نازحون ولاجئون

قشور الفستق والبندق.. وقود النازحين السوريين لمواجهة برد الشتاء

محمد ناموس
17 نوفمبر 2020

وسط غرفته المتواضعة شمالي مدينة إدلب، يضع عبد الله السيجري مدفأته المصنعة حديثاً، بجانبها كمية كبيرة من قشور الجوز والفستق، ليشعله عن طريق المدفأة المخصصة لهذا النوع من القشور مع بداية فصل الشتاء، كوسيلة للتدفئة له ولعائلته.

وتداول السوريون، خصوصا في المناطق المليئة بالنازحين هذه الوسائل إلى أن أصبحت عادة جديدة لديهم، وأصبحت مهنة لدى العديد من بائعي وسائل التدفئة في الشمال السوري.

يروي عبد الله لـ"ارفع صوتك" معاناته في الحصول على الوقود (المازوت) بسبب ارتفاع أسعاره، واستعاضته عنها بقشور المكسرات التي أصبحت مصدراً للتدفئة لدى معظم النازحين شمال سوريا.

يقول "في العادة كنا نستخدم المدافئ التقليدية المصنوعة من الحديد ونقوم بتشغيلها عن طريق المازوت، إلا أنه غير متوفر الآن، وفي حال توفره تكون أسعاره مرتفعة للغاية ولا نستطيع تحمل تكاليفه، لذلك لجأنا لشراء قشور الفستق والجوز، وأسعارها أيضاً بدأت أسعارها بالارتفاع بعد اعتمادها كمصدر للتدفئة لدى معظم النازحين".

ويتراوح سعر طن قشر الفستق بين 160 و210 دولار أميركي، تبعاً لجودته، وكذلك الأمر بالنسبة لقشور باقي المكسرات التي ينقص سعرها عن سعر قشر الفستق الحلبي بقليل، هذا بالإضافة إلى المدفأة الخاصة بهذا النوع من القشور، التي يتراوح سعرها بين 100 و 160 دولار أميركي، حسب تجهيزات المدفأة وحجمها ونوعيتها.

اكتسبت هذه المدافئ شعبية كبيرة لدى النازحين وحتى المقيمين أيضاً، لما أبدته من توفير لمصروف استهلاكها أو سعرها المنخفض بالمقارنة مع أساليب التدفئة الأخرى التي كان يتبعها السكان سابقاً.

وغدت قشور الفستق الحلبي، والبندق، واللوز، والجوز، ومخلّفات عصير الزيتون سلعة رائجة في معظم مناطق سوريا.

 

ابتكار محلي

مازن الحمصي أحد العاملين في مهنة تصنيع المدافئ، يؤكد لـ"ارفع صوتك" على الشعبية الكبيرة لهذا النوع من المدافئ.

ويقول إنه باع عدداً كبيرة من المدافئ المخصصة للقشور مع بداية شتاء هذا العام، مردفاً "هذه الطريقة صحيّة ولا تنبعث منها أي روائح أو دخان، وأقل كلفة من المازوت، وهي ابتكار محلي 100%"

"أبيع منها المئات مقارنة بعشرات المدافئ التقليدية المعدّة للمازوت، كما أقوم ببيع قشور الفستق واللوز التي نستوردها من تركيا نتيجة الطلب الكبير عليها، ومؤخراً أصبح البعض يستعمل قشور الجوز أيضاً، ويمكن لأي عائلة تستطيع شراء طن واحد من هذه القشور أن يكفيها لموسم الشتاء بأكمله، وبتكلفة لا تزيد عن 150 دولار" يتابع الحمصي.

و تقوم بعض المنظمات بتأمين بعض المواد الخاصة بالتدفئة مع بداية كل فصل شتاء، من قشور المكسرات ومادة "البيرون" المستخلصة من الزيتون بعد عصره، وكذلك الأمر المدافئ المخصصة لهذا النوع من القشور، إلا أن هذه المبادرات "خجولة جداً ولا تكفي إلا عددا قليلا من النازحين" حسبما يقول النازح عبدالله السيجري.

ويقطن في المناطق الشمالية عدد كبير من النازحين يصل عددهم خمسة ملايين، بينهم مليون طفل، معظمهم يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية العاجلة للخروج بأقل الخسائر من شتاء قاس بدأت تتضح ملامحه منذ بدايته.

ويقع 83% من السوريين تحت خط الفقر، بحسب تقييم احتياجات الأمم المتحدة لعام 2019.

محمد ناموس

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن- فرانس برس
صورة أرشيفية من مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن- فرانس برس

رغم التعهدات التي أطلقها المجتمعون في مؤتمر بروكسل الشهر الفائت بتقديم 2.17 مليار دولار لدعم اللاجئين السوريين في البلدان المجاورة لسوريا، ورفض الحديث عن عودتهم إلى بلادهم، لجأت بعض المنظمات الأممية لتقليص المساعدات وتخفيض الدعم المقدم للاجئين، ما شكّل صدمة لآلاف الأسر التي تعتمد بشكل كبير على هذه المساعدات.

وبعد إعلان  برنامج الأغذية العالمي إيقاف برنامجه للمساعدات في جميع أنحاء سوريا بداية العام الحالي، أعلن مؤخراً عن تعليق مساعداته  الغذائية لأكثر من 100 ألف لاجئ سوري في الأردن، اعتبارا من شهر يوليو القادم.

يأتي هذا القرار تلو تخفيض البرنامج ذاته قيمة المساعدات النقدية الشهرية للاجئين السوريين في مخيمي الزعتري والأزرق في الأردن، البالغ عددهم حوالي 119 ألف لاجئ في يوليو 2023 بمقدار الثلث بسبب نقص التمويل، بحيث أصبح  كل فرد يحصل على 21 دولاراً بدلا من 32 دولارا.

وبعد تخفيض قيمة المساعدات الشهرية خلال العام الماضي، ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي لدى اللاجئين السوريين في الأردن خلال الربع الأول من عام 2024، مقارنة بالربع الثاني من 2023 (ما قبل التخفيض)، وفق برنامج الأغذية العالمي.

وأشارت نائبة المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي في الأردن لورين جوبليت، خلال إطلاق تقرير "الوضع الاجتماعي والاقتصادي للاجئين في الأردن، دراسة السكان لعام 2024"، إلى أن البرنامج بحاجة إلى توجيه الموارد المحدودة جدًا لديه لإعطاء الأولوية للأسر الأشد احتياجًا لتلقي المساعدات.

وكان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أعرب أمام الجهات المانحة في مؤتمر بروكسل عن قلقه من التراجع الخطير في المساعدات العالمية للاجئين السوريين والدول المضيفة لهم، ومن قيام العديد من منظمات الأمم المتحدة بتقليص خدماتها للاجئين السوريين في الأردن، محذرا من التأثير السلبي على سبل عيشهم، ومعتبرا أنهم ضحايا الصراع ويجب عدم التخلي عنهم.

معاناة آلاف الأسر

من مخيم الزعتري الذي  يعتبر أكبر مخيم للاجئين في الشرق الأوسط وثاني أكبر مخيم للاجئين في العالم، الذي يؤوي نحو 80 ألف لاجئ،  يقول خليل العواد  اللاجئ السوري من مدينة درعا والمقيم في المخيم منذ أكثر من عشر سنوات، إن توقف المساعدات الغذائية "سيزيد معاناة آلاف الأسر السورية من قاطني المخيم لأن معظمهم يعتمد عليها بشكل أساسي". 

ويضيف العواد لـ"ارفع صوتك" أن مصاريف العائلات ترتفع يوما بعد يوم مقابل خفض الدعم، متسائلاً "كيف ستعيش الأسر التي يعمل غالبية أفرادها في وظائف موسمية ومؤقتة؟" حيث توجد قلة قليلة براتب ثابت ولا تعتمد على المساعدات أو تحتاج إليها.

عفيفة جاموس (42 عاما) لاجئة سورية أيضاً مقيمة في "الزعتري" وتعيل خمسة أطفال بالإضافة إلى زوجها المقعد، وتعتمد بشكل كلي على المساعدات الغذائية التي تحصل عليها من البرنامج.

"لا أعلم كيف سنواجه العوز والجوع.. الأطفال يحتاجون إلى الطعام والرعاية والمساعدات ولا يمكنني تدبر أموري لوحدي"، تقول عفيفة لـ"ارفع صوتك".

من جهتها، تقول مها وردة، اللاجئة من  ريف دمشق وتقيم في "الزعتري"، إن الوضع "كان جيدا مقارنة بأوضاع اللاجئين في مخيمات أخرى.. هنا لا نقطن في الخيام بل في كرفانات، والعديد منا يعمل، وهناك مدارس لتعليم الأطفال ومراكز طبية والكثير من المتاجر، وكانت طرق الدعم تساعد العائلات في العيش، إذ توجد عشرات المنظمات التي تقدم المساعدات للأهالي".

ولكن بدأ الوضع يسوء خلال العامين الماضيين وبدأ الدعم يتقلص، ورغم ذلك كنا نستمر بالتأقلم مع الموجود، بحسب مها، مؤكدةً "الآن إذا توقفت المساعدات ستحلّ كارثة بالعديد من العائلات التي تعتمدكاملاً على هذه المساعدات وليس لها مدخول آخر".

في مخيم الأزرق شرق العاصمة الأردنية عمّان، الذي يؤوي  38 ألف لاجئ سوري، نلتقي بأحمد سلو الذي يعتمد بشكل كامل على المساعدات، خصوصاً بعد إصابته بحادث عمل تسبب له بثلاثة كسور في الورك والركبة، وأجبره على البقاء دون عمل.

تقليص المساعدات، يقول أحمد "يشعره بالعجز والقلق من عدم قدرته على تأمين الحد الأدنى من احتياجات أطفاله الغذائية".

 

"تكيّف سلبي"

 تقول الأخصائية الاجتماعية السورية بشرى حلاق لـ"ارفع صوتك" إن تخفيض المساعدات والدعم المادي والغذائي "سيتسبب بزيادة معاناة اللاجئين السوريين وسيدفع العائلات إلى إستراتيجيات تأقلم سلبي لمواجهة نقص الموارد".

تذكر منها "دفع الأسر أبناءها لترك التعليم والذهاب للعمل، ما يزيد من عمالة الأطفال ويعرضهم لمخاطر الاستغلال".

قد تعمل العائلات أيضاً، بحسب حلاق، على تقليل وجبات الطعام وتخفيض جودتها ما قد يتسبب بسوء التغذية خاصة لدى الأطفال، وربما تعمد للاقتراض الذي يؤدي لزيادة الديون صعبة السداد مستقبلاً".

من مظاهر التكيّف السلبي الأخرى التي قد تزيد بفعل توقف المساعدات "تزويج الفتيات مبكراً لتقليل الأعباء المالية، أو العمل في مهن خارج القانون" تتابع حلّاق.

ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة يبلغ العدد الإجمالي للاجئين السوريين في الأردن 1.3 مليون  يعيش 18% منهم في المخيمات، ويبلغ عدد المسجلين لدى المفوضية 723886 شخصاً.