاح تنظيم "داعش" جبل سنجار وقتل عناصره أعدادا كبيرة من هذه الأقلية واحتجزوا آلافا من النساء الفتيات واتخذوهن سبايا.

وفيما خطف أكثر من 6400 منهم، أُنقذ حوالي نصفهم أو تمكنوا من الفرار، بينما لايزال مصير الآخرين مجهولا.

وبعد ثلاث سنوات من الاجتياح، أعلن العراق عام 2017 الانتصار على التنظيم الذي ترك خلفه أكثر من 200 مقبرة جماعية يرجح أنها تضم حوالي 12 ألف جثة، وفقا للأمم المتحدة.

وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن 80 في المئة من البنية التحتية و70 في المئة من بلدة سنجار، أكبر مدينة في القضاء، دمر خلال النزاع ضد تنظيم "داعش" بين 2014 و2017.  

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، لا يزال حوالي 183 ألف شخص من سنجار نازحين، وهذا يشمل 85 في المئة من السكان الأيزيديين في القضاء.  

في الوقت الحالي، تستضيف 65 في المئة من البلدات والمدن في سنجار نصف سكانها الأصليين أو أقل، بينما لم تشهد 13 بلدة أي عودة على الإطلاق منذ 2014.

وبعد 10 سنوات من اجتياح "داعش"، لاتزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات.  

ووفقا لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، تستضيف المخيمات الـ23 المنتشرة في الإقليم حاليا حوالي 157 ألف شخص، كثيرون منهم من سنجار.

"زوبعة منظّمة"

ويقول النائب السابق في البرلمان الكردستاني، عبدالسلام البرواري إنه "يوجد تشويه وتصعيد مقصود تجاه الإيزيديين في المخيمات، وخاصة بعد بدء خطوات تنفيذ قرار الحكومة العراقية بإغلاق المعسكرات وضرورة عودة النازحين لأماكنهم".

وتتزامن حالة التشويه أيضا مع "وجود رغبات في تنفيذ اتفاقية سنجار"، على حد اعتقاد البرواري.  

ويضيف لموقع "الحرة" أن "قاسم ششو صرّح بأنه لم يقل ذلك نصا (الإساءة للنبي محمد) وأن كلامه تم تشويهه، بينما تولت مجموعة من القنوات لفرض واضح الترويج للحديث المشوه ولخلق جو عدائي".

ومع ذلك أصدر الزعماء الحقوقيون من المجتمع الإيزيدي ووزارة الأوقاف والجهات الأخرى بيانات رسمية، وأكدت فيها على "ثقافة التعايش وقبول الآخر في كردستان العراق".

ويعتقد البرواري أن "الموضوع عبارة عن زوبعة منظّمة وستنتهي".

ويشير إلى أن كثير من العائلات التي تفر من المخيمات باتجاه سنجار "قد تتعرض للأذية".