نازحون ولاجئون

عيد ميلاد حزين على المسيحيين العراقيين في الأردن

20 ديسمبر 2020

يتذكر سعد بولص قرياقوز اللاجئ العراقي المسيحي في الأردن منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بمرارة وحزن أيام أعياد الميلاد عندما كان في بلدته برطلة المسيحية في سهل نينوى شمال العراق قبل أن يفر منها على أثر اجتياحها من قبل تنظيم داعش صيف 2014.

يقول قرياقوز مهندس الكهرباء من شقته الصغيرة المتواضعة في ماركا، أحد أحياء عمّان الشرقية وهو محاط بزوجته واثنين من ابنائه الثلاث "عندما كنا في بلدتنا كانت أعياد الميلاد جميلة تستمر شهرا كاملا".

ويضيف "كنا نضع شجرة ميلاد كبيرة على ارتفاع 15 مترا في ساحة قريبة من كنيستنا ونزينها ونجتمع حولها كل يوم لنقيم الصلوات والتراتيل والأحاديث الجميلة مع أهلنا وأصدقائنا".

ويتابع بحزن وهو ينظر إلى شجرة الميلاد في شقته "كانت حياتنا جميلة كنا سعداء نذهب إلى أعمالنا، و(يذهب) أطفالنا إلى مدارسهم قبل أن يحتل التنظيم بلدتنا ويدمر كل شيء وتتغير حياتنا للأبد".

سعد قرياقوز لاجئ مسيحي مع زوجته في منزلهم بالعاصمة الأردنية عمان

فرّ قرياقوز وزوجته وأبناؤه الثلاثة بداية إلى أربيل في اقليم كردستان حيث استأجر منزلا من غرفتين مع عشرة أشخاص آخرين من أقاربه وظل هناك.

وعندما تحررت بلدته في نهاية 2016 توجه إليها بمفرده فوجد منزله وكل شيء في بلدته مدمرا. وقد صدم وقرر المجيء إلى الاردن في ربيع 2017.

ويقول "الخيار الأمثل كان الهروب والبحث عن مكان آمن لعائلتي"، موضحا "قدمنا أربعة طلبات لجوء إلى استراليا حتى الآن رفضت جميعها رغم اننا نتحدث الانكليزية ولنا العديد من الأقارب هناك".

"نحن وحدنا"

ويشهد الأردن موجات لجوء من العراق منذ ثلاثين عاما، أي بعد حرب الخليج (1990-1991) ثم حرب عام 2003، فسيطرة التنظيم على مناطق واسعة في شمال العراق بدءا من صيف 2014.

وأغلب اللاجئين يتخذون من الأردن الذي لا تسمح قوانينه لهم بالعمل، نقطة عبور في انتظار لجوء إلى دولة ثالثة.

ويقول إميل سعيد (53 عاما) وهو أيضا أب لثلاثة اطفال فر من بلدة "شيخان" شمال الموصل في صيف 2014 إن "العراق لم يعد مكانا آمنا ولا أرى فيه مستقبلا لأطفالي، نريد بلدا مستقرا تضمن فيه حقوقنا ونعيش فيه بأمان".

ويضيف الرجل الذي توجه أولا إلى دهوك في كردستان قبل أن يقرر المجيء إلى الأردن في آب/ أغسطس 2017 "لكن الحياة هنا صعبة جدا وغالية وغالبيتنا بدون عمل فليس مسموح لنا أن نعمل والمساعدات قليلة جدا".

إميل سعيد لاجئ عراقي مسيحي يجلس عائلته بجوار شجرة الميلاد في منزله بالعاصمة الأردنية

ويتابع إميل وهو يحتضن إثنين من أبنائه الصغار أنه ينتظر حال آلاف العراقيين اللجوء إلى بلد ثالث. ويقول "أخي وأختي يعيشون في الولايات المتحدة، قدمنا طلب لجوء إلى هناك من خلال مفوضية الأمم المتحدة وما زلنا ننتظر".

ويضيف وهو ينظر إلى شجرة الميلاد التي وضعت وسط غرفة صغيرة "هنا أعياد الميلاد حزينة تختلف عنها في العراق عندما كنا نأكل ونشرب ما لذّ وطاب، نحن هنا وحدنا لا يزورنا أحد ونحن أيضا لا نذهب عند أحد وأغلبنا بحاجة وعوز ولا نريد أن نسبب إحراجا للآخرين".

ويقول الأب خليل جعار راعي كنيسة العذراء أم الكنيسة، الذي كان أول من استقبل اللاجئين العراقيين وفتح لأطفالهم مدرسة مسائية وعيادة طبية وورشة خياطة وكومبيوتر داخل حرم كنيسته "ما زالت هناك 500 عائلة مسيحية عراقية تنتظر منذ 2014 لغاية اليوم الحصول على فرصة اللجوء لأي بلد ثان".

كنيسة القديسة مريم أم الكنيسة للروم الكاثوليك في ماركا شرق العاصمة الأردنية

ويضيف بوجه بشوش وصوت هادئ "للأسف عندما نخاطب المنظمات الخيرية العالمية والمحلية يقولون لنا الحرب انتهت في العراق ويجب أن يعود هؤلاء إلى بلدهم".

وتابع بنبرة حزينة "صحيح أن الحرب انتهت ولكنها دمرت بلدهم وبيوتهم. أملاكم استبيحت، لم يتبق لهم شيء هناك كي يعودوا، يريدون مستقبلا أفضل لأبنائهم".

الأب خليل جعار كاهن كنيسة القديسة مريم أم الكنيسة في ماركا شرق عمان
 

"مأساة في مأساة"

يخرج الأب جعار الذي يقول إنه ساعد نحو 2500 عائلة وما زال يحتفظ بنسخ من طلبات لجوئهم، كوبونات من درجه. ويقول "سنوزعها على العائلات لتشتري بها ملابس لأطفالها يجب أن يفرح الأطفال الذين لا ذنب لهم بكل ما يجري".

وقال الأب جعار الذي يؤكد أنه خطف لمدة اسبوع في العراق في 2006 عندما ذهب إلى هناك لإحضار طفلين مريضين لتتم معالجتهما في عمان، أن هذه المساعدات تأتي من أشخاص ميسورين أغلبهم من العراقيين.

ويوجد في الأردن أكثر من 66 ألف لاجئ عراقي، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، موزعين على عدة مناطق لكن أغلبهم يعيشون في العاصمة.

ولا يتلقى هؤلاء أي مساعدة من الحكومة العراقية ولا تسمح القوانين الأردنية لهم بالعمل، وبالتالي فهم يعيشون في أوضاع حياتية صعبة.

ويقول مدير منظمة كاريتاس وائل سليمان، الذي يقدر أعداد اللاجئين المسيحيين العراقيين في الأردن بين 12 إلى 18 ألف، لوكالة الصحافة الفرنسية إنه "منذ عام 1990 والمنظمة ملتزمة بمساعدة اللاجئين العراقيين في الأردن خصوصا في مجالي الصحة والتعليم".

وأضاف "لكن للأسف كاريتاس لا تستطيع مساعدة جميع اللاجئين برامجنا تغطي نحو عشرة بالمئة من اللاجئين العراقيين في الأردن".

وخلص "على المستوى العالمي يعتقد العالم إن مشاكل العراقيين انتهت ويجب عليهم العودة والعيش في العراق".

وتقول الأرملة داليا يوسف (42 عاما) التي قتل زوجها عندما كانت حاملا بطفلها في 1997 "لم أر من بلدي العراق أي خير، حياتنا كلها كانت مأساة في مأساة".

داليا يوسف لاجئة مسيحية عراقية في العاصمة الأردنية

وأضافت داليا التي ستسافر قريبا إلى أستراليا بعد أن وافقوا على منحها وأبنها اللجوء بعد خمسة سنوات من الانتظار "كل ما نريده هو الوصول إلى وجهتنا في أسرع وقت ممكن".

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن- فرانس برس
صورة أرشيفية من مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن- فرانس برس

رغم التعهدات التي أطلقها المجتمعون في مؤتمر بروكسل الشهر الفائت بتقديم 2.17 مليار دولار لدعم اللاجئين السوريين في البلدان المجاورة لسوريا، ورفض الحديث عن عودتهم إلى بلادهم، لجأت بعض المنظمات الأممية لتقليص المساعدات وتخفيض الدعم المقدم للاجئين، ما شكّل صدمة لآلاف الأسر التي تعتمد بشكل كبير على هذه المساعدات.

وبعد إعلان  برنامج الأغذية العالمي إيقاف برنامجه للمساعدات في جميع أنحاء سوريا بداية العام الحالي، أعلن مؤخراً عن تعليق مساعداته  الغذائية لأكثر من 100 ألف لاجئ سوري في الأردن، اعتبارا من شهر يوليو القادم.

يأتي هذا القرار تلو تخفيض البرنامج ذاته قيمة المساعدات النقدية الشهرية للاجئين السوريين في مخيمي الزعتري والأزرق في الأردن، البالغ عددهم حوالي 119 ألف لاجئ في يوليو 2023 بمقدار الثلث بسبب نقص التمويل، بحيث أصبح  كل فرد يحصل على 21 دولاراً بدلا من 32 دولارا.

وبعد تخفيض قيمة المساعدات الشهرية خلال العام الماضي، ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي لدى اللاجئين السوريين في الأردن خلال الربع الأول من عام 2024، مقارنة بالربع الثاني من 2023 (ما قبل التخفيض)، وفق برنامج الأغذية العالمي.

وأشارت نائبة المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي في الأردن لورين جوبليت، خلال إطلاق تقرير "الوضع الاجتماعي والاقتصادي للاجئين في الأردن، دراسة السكان لعام 2024"، إلى أن البرنامج بحاجة إلى توجيه الموارد المحدودة جدًا لديه لإعطاء الأولوية للأسر الأشد احتياجًا لتلقي المساعدات.

وكان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أعرب أمام الجهات المانحة في مؤتمر بروكسل عن قلقه من التراجع الخطير في المساعدات العالمية للاجئين السوريين والدول المضيفة لهم، ومن قيام العديد من منظمات الأمم المتحدة بتقليص خدماتها للاجئين السوريين في الأردن، محذرا من التأثير السلبي على سبل عيشهم، ومعتبرا أنهم ضحايا الصراع ويجب عدم التخلي عنهم.

معاناة آلاف الأسر

من مخيم الزعتري الذي  يعتبر أكبر مخيم للاجئين في الشرق الأوسط وثاني أكبر مخيم للاجئين في العالم، الذي يؤوي نحو 80 ألف لاجئ،  يقول خليل العواد  اللاجئ السوري من مدينة درعا والمقيم في المخيم منذ أكثر من عشر سنوات، إن توقف المساعدات الغذائية "سيزيد معاناة آلاف الأسر السورية من قاطني المخيم لأن معظمهم يعتمد عليها بشكل أساسي". 

ويضيف العواد لـ"ارفع صوتك" أن مصاريف العائلات ترتفع يوما بعد يوم مقابل خفض الدعم، متسائلاً "كيف ستعيش الأسر التي يعمل غالبية أفرادها في وظائف موسمية ومؤقتة؟" حيث توجد قلة قليلة براتب ثابت ولا تعتمد على المساعدات أو تحتاج إليها.

عفيفة جاموس (42 عاما) لاجئة سورية أيضاً مقيمة في "الزعتري" وتعيل خمسة أطفال بالإضافة إلى زوجها المقعد، وتعتمد بشكل كلي على المساعدات الغذائية التي تحصل عليها من البرنامج.

"لا أعلم كيف سنواجه العوز والجوع.. الأطفال يحتاجون إلى الطعام والرعاية والمساعدات ولا يمكنني تدبر أموري لوحدي"، تقول عفيفة لـ"ارفع صوتك".

من جهتها، تقول مها وردة، اللاجئة من  ريف دمشق وتقيم في "الزعتري"، إن الوضع "كان جيدا مقارنة بأوضاع اللاجئين في مخيمات أخرى.. هنا لا نقطن في الخيام بل في كرفانات، والعديد منا يعمل، وهناك مدارس لتعليم الأطفال ومراكز طبية والكثير من المتاجر، وكانت طرق الدعم تساعد العائلات في العيش، إذ توجد عشرات المنظمات التي تقدم المساعدات للأهالي".

ولكن بدأ الوضع يسوء خلال العامين الماضيين وبدأ الدعم يتقلص، ورغم ذلك كنا نستمر بالتأقلم مع الموجود، بحسب مها، مؤكدةً "الآن إذا توقفت المساعدات ستحلّ كارثة بالعديد من العائلات التي تعتمدكاملاً على هذه المساعدات وليس لها مدخول آخر".

في مخيم الأزرق شرق العاصمة الأردنية عمّان، الذي يؤوي  38 ألف لاجئ سوري، نلتقي بأحمد سلو الذي يعتمد بشكل كامل على المساعدات، خصوصاً بعد إصابته بحادث عمل تسبب له بثلاثة كسور في الورك والركبة، وأجبره على البقاء دون عمل.

تقليص المساعدات، يقول أحمد "يشعره بالعجز والقلق من عدم قدرته على تأمين الحد الأدنى من احتياجات أطفاله الغذائية".

 

"تكيّف سلبي"

 تقول الأخصائية الاجتماعية السورية بشرى حلاق لـ"ارفع صوتك" إن تخفيض المساعدات والدعم المادي والغذائي "سيتسبب بزيادة معاناة اللاجئين السوريين وسيدفع العائلات إلى إستراتيجيات تأقلم سلبي لمواجهة نقص الموارد".

تذكر منها "دفع الأسر أبناءها لترك التعليم والذهاب للعمل، ما يزيد من عمالة الأطفال ويعرضهم لمخاطر الاستغلال".

قد تعمل العائلات أيضاً، بحسب حلاق، على تقليل وجبات الطعام وتخفيض جودتها ما قد يتسبب بسوء التغذية خاصة لدى الأطفال، وربما تعمد للاقتراض الذي يؤدي لزيادة الديون صعبة السداد مستقبلاً".

من مظاهر التكيّف السلبي الأخرى التي قد تزيد بفعل توقف المساعدات "تزويج الفتيات مبكراً لتقليل الأعباء المالية، أو العمل في مهن خارج القانون" تتابع حلّاق.

ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة يبلغ العدد الإجمالي للاجئين السوريين في الأردن 1.3 مليون  يعيش 18% منهم في المخيمات، ويبلغ عدد المسجلين لدى المفوضية 723886 شخصاً.