نازحون ولاجئون

"المأوى اندثر".. هل غادر النازحون العراقيون مخيماتهم طواعية أو قسراً؟

13 نوفمبر 2020

تناثرت قطع القماش المقطّع على بقايا أطر حديدية، وهي ما تبقى من خيم  "المدينة السياحية" في الحبانية، الذي شكّل لخمس سنوات مأوى لنازحين عراقيين، قبل أن يتمّ إفراغه وإغلاقه خلال 48 ساعة.

وأغلق المخيم الواقع في منطقة صحراوية غرب العراق، هذا الأسبوع، في إطار خطة حكومية عاجلة تشمل إغلاق عشرات المخيمات المماثلة قبل نهاية عام 2020. 

وفي حين تقول السلطات إن حملة الإغلاق هذه تضمن عودة النازحين إلى بيوتهم، تعتبرها منظمات غير حكومية والنازحون، خطوة "سابقة لأوانها وقد تعرض العائلات المعنية للخطر". 

وفي حافلة تقلّ العشرات من مخيم المدينة السياحية، تقول زينب إنها تترك خلفها "منزلها" الذي عاشت فيه لخمس سنوات، لتعيش في مخيم آخر. 

وتروي زينب التي تغادر مع أولادها الستة، أن عشيرتها في محافظة الأنبار غرب العراق تتهمها وعائلتها  "جزافاً" بالولاء لتنظيم داعش.

وتتابع "أخاف على أطفالي وزوجي، لذلك لا نستطيع العودة إلى منطقتنا. أخاف أن يعتقلونا ويذبحونا". 

ويقول علي الذي يغادر المخيم أيضاًـ لوكالة "فرانس برس" إنه سيستأجر شقّة في بلدته القائم لأن منزله مدمّر. 

في المقابل، يؤكد مسؤول وزارة الهجرة في الأنبار مصطفى سرحان، أن النازحين "سيعودون إلى بيوتهم وأن السلطات تنسق مع الجيش والعشائر من أجل ضمان سلامتهم". 

ويصف العودة بأنها "طوعية"، مضيفاً "كلنا نعلم أن مخيمات الأنبار عمرها خمسة أو ستة أو سبعة أعوام. أين السرعة في الموضوع؟". 

 

 "لا مأوى" 

أُعطي سكان مخيم "المدينة السياحية" في الحبانية إشعاراً لمدة شهر واحد فقط قبل إغلاق المخيم.

أما سكان مخيم "حمام العليل" الواقع في محافظة نينوى شمال العراق، فكان أمامهم وقت أقل من ذلك للرحيل. 

تروي سعدى (36 عاماً) وهي أم لسبعة أولاد: "تكلمنا مع مدير مخيم حمام العليل، وقال أولاً إن المخيم لن يغلق. ثم قال إنه سيغلق عام 2021. بعدها قالوا لنا سيغلق هذا الأسبوع!". 

ولا تزال قرية سعدى (القاهرة) الواقعة في جبال سنجار مدمّرة بشكل كبير وتعاني نقصاً في الخدمات العامة. 

وتقول "في النهاية، أشعر بأنني سأنتحر. أنا منهارة نفسيا، تعبت من هذه الدنيا الباردة"، مضيفةً "المخيم كان مأوى لنا وهذا المأوى اندثر".

بعد ثلاث سنوات من إعلان العراق هزيمة تنظيم داعش، لا يزال هناك 1,3 مليون نازح، مقابل 3,2 مليون في عام 2016.

وكان التنظيم الإرهابي اجتاح مساحات واسعة من العراق في 2014، وتسببت ممارساته ثم المعارك التي خاضتها ضده القوات الحكومية بموجات نزوح.

ويقطن خمس النازحين في مخيمات، فيما تستأجر الغالبية منازل رغم قلّة مداخيلها المالية. 

ومنذ سنوات، يعلن العراق نيته إغلاق المخيمات، لكن السلطات سرّعت العملية بشكل كبير خلال الشهر الماضي، كما يؤكد عاملون في منظمات غير حكومية فضّلوا عدم كشف هويتهم. 

بين 18 و30 أكتوبر، أغلق العراق ثلاثة مخيمات بمحيط بغداد، ومخيماً في كربلاء إلى جنوب العاصمة، وآخر في ديالى شرقاً. 

ولم يعد نحو نصف سكان تلك المخيمات إلى المناطق التي يتحدرون منها، وفق منظمة الهجرة الدولية. 

وبين 5 و11 نوفمبر الحالي، غادر أكثر من سبعة آلاف من سكان مخيم حمام العليل الثمانية آلاف إلى مخيمات أخرى ستغلق أيضاً أو منازل شبه مهدّمة، كما يؤكد مسؤولون رسميون في المخيم. 

ويجد 100 ألف عراقي أنفسهم في حالة من عدم اليقين بعد عمليات الإغلاق المتسرعة، وفق المجلس النروجي للاجئين. 

وبالنسبة لعامل في منظمة غير حكومية، فقد "وقّع العراق على مبادئ العودة وهي أن تكون عودة مبلّغا عنها مسبقاً، وبشكل يحفظ كرامة الأشخاص، ومستدامة"، إلا أن "ما يجري الآن فيه خرق لكل هذه الشروط". 

 

"ضغط وتخويف" 

ويشير عاملون في المجال الإنساني إلى تجارب سابقة مقلقة. فالعام الماضي، تعرض مئات نقلوا من المخيمات إلى تهديدات وحتى هجمات بالقنابل.

وهم إجمالا من الذين فروا خلال المعارك ويشتبه السكان في قراهم بأنهم تعاملوا مع عناصر من داعش.

وبيّنت دراسة  نشرت حديثا أن 60% من النازحين الذين عادوا إلى مناطقهم، يصفون عودتهم بغير الطوعية، و44% منهم نزحوا مرة أخرى. 

ويقول مسؤول حكومي لـ"فرانس برس" إنه تمّ تسريع جهود إعادة النازحين بناء على أمر مباشر من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. 

وتأمل السلطات في أن يشجع ذلك المنظمات غير الحكومية والدول المانحة على توجيه تمويلاتها إلى المناطق التي لا تزال تحتاج إلى إعادة إعمار، كما يقول عامل في منظمة إنسانية ومسؤولان حكوميان. 

من جهتها، قالت بلقيس ويلله من منظمة "هيومن رايتس ووتش" إنها تتفهم رغبة السلطات بإعادة دمج المواطنين النازحين في المجتمع، "لكن ذلك لا يتم عبر إرغام الناس على العودة ضدّ إرادتهم، وإلى أماكن قد يكونون فيها أكثر عرضة للخطر". 

وقالت منظمات غير حكومية في العراق لـ"فرانس برس" إنها تخشى من أن يكون انتقادها العلني لعمليات إعادة النازحين سبباً في منع دخولها إلى المخيمات أو في التوقف عن منح تأشيرات دخول للعاملين فيها.

وأضاف مسؤول في إحداها "ارتفع مستوى الضغط والترهيب بشكل كبير وكذلك خطر التعرض لإجراءات عقابية من الحكومة". 

وعند بدء حملة إعادة النازحين، قالت مسؤولة الشؤون الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في العراق إيرينا فوحاكوفا سولورانو في بيان، إن التدابير اتخذت "بشكل مستقل عن الأمم المتحدة". 

وبعد موافقتها على التحدث مع "فرانس برس" ألغى مكتبها المقابلة التي كانت مقررة، قائلا "ليس للأمم المتحدة أي تعليق إضافي على هذا الموضوع في الوقت الحالي". 

 

المصدر: فرانس برس

 

مواضيع ذات صلة:

Parliamentary election in Britain
السير كير سترامر، الرئيس الجديد للحكومة البريطانية خلال تسلمّه المنصب- تعبيرية

"خطة رواندا ماتت ودُفنت"، بهذا الإعلان ابتدأ السير كير سترامر، الرئيس الجديد للحكومة البريطانية، عهده الوزاري الجديد عقب فوز حزبه "العمال" بالانتخابات الأخيرة.

وأنهى "حزب العمال" 14 عامًا من سيطرة منافسه "حزب المحافظين" على السُلطة بعدما حصد 412 مقعدا من أصل 650 مقعداً تمثل إجمالي أعضاء مجلس العموم البريطاني.

في هذا المقال، تلخيص لأبرز محاور قضية المهاجرين، التي تعهّد "حزب العمال" بحلّها على طريقته، بعد أن رفض الحل الذي أتى به خصمه، فهل ينجح؟

 

خطة رواندا

بحسب أرقام وزارة الداخلية البريطانية فإن 9 آلاف شخص عبروا القنال الإنجليزي هذا العام بزيادة عن العام الماضي الذي وصل فيه 6691 مهاجرا إلى بريطانيا، أما في 2022 فلقد بلغ عدد النازحين فيه 7750 شخصا.

لكن وفق أرقام مجلس اللاجئين فإن المشكلة أكبر حجما من ذلك إذ تجاوز عدد المهاجرين 28 ألفا خلال الفترة من مايو 2023 وحتى أبريل 2024 متوقعة أن يُضاف إليهم 27 ألف مهاجر على الأقل سيركبون القوارب ويعبرون القناة الإنجليزية خلال هذا العام.

أغلب هؤلاء الوافدين من دول مضطربة الأوضاع لم تُبرم اتفاقية مع بريطانيا لترتيب إعادة الفارين منها مثل أفغانستان وإيران وسوريا والعراق والسودان، الأمر الذي ألقى بالأعباء القانونية والمالية للتعامل معهم على كاهل بريطانيا وحدها.

بعدما تجاوزت أعدادهم الآلاف قرر "حزب المحافظين" التدخل. وفي أبريل 2022 أعلنت الحكومة البريطانية خططها الخاصة بهذا الأمر عبر عقد اتفاقٍ مع رواندا نصَّ على إرسال المهاجرين إليها لحين فحص أوراقهم وطلبات لجوئهم وحال الموافقة عليها فإنهم سيُمنحون حق اللجوء إلى الدولة الأفريقية وليس بريطانيا التي تعهّدت بدعم الحكومة الرواندية بمبالغ سخية مقابل تحمّل هذا العبء.

في سبيل إنجاح هذه الخطة، تعهدت لندن بإنفاق 290 مليون جنيه إسترليني دُفع منها بالفعل قرابة 240 مليونا لا يوجد أي إلزام قانوني على رواندا على إعادتها بعد الإعلان عن نية التخلي عن تنفيذها.

تعشّمت الحكومة البريطانية بأن تخلق هذه الاتفاقية سياسة ردع ضد مَن يُخططون للسفر إلى بريطانيا بشكلٍ غير شرعي بأنهم لن ينالوا إقامة كاملة في الأراضي الإنجليزية كما حلموا وإنما سيكون مصيرهم الترحيل إلى رواندا في نهاية المطاف.

 

أثارت خطة رواندا الكثير من الجدل في إنجلترا بسبب المواقف المعارضة لها؛ أبرزها "حزب العمال" الذي اعتبرها سياسة مخادعة وغير قابلة للتنفيذ وتعهّد بالتخلص منها فور وصوله إلى السُلطة.

في ختام العام الماضي تلقت هذه المخططات ضربة كبرى بعدما قضت المحكمة العليا بأنها خطة غير قانونية، بسبب تصنيف رواندا على أنها دولة غير آمنة لطالبي اللجوء بسبب سجلها السيء في حقوق الإنسان وتعقيد نظامها الخاص بفحص وتقييم طلبات اللجوء وسلوكيات أجهزتها الأمنية القمعية بحقِّ المهاجرين، خصوصاً بعدما استشهدت المحكمة بإطلاق الشرطة الرواندية النار على لاجئين احتجوا على تخفيض حصصهم الغذائية عام 2018.

استجابةً للمحكمة، أبرمت لندن معاهدة جديدة مع رواندا نصّت على المزيد من الضمانات بحق طالبي اللجوء، فتعهّدت الأخيرة بعدم تعريضهم لأي خطر وأن تُدير معسكراتهم لجنة مشتركة من البلدين.

أقر البرلمان قانونا جديدا شرّع تنفيذ الخطة، وبحسب الخطة المعلنة فإن أولى رحلات نقل اللاجئين من بريطانيا إلى رواندا كان مقررًا أن تنطلق هذا الشهر، وهو ما تعطّل بسبب الانتخابات الأخيرة.

هذه الفكرة ليست بالجديدة، إذسبق أن نفّذتها أستراليا في 2001 حينما أبرمت اتفاقا مع غينيا الجديدة لاستقبال المهاجرين غير الشرعيين، إلا أنها من 2013 تخلّت عن هذه السياسة ولجأت إلى فرض رقابة صارمة على حدودها ومنع القوارب من اختراق مياهها الإقليمية وإعادتها من حيث أتت، وتسببت في خفض معدلات اللاجئين من 26 ألفًا في 2013 إلى 500 فقط في العام التالي مباشرة، وهو النهج الجديد الذي يسعى "حزب العمال" إلى تطبيقه.

"معاملة غير إنسانية".. مناشدات لبريطانيا بوقف ترحيل اللاجئين لرواندا
حث المفوض الجديد لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، الحكومة البريطانية على إعادة النظر في خططها لترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا، محذرا من أن مخططات "النقل إلى الخارج" المماثلة في الماضي أدت إلى معاملة "غير إنسانية للغاية" بحق اللاجئين.

 

رقابة صارمة على الحدود

حتى الآن لم تعلن الحكومة الجديدة خطتها الرسمية لحل هذه الأزمة عدا التصريحات التي أطلقها قادة "حزب العمال" طيلة الانتخابات.

تشمل خطة "حزب العمال" تشديد محاربة عصابات التهريب وإخضاع الوافدين لفحوص قانونية دقيقة للتأكد من أحقيتهم في نيل اللجوء، على أن تخوض مفاوضات شاقة مع عدة دول أوروبية على أمل إقناعهم باستقبال عددٍ مِمَّن لا تتسع لهم الأراضي البريطانية.

التوقف عن خطة رواندا قد يفتح الباب لمشكلات أكبر كون أغلب المهاجرين قادمين من بلاد مضطربة الأوضاع، ما يجعلهم أكثر الحالات استحقاقا لحقِّ اللجوء. فهل ستمنحهم لندن جميعا هذا الامتياز؟

وفق تقديرات مجلس اللاجئين البريطاني فإن 70% من اللاجئين تنطبق عليهم شروط الحصول على اللجوء السياسي، وبحسب معارضي "حزب العمال" فإن هذه الطريقة ستشجع المزيد من المهاجرين على عبور القناة والوفود إلى الأراضي الإنجليزية أملا في الحصول على الجنسية.

من جانبها، انتقدت سويلا برافيرمان عضوة "حزب االمحافظين" سعي "حزب العمال" للتخلص من خطط أنفقت بريطانيا ملايين الجنيهات عليها وسنوات من العمل من الجاد لإقرارها، معتبرة أن هذه الخطط تحتاج إلى تحسين وإصلاح للعيوب وليس إلغاءها بالكامل.

لكن زعيم "حزب العمال" يعوّل على الخيار الأمني ليكون البديل الناجح لعلاج تلك المشكلة، بعدما تعهّد بتفعيل مواد قانون الإرهاب الذي يمنح الشرطة مزيدا من الصلاحيات لتعقّب عصابات التهريب ومنعها من أداء عملها، أملاً في تجفيف المشكلة من منابعها وتقليل عدد قوارب المهاجرين التي تنجح في الوصول إلى الشاطئ.

وفق حسابات سترامر، فإن إلغاء خطة رواندا سيوفّر 75 مليون جنيه إسترليني في العام الأول، سيستخدمها في إنشاء قيادة جديدة لأمن الحدود يلتحق بها مئات المحققين ويقودها عسكري مخضرم يسهم في تعزيز قبضة لندن على حدودها وخفض أعداد القوارب التي تصل شواطئها.