نازحون ولاجئون

"لقد تقطعت بي السبل" .. قصة لاجئ سوري

راشد العساف
12 مايو 2020

توجه من مطار عمان إلى إسطنبول بعد أن حصل على تأشيرة سفر إلى تركيا في منتصف 2019 بقصد العلاج، لكن سرعان ما أصبح محمود الحلبي عالقا هناك غير قادر على العودة إلى أهله. 

كان الحلبي الذي لجأ الى الأردن مع عائلته من دمشق عام 2013، بسبب الأزمة التي مرت بها بلاده، وعمل في الأردن بمنطقة منجد منذ ذاك الوقت، يبحث عن فرصة أفضل للعيش في تركيا.

عالق بسبب الإجراءات 

غادر محمود الأردن دون أخذ موافقة من السلطات الأردنية، بحكم أنه لاجئ ومقيم على أراضيها.

وتسمى موافقة المغادرة في الأردن "إذن خروج وعودة"، وتمنحها وزارة الداخلية للمقيمين في الأردن من غير الأردنيين، أو اللاجئين الذين يرغبون بمغادرة البلاد ولهم أعمال في الأردن أو أهل ويرغبون في العودة لاحقا لها.

ولكن إذا غادر الشخص دون الحصول على هذه الموافقة فلا يمكنه العودة إلى البلاد.

تعرض محمود في شهر بداية شهر حزيران 2019، لمرض عصبي في الوجه يسمى "التهاب العصب السابع"، نصحه أصدقاءه بالتوجه إلى تركيا بغية العلاج والبحث عن فرصة عمل هناك، ولكن "لم تكن النصيحة التي وجهها له أصدقاؤه كاملة"، كما يصف الحلبي.

ويقول في حديث لموقع (ارفع صوتك) "العلاج موجود في الأردن، ولكن توقعت أن تكون التكاليف في تركيا أقل، ولربما تكون الحياة هناك أفضل، ولم أكن أعلم أن جهلي بالقانون سيحرمني العودة إلى أهلي الموجودين في الأردن".

محاولات فاشلة

قرر الحلبي، هو المعيل الرئيسي لأسرته، في نهاية عام 2019 العودة إلى أهله في الأردن، وحجز تذكرة سفر وغادر متوجها إلى عمان، ولدى وصوله المطار منعته السلطات الأردنية من دخول البلاد.

مكث في مطار الملكة علياء الدولي بالعاصمة الأردنية أربعة أيام متتالية، متأملا الحصول على موافقة دخول من قبل السلطات، ولكنه لم يحصل عليها، وكان رد السلطات الأردنية أن طلب دخوله مرفوض، والسبب "مغادرة البلاد دون إذن، بالإضافة إلى أن المواطنين السوريين يحتاجون إلى تأشيرة دخول مسبقة".

عاد الحلبي إلى تركيا وانتقل للعيش في إحدى القرى التركية القريبة من إسطنبول.

وحاليا، لا يمكنه العمل بشكل رسمي هناك كونه لم يحصل على إقامة ولا يحمل صفة اللجوء هناك. 

وبعد أن بدأت أزمة فيروس كورونا تنتشر عالميا، حاول محمود تقديم تأشيرة دخول إلى الأردن ليتمكن من العودة إلى أهله، لكنه تفاجأ هذه المرة بعائق آخر، وهو إعلان الأردن لقانون الدفاع.

حيث قررت السلطات الأردنية إغلاق الحدود والمطارات تماما بوجه جميع المسافرين والمغادرين، واقتصار عمل سفارات أردن على تقديم الدعم لرعاياها في الخارج. 

يقول الحلبي "عائلتي في عمان تنتظرني على أحر من الجمر، وأنا هنا في مأزق كبير، فلا أستطيع التحدث باللغة التركية، ولا أملك إقامة أو تصريح عمل، وجاء فيروس كورونا ليشل حركة العالم، ويشل آمالي في العودة إلى الأردن، لقد تقطعت بيّ السبل".

راشد العساف

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن- فرانس برس
صورة أرشيفية من مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن- فرانس برس

رغم التعهدات التي أطلقها المجتمعون في مؤتمر بروكسل الشهر الفائت بتقديم 2.17 مليار دولار لدعم اللاجئين السوريين في البلدان المجاورة لسوريا، ورفض الحديث عن عودتهم إلى بلادهم، لجأت بعض المنظمات الأممية لتقليص المساعدات وتخفيض الدعم المقدم للاجئين، ما شكّل صدمة لآلاف الأسر التي تعتمد بشكل كبير على هذه المساعدات.

وبعد إعلان  برنامج الأغذية العالمي إيقاف برنامجه للمساعدات في جميع أنحاء سوريا بداية العام الحالي، أعلن مؤخراً عن تعليق مساعداته  الغذائية لأكثر من 100 ألف لاجئ سوري في الأردن، اعتبارا من شهر يوليو القادم.

يأتي هذا القرار تلو تخفيض البرنامج ذاته قيمة المساعدات النقدية الشهرية للاجئين السوريين في مخيمي الزعتري والأزرق في الأردن، البالغ عددهم حوالي 119 ألف لاجئ في يوليو 2023 بمقدار الثلث بسبب نقص التمويل، بحيث أصبح  كل فرد يحصل على 21 دولاراً بدلا من 32 دولارا.

وبعد تخفيض قيمة المساعدات الشهرية خلال العام الماضي، ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي لدى اللاجئين السوريين في الأردن خلال الربع الأول من عام 2024، مقارنة بالربع الثاني من 2023 (ما قبل التخفيض)، وفق برنامج الأغذية العالمي.

وأشارت نائبة المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي في الأردن لورين جوبليت، خلال إطلاق تقرير "الوضع الاجتماعي والاقتصادي للاجئين في الأردن، دراسة السكان لعام 2024"، إلى أن البرنامج بحاجة إلى توجيه الموارد المحدودة جدًا لديه لإعطاء الأولوية للأسر الأشد احتياجًا لتلقي المساعدات.

وكان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أعرب أمام الجهات المانحة في مؤتمر بروكسل عن قلقه من التراجع الخطير في المساعدات العالمية للاجئين السوريين والدول المضيفة لهم، ومن قيام العديد من منظمات الأمم المتحدة بتقليص خدماتها للاجئين السوريين في الأردن، محذرا من التأثير السلبي على سبل عيشهم، ومعتبرا أنهم ضحايا الصراع ويجب عدم التخلي عنهم.

معاناة آلاف الأسر

من مخيم الزعتري الذي  يعتبر أكبر مخيم للاجئين في الشرق الأوسط وثاني أكبر مخيم للاجئين في العالم، الذي يؤوي نحو 80 ألف لاجئ،  يقول خليل العواد  اللاجئ السوري من مدينة درعا والمقيم في المخيم منذ أكثر من عشر سنوات، إن توقف المساعدات الغذائية "سيزيد معاناة آلاف الأسر السورية من قاطني المخيم لأن معظمهم يعتمد عليها بشكل أساسي". 

ويضيف العواد لـ"ارفع صوتك" أن مصاريف العائلات ترتفع يوما بعد يوم مقابل خفض الدعم، متسائلاً "كيف ستعيش الأسر التي يعمل غالبية أفرادها في وظائف موسمية ومؤقتة؟" حيث توجد قلة قليلة براتب ثابت ولا تعتمد على المساعدات أو تحتاج إليها.

عفيفة جاموس (42 عاما) لاجئة سورية أيضاً مقيمة في "الزعتري" وتعيل خمسة أطفال بالإضافة إلى زوجها المقعد، وتعتمد بشكل كلي على المساعدات الغذائية التي تحصل عليها من البرنامج.

"لا أعلم كيف سنواجه العوز والجوع.. الأطفال يحتاجون إلى الطعام والرعاية والمساعدات ولا يمكنني تدبر أموري لوحدي"، تقول عفيفة لـ"ارفع صوتك".

من جهتها، تقول مها وردة، اللاجئة من  ريف دمشق وتقيم في "الزعتري"، إن الوضع "كان جيدا مقارنة بأوضاع اللاجئين في مخيمات أخرى.. هنا لا نقطن في الخيام بل في كرفانات، والعديد منا يعمل، وهناك مدارس لتعليم الأطفال ومراكز طبية والكثير من المتاجر، وكانت طرق الدعم تساعد العائلات في العيش، إذ توجد عشرات المنظمات التي تقدم المساعدات للأهالي".

ولكن بدأ الوضع يسوء خلال العامين الماضيين وبدأ الدعم يتقلص، ورغم ذلك كنا نستمر بالتأقلم مع الموجود، بحسب مها، مؤكدةً "الآن إذا توقفت المساعدات ستحلّ كارثة بالعديد من العائلات التي تعتمدكاملاً على هذه المساعدات وليس لها مدخول آخر".

في مخيم الأزرق شرق العاصمة الأردنية عمّان، الذي يؤوي  38 ألف لاجئ سوري، نلتقي بأحمد سلو الذي يعتمد بشكل كامل على المساعدات، خصوصاً بعد إصابته بحادث عمل تسبب له بثلاثة كسور في الورك والركبة، وأجبره على البقاء دون عمل.

تقليص المساعدات، يقول أحمد "يشعره بالعجز والقلق من عدم قدرته على تأمين الحد الأدنى من احتياجات أطفاله الغذائية".

 

"تكيّف سلبي"

 تقول الأخصائية الاجتماعية السورية بشرى حلاق لـ"ارفع صوتك" إن تخفيض المساعدات والدعم المادي والغذائي "سيتسبب بزيادة معاناة اللاجئين السوريين وسيدفع العائلات إلى إستراتيجيات تأقلم سلبي لمواجهة نقص الموارد".

تذكر منها "دفع الأسر أبناءها لترك التعليم والذهاب للعمل، ما يزيد من عمالة الأطفال ويعرضهم لمخاطر الاستغلال".

قد تعمل العائلات أيضاً، بحسب حلاق، على تقليل وجبات الطعام وتخفيض جودتها ما قد يتسبب بسوء التغذية خاصة لدى الأطفال، وربما تعمد للاقتراض الذي يؤدي لزيادة الديون صعبة السداد مستقبلاً".

من مظاهر التكيّف السلبي الأخرى التي قد تزيد بفعل توقف المساعدات "تزويج الفتيات مبكراً لتقليل الأعباء المالية، أو العمل في مهن خارج القانون" تتابع حلّاق.

ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة يبلغ العدد الإجمالي للاجئين السوريين في الأردن 1.3 مليون  يعيش 18% منهم في المخيمات، ويبلغ عدد المسجلين لدى المفوضية 723886 شخصاً.