بقلم علي عبد الأمير:

ثمّة من يرى أنّ "المواطن قبل الوطن" و"الإنسان قبل البلاد". لكن في المقابل، هناك من يعتقد أنّ الوطن يجب أن يعلو فوق كل قيمة واعتبار، وأن لا مواطنة ولا قيمة إنسانية للفرد من دون وطنه وبعيدا عنه.

في هذا السجال المهم تأتي قضية المهاجرين بوصفها زلزالا ضرب التنوع الاجتماعي العراقي، بينما السؤال الأكثر حضورا هو: أيّ صورة للوطن في عقول المهاجرين، وتحديدا ممن كانت أسباب سياسية - أمنية وراء هجرتهم؟

من هنا يتصاعد النقاش: هل صارت قضية الهجرة والنزوح فجوة حيال قيام وطن حقيقي ومواطنة ناجحة؟

مواطنون عراقيون عاينوا القضية التي تؤرق بلادهم ومجتمعهم، وقدموا أفكارا كان أولها مع المهندس وابن مدينة العمارة، جنوب البلاد، أكرم زكي والذي يعتبر تهجير المواطنين داخل بلادهم، أمرا تكرر مئات المرات في كل العالم أثناء موجات الحروب والعنف السياسي والديني. لكنّه يستدرك متسائلا "هل يمتلك أصحاب السلطة في العراق الرؤية الواسعة للحل بعد هذه التجربة المريرة والمتمثلة بتهجير المواطن في وطنه؟". كما أنّه حال عراقيين كثر بدا عليهم الحل صعبا فيقول "لا أدري. وعلينا انتظار ما ستؤول اليه الأمور في العراق بعد تحرير الموصل".

بانتظار مدن أحادية الطابع

ويقول الناشط العراقي، عمر نزار، إنّ أكثر الهجرات كارثية، هي التي تمّت بتأثير الحروب، و"لدينا مثال كهجرة أهل البصرة إبّان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، لكن لم تكن كارثية مثلما حدث بعد إعادة بناء الدولة العراقية بعد التغيير في 2003 وحتى الآن، فلقد أصبح لدينا نوع جديد من الهجرات، وفقا للدين والانتماء. وهذا أثّر كثيرا على ديموغرافية المدن وتنوعها (البشري). وأضيفت لها الهجرة بسبب الإرهاب".

ويحذر نزار من استمرار الهجرات فهي إذا لم تعالج على أساس إعادة المهجرين والحفاظ على تنوعهم، فـ"ستظهر لدينا مدن أحادية الطابع. وهذا يخلق لنا جيلا جديدا لا يفهم معنى التنوع".

فوضى البلاد وتحولاتها العجيبة؟

وحيال هذه التصدعات المتواصلة في النسيج الاجتماعي العراقي، يكتب الأديب من محافظة الديوانية بمنطقة الفرات الأوسط، فاضل الفتلاوي، ملقيا باللائمة على ما يصفه "الحدث الدراماتيكي الذي رافق زلزال 2003 الذي حوّلنا بطرفة عين من بلد دكتاتوري شمولي لا يفرق في ظلمه بين أحد إلى ديموقراطية منفلتة لا يعرف إلا القليلون ألف بائها".

ويقدم كمثال على ذلك، إن الذي يسجن في قبو مظلم لا تتاح له رؤية نور الشمس على الاطلاق عندما يطلق سراحه، بل يحتاج لفترة كي تتأقلم عيناه على النور. "أعتقد جازما أن كل مصائبنا سببها الرئيسي التحول الغبي غير المدروس من الدكتاتورية الشمولية إلى الديموقراطية"، مشدد على ضرورة أن "يشعر الجميع أنّهم في زورق واحد، إن غرق غرق الجميع، وهذا يحتاج إلى تضحية وإيثار ووطنية حقة".

هل هذا وطني الذي يذلّني؟

وفي لمسة تعكس سلوكا فطريا وحقيقيا، يكتب ابن البصرة خلف عزيز، بلسان نازح من الموصل، قائلا "لنتكلم بلسان نازح موصلي وهو يتساءل: هل وطني هو الذي يذلّني في معابر وضعت لعرقلة نزوحي ويطالبني بكفيل لأدخل جزءا منه، وأصابع الاتهام تشير لي في كل خرق أمني.. هل هذا الوطن لي؟".

إلى ذلك، يبين المواطن ذبيان الموسوي من مدينة الشطرة التابعة لمحافظة ذي قار في الجنوب، أنّ فكرة الوطنية المثالية انتهت على أرض الواقع، بانتهاء حقبة الفكر القومي والأحزاب الشمولية، منوها إلى أنّ أسباب الهجرة الداخلية، قد تحوّل ضحيتها إلى ناقم على وطن لا تتوفر له فيه سبل الحياة الكريمة، مشددا "ظروف النزوح أو الهجرة الداخلية، مذلة ومهينة خصوصا لمن لا يملك المال، وهذا شعور إنساني لا يمكن أن ينكر. وإذا تعمّق فسوف يتحول إلى شعور بالنقمة، بينما الارتباط بالوطن، مادي عقلاني واقعي يتم عبر تبادل في الحقوق والواجبات. هذه معادلة الوطن والوطنية وعند اختلالها يختلّ الارتباط".

نتائج الهجرات والنزوح.... مستقبلية؟

وتنقل العاملة في الحقل الصحي بمحافظة بابل، ومن خلاله تتولى مساعدة النازحين، سوسن الحلي، أفكارا وتصورات على جانب من الأهمية، حول "المهجرين الذين أعايشهم يوميا، فبعضهم أسعدتهم الظروف ببعض البيوت البسيطة ومساعدات الناس أو الدولة، لكن التهجير يبقى كارثة اجتماعية ونفسية تترك آثارها على الأطفال خصوصا. فهم تركوا الدراسة وأصبحوا يتجولون في الشوارع، يبيعون ويستجدون ويختلطون بمختلف الأشكال البشرية ليكسبوا رزقهم ويساعدوا أهلهم".

المشكلة، بحسب الناشطة الحلي، عند الجيل القادم من أولاد المهجّرين، تلخصها بسؤال "هل سيتمكن (الجيل) من حل معادلة التوازن بين ما عاناه وما شاهده من تغريب وجوع وإهمال، وبين إحساسه بالوطن كحضن يلمّ الجميع كما يقرأه في القصائد الحماسية؟".

*الصورة: نازحون عراقيون فروا من منطقة خاضعة لداعش قرب الفلوجة/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم
عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم

الحرة- ضياء عودة- دفعت "زوبعة منظمة" كما وصفها نشطاء حقوق إنسان وسياسي سابق، العشرات من العائلات الإيزيدية المقيمة في كردستان العراق للفرار إلى سنجار، وهي أرضهم الأم التي تعرضوا فيه للإبادة على يد تنظيم داعش في مثل هذا الشهر من عام 2014.

وقال الناشط الإيزيدي والمدافع عن حقوق الإنسان، فرهاد علي لموقع "الحرة" إنه ومنذ أمس الخميس غادرت أكثر من 700 عائلة إيزيدية كردستان العراق، "بسبب خطابات الكراهية التي صدرت من بعض رجال الدين في الإقليم".

وأوضح أن خطاب "رجال الدين" تسبب في حالة خوف وهلع بين الناس، مشيرا إلى "وضع صعب يشمل الإيزيديين المقيمين في المخيمات في إقليم كردستان وسنجار".

"العائلات لا تعرف ماذا تفعل ويريد أفرادها إيقاف (الزوبعة) الحاصلة وعدم بث خطاب الكراهية، والحفاظ على التآخي والتعايش بين جميع المكونات العراقية"، كما يتابع علي.

ونشر الناشط عدة تسجيلات مصورة عبر موقع التواصل "إكس" توثّق حركات الفرار باتجاه سنجار.  

ويضيف الناشط الإيزيدي مراد إسماعيل أن "خطابات الكراهية" التي دفعت العائلات الإيزيدية للفرار جاءت في أعقاب التصريحات الأخيرة لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، والتي أطلقها في ذكرى الإبادة التي نفذها تنظيم داعش.  

 

 

وقال في تغريدة عبر "إكس": "من المقلق كيف أن أفعال أو تصريحات أي فرد إيزيدي تؤدي إلى لوم المجتمع الإيزيدي بأكمله وتجريده من الإنسانية وتكفيره".

من جانبها، نفت السلطات الأمنية والإدارية في محافظتي دهوك وزاخو الأنباء التي تحدثت عن هروب نازحين من مخيمات الإيزيديين خوفا من انتقام متطرفين إسلاميين عقب تصريحات ششو، وفقا لمصادر الحرة.

 

ما قصة التصريحات؟

"خطاب الكراهية" الذي انتشر ضد أبناء المجتمع الإيزيدي في العراق جاء بعد حديث مصّور تناقله مستخدمون عبر مواقع التواصل لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، واتهم على إثره بالإساءة للنبي محمد والتحريض على الحرب بين الديانات.  

ونشروا تسجيلا مصورا مقتطعا عبر مواقع التواصل، ولم يتأكد موقع "الحرة" مما جاء فيه وما قاله ششو بالتحديد.

ورغم التوضيح الذي نشره القيادي الإيزيدي وتداولته وسائل إعلام لم تتوقف الحالة الخاصة ببث خطاب الكراهية ضد الإيزيديين، كما قال نشطاء حقوق الإنسان الذين تحدث معهم موقع "الحرة".  

وجاء في بيان قائد قوات سنجار أنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام أو المسلمين أو النبي محمد، وأضاف أنه أراد التذكير بأنه "مادام المتطرفون موجودون فإن الاعتداءات ضد الإيزيديين سوف تستمر".

وفي غضون ذلك أصدر "المجتمع الإيزيدي" بيانا، الجمعة، أوضح فيه أنه "تم استخدام جملة من كلام (ششو) عن الإبادات دون أن يكون قاصدا النبي محمد ولا الإساءة إلى شخصه الكريم".

وأضاف البيان: "ولم تكن العبارة تعبر عن موقفه ولا موقف المجتمع الإيزيدي ولا الديانة الإيزيدية المبنية على احترام الشعوب والعقائد"، مؤكدا على التوضيح الذي نشره ششو، وأن "كلماته كانت تستهدف المجاميع الإرهابية التي قامت بالإساءة للدين الإسلامي الحنيف أكثر من الإساءة إلى غيره".

واعتبر "المجتمع الإيزيدي" أن ما وصفهم بـ"أطراف الإسلام السياسي ومنابرهم الإعلامية تقوم على وسائل التواصل بتأجيج المشاعر الدينية للإخوة المسلمين، متحججين بكلمات غير مقصودة تم تفسيرها بشكل غير صحيح لقائد قوات سنجار".

وأشار إلى "حملة منظمة عبر مواقع التواصل للتحريض على قتل الإيزيديين، وهم الذين يعانون منذ سنوات طويلة من التكفير ولا يوفر المتطرفون جهدا إلا ويستغلونه لتهديد أبناء شعبنا المسالم"، وفق البيان.

وتابع في الختام: "نوجه أنظار الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والمجتمع الدولي إلى خطورة الوضع والمخاوف لدى المواطنين الإيزيديين العزل، وبشكل خاص المقيمين في مخيمات النزوح".

 

"مذكرة قبض وردود"

وذكرت وسائل إعلام عراقية أن محكمة استئناف نينوى أصدرت مذكرة قبض بحق قائد قوات سنجار، بتهمة الإساءة للنبي محمد و"التحريض على حرب بين الديانات".

المادة القانونية المنطبقة على التهمة هي رقم (195) من قانون العقوبات العراقي، كما جاء في المذكرة، التي لم تشر إلى صاحب الدعوى.

ونقل موقع قناة "روداو" عن  حيدر ششو، ابن شقيق قاسم ششو قوله إنه يعتقد بأن تصريحات عمه عن النبي محمد قد أسيء تفسيرها، مشيرا إلى أنه "تمت المبالغة في هذه المسألة رغم توضيحاتنا".

وأضاف أن الهدف من تأجيج الموضوع هو يهدف "خلط الأمور"، لافتا إلى أن الموالين لداعش قاموا باستغلالها، كما حذّر من أنه وفي حال الاستمرار بذلك فسوف يتخذون موقفا، مردفا: "الذين يعارضوننا اليوم لم يقولوا شيئا عن كل الانتهاكات التي ارتكبت بحقنا".

لكن في المقابل صدّرت عدة إدانات للحديث الذي أطلقه ششو، والذي اعتبر "مسيئا للنبي محمد".

وكان أبرزها من جمال الضاري الأمين العام للمشروع الوطني في العراق، إذ قال عبر "إكس": "ندين بأشد العبارات قيام المدعو قاسم ششو بالإساءة لرسولنا الكريم محمد  وللدين الإسلامي الحنيف، مستغلا ذكرى جريمة الإبادة الايزيدية لتمرير أجندته الخبيثة".

وأضاف الضاري: "وفي الوقت الذي نؤكد فيه رفضنا وإدانتنا لجرائم تنظيم داعش الإرهابي والتي لا تمت لتعاليم الاسلام، نطالب الحكومة العراقية وجميع القوى السياسية بالتصدي بحزم لهذه الإساءات".

كما طالب بـ"تقديم المحرضين والمسيئين إلى العدالة ليكونوا عبرة، لكل من يحاول بث الفرقة والإساءة للأديان والرسل والرموز الدينية المقدسة".

ولم يصدر أي بيان رسمي حتى الآن من الحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان العراق.  

ومن جهته أشار الناشط الحقوقي الإيزيدي مراد إسماعيل إلى "آلاف خطابات الكراهية والمنشورات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي انتشرت خلال الأيام الماضية".

وقال إسماعيل إن ما سبق يحدث "في ظل صمت المؤسسات الأمنية والقضائية".

وأوضح أن "مئات العائلات الإيزيدية تسارع الآن إلى مغادرة مخيمات النازحين نتيجة لخطاب الكراهية والتهديدات من المتطرفين في أعقاب تصريحات ششو".  

كما أضاف أن "الحكومة العراقية وحكومة كردستان لديهما المسؤولية القانونية لملاحقة هؤلاء المتطرفين الذين ينشرون الكراهية ضد الإيزيديين في المنتديات العامة ويحرضون على العنف ضدهم".

 

"في ذكرى الإبادة"

وسنجار، وهي منطقة جبلية في شمال غرب العراق، موطن لخليط من السكان الأكراد والعرب، والإيزيديين هم أقلية إثنية ودينية يتحدثون الكردية.

وفي أغسطس 2014، اجتاح تنظيم "داعش" جبل سنجار وقتل عناصره أعدادا كبيرة من هذه الأقلية واحتجزوا آلافا من النساء الفتيات واتخذوهن سبايا.

وفيما خطف أكثر من 6400 منهم، أُنقذ حوالي نصفهم أو تمكنوا من الفرار، بينما لايزال مصير الآخرين مجهولا.

وبعد ثلاث سنوات من الاجتياح، أعلن العراق عام 2017 الانتصار على التنظيم الذي ترك خلفه أكثر من 200 مقبرة جماعية يرجح أنها تضم حوالي 12 ألف جثة، وفقا للأمم المتحدة.

وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن 80 في المئة من البنية التحتية و70 في المئة من بلدة سنجار، أكبر مدينة في القضاء، دمر خلال النزاع ضد تنظيم "داعش" بين 2014 و2017.  

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، لا يزال حوالي 183 ألف شخص من سنجار نازحين، وهذا يشمل 85 في المئة من السكان الأيزيديين في القضاء.  

في الوقت الحالي، تستضيف 65 في المئة من البلدات والمدن في سنجار نصف سكانها الأصليين أو أقل، بينما لم تشهد 13 بلدة أي عودة على الإطلاق منذ 2014.

وبعد 10 سنوات من اجتياح "داعش"، لاتزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات.  

ووفقا لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، تستضيف المخيمات الـ23 المنتشرة في الإقليم حاليا حوالي 157 ألف شخص، كثيرون منهم من سنجار.

"زوبعة منظّمة"

ويقول النائب السابق في البرلمان الكردستاني، عبدالسلام البرواري إنه "يوجد تشويه وتصعيد مقصود تجاه الإيزيديين في المخيمات، وخاصة بعد بدء خطوات تنفيذ قرار الحكومة العراقية بإغلاق المعسكرات وضرورة عودة النازحين لأماكنهم".

وتتزامن حالة التشويه أيضا مع "وجود رغبات في تنفيذ اتفاقية سنجار"، على حد اعتقاد البرواري.  

ويضيف لموقع "الحرة" أن "قاسم ششو صرّح بأنه لم يقل ذلك نصا (الإساءة للنبي محمد) وأن كلامه تم تشويهه، بينما تولت مجموعة من القنوات لفرض واضح الترويج للحديث المشوه ولخلق جو عدائي".

ومع ذلك أصدر الزعماء الحقوقيون من المجتمع الإيزيدي ووزارة الأوقاف والجهات الأخرى بيانات رسمية، وأكدت فيها على "ثقافة التعايش وقبول الآخر في كردستان العراق".

ويعتقد البرواري أن "الموضوع عبارة عن زوبعة منظّمة وستنتهي".

ويشير إلى أن كثير من العائلات التي تفر من المخيمات باتجاه سنجار "قد تتعرض للأذية".