خيام ممزقة وعائلات في العراء.. مأساة مخيمات الشمال السوري
تتكرر المأساة ذاتها كل شتاء. فمع اشتداد الأمطار والعواصف في الشمال السوري، يغرق النازحون في الوحل والطين، وتتمزق الخيام وتبيت العائلات في العراء.
في الأسبوع الماضي اجتاحت عاصفة جوية قوية مناطق شمالي شرقي سوريا، وتسببت بأضرار كبيرة في مخيمات النازحين: تضررت 104 مخيمات في حلب وإدلب، وانقطعت الطرق عن العديد منها.
وبحسب فريق "منسقو استجابة سوريا"، بلغ عدد الخيام المتضررة بشكل كلي 194 خيمة، وبشكل جزئي 316 خيمة. ودخلت مياه الأمطار إلى 2145 خيمة، وبلغ عدد العائلات المتضررة بشكل مباشر 1842، في حين بلغت عدد العائلات المتضررة بشكل كامل 3,742 عائلة.
وسجّلت أيضا حركة نزوح داخلية ضمن المخيمات لأكثر من 472 عائلة نتيجة تضرر خيامها.
ونشر الدفاع المدني السوري على صفحته في تويتر فيديوهات لخيام ممزقة وأخرى ممتلئة بالوحل والطين.
"فقنا الصبح لقينا الغراض كلها مي، والخيمة كلها مشقشقة"
— الدفاع المدني السوري (@SyriaCivilDefe) December 21, 2021
لحظات من داخل خيام المهجرين، أوضاع إنسانية صعبة يعيشها المدنيين في شمال غربي سوريا بعد الأمطار الغزيرة التي هطلت.#مخيمات_الطين#الخوذ_البيضاء pic.twitter.com/OFjIzdVfMz
"الشتاء الأقسى"
أبو يوسف النازح السوري المقيم في مخيم حزانو شمالي إدلب قال في حديثه مع "ارفع صوتك" "إنه الشتاء الأقسى الذي مر علينا، فلا تدفئة ولا قدرة لنا على شراء عوازل، أو الانتقال لمكان آخر".
وأضاف أبو يوسف: "غرقت العديد من الخيام.. امتلأت خيمتي بالوحل والطين، وأُجبرت على الانتقال مع عائلتي للسكن عند أقربائي في جبل الزاوية، ريثما تتوقف العاصفة وأتمكن من إصلاح الخيمة والعودة".
وبدورها، قالت أم أحمد، وهي نازحة سورية تضررت خيمها في مخيم كفر عروق، إن النازحين يعيشون في ظروف لا إنسانية، خاصة أنها تعيش ومعها طفل رضيع "لا يستحمل هذه المعاناة، وينام في الصقيع والهواء البارد والماء الذي يدخل الخيمة".
والتقى موقع "ارفع صوتك" بالناشط علي الخلف المقيم في مخيم أطمه، وهو مسؤول في منظمة "رحمة عبر العالم"، الذي أكد أن أوضاع مخيم أطمه تتشابه إلى حد ما مع باقي مخيمات الشمال السوري. "مخيمات أطمه تضم مجموعة كبيرة من المخيمات الموزعة على مساحة جغرافية واسعة، يقع بعضها في واد بجانب الصرف الصحي، إضافة إلى مخيمات أنشئت حديثا بدون صرف صحي وطرقات معبدة. وأيضا هناك مخيمات جديدة تم إنشاؤها ضمن الأراضي الزراعية بدون أي صرف صحي أو طرقات معبّدة".
وأضاف الناشط السوري: "بسبب غزارة مياه الأمطار فاض مجرى الصرف الصحي ودخلت المياه الملوثة إلى داخل الخيم والغرف التي تجاور هذا المجرى في مخيمات العمر والأنفال وزمزم، وعطاء درعا ويمامة الغاب".
وتضرر أيضا قاطنو مخيمات خالد بن الوليد، وشحشبو، والرغد، والتنمية، والمجد 1 و2، فقد دخلت المياه إلى جميع الخيام، وتسببت بانتقال الأهالي إلى مخيمات أخرى.
ولم تسلم المخيمات التي تقع في منطقة كللي، وكفر عروق، وخربة الجوز، وادي عباس، وغيرها من المناطق، من آثار العاصفة التي تسببت بضرر أكبر بسبب وعورة الطرق. فأغلب هذه المخيمات لم تعبّد طرقاتها الطينية.
تدخل خجول!
يقول الناشط علي الخلف إن التدخل الإنساني الإغاثي في المخيمات لا زال خجولا كما كل عام، فقد اقتصر العمل على فرق الدفاع المدني السوري التي ظلت تعمل خلال العاصفة لمساعدة السكان في سحب المياه من داخل الخيام، وفتح الطرقات وبناء مصدات مياه.
ولفت علي الخلف إلى أن العائلات هي من تقوم بإصلاح الأضرار في خيامها رغم الفقر الذي تعيشه، وعدم وجود مورد مالي للعائلات إلاّ سلة شهرية لا يتجاوز ثمنها في الوقت الحالي 26 دولارا.
وشدد الناشط السوري على ضرورة أن يكون عمل المنظمات في العواصف القادمة أكثر جدية، حيث إن مخيمات أطمه تضم أعدادا كبيرة من النازحين وتحتاج إلى تضافر الجهود من عدة منظمات، كما يجب أن يكون هناك استعدادات مسبقة لفصل الشتاء.
مشاهد مؤلمة.. أطفال سوريون يلهون ببراءة وسط مأساة المطر الذي غمر خيمهم في إدلب. pic.twitter.com/eoFlk0Lzdw
— IrfaaSawtak ارفع صوتك (@IrfaaSawtak) December 22, 2021
ومن جهته، وصف محمد حلاج مدير فريق "منسقو استجابة سوريا" واقع المخيمات الدائم خلال حديثه مع ارفع صوتك، قائلا: "نحن اليوم نتحدث عن مليون ونصف مليون مدني، موجودين في حوالي 1400 مخيم في الشمال السوري، ثلث هذه المخيمات عشوائية ومقامة على أراضي طينية وغير صالحة للسكن، ونعتبر من يقطن في هذه المخيمات كالشخص القاطن في العراء".
وأضاف الحلاج، "على مدى عدة سنوات تتعرض المنطقة لعواصف مطرية وثلجية، والضرر الأكبر لغاية الآن من العواصف المطرية التي حدثت خلال بداية هذا العام، إذ غرقت العديد من المخيمات. وفي الصيف عانينا من الحرائق التي حدثت في المخيمات أيضاً".
وأشار الحلاج إلى أن المشكلة الأكبر تتمثل في صعوبة استبدال الخيام، إذ إن هناك خياما لم يتم استبدالها منذ سنوات. وهذا ما يسبب مشاكل كبيرة للنازحين. وأكد أيضا وجود نقص في العوازل المطرية التي يتم توزيعها بأعداد محدودة. "مع العلم أن 100% من المخيمات اليوم بحاجة عوازل مطرية وعوازل أرضية" يقول.
مخيمات غير صالحة
أظهر تقرير احتياجات الشتاء في مخيمات الشمال السوري، الصادر في أكتوبر الماضي عن وحدة تنسيق الدعم ACU، أنه بعد تقييم 680 مخيما ضمن 30 ناحية في محافظتي حلب وإدلب، تبين أن نسبة 44 % فقط من مجموع مساحات أراضي المخيمات مناسبة لوجود مخيمات، وذلك لأن تلك الأراضي مائلة قليلا، مما يسهل مهمة التخلص من مياه الأمطار والصرف الصحي، و يمنع تشكل البرك وحدوث فيضانات.
"صالحة"طفلة مهجرة من ريف #حلب الجنوبي، تقطن في مخيم جبل شويحة في منطقة #الباب بريف #حلب الشرقي، تعيش المجهول حالها حال آلاف الأطفال من قاطني المخيمات، دون أي أمل بمستقبل أفضل.#مخيمات_الطين#الخوذ_البيضاء pic.twitter.com/RoYp2A0uIn
— الدفاع المدني السوري (@SyriaCivilDefe) December 23, 2021
في المقابل، 40 %من هذه الأراضي مستوية مما يؤدي إلى تشكل البرك عند هطول الأمطار، كما أن 17 % من هذه الأراضي لها ميول سيئة جدًا، ولا تصلح لوجود المخيمات، وذلك بسبب أن ميول الأراضي الشديد يؤدي لحدوث الفيضانات وانجراف المخيمات أثناء العواصف المطرية.
وأشار التقرير إلى أن 62 %من المخيمات المقيمة (422) مخيمًا تحتوي على طرق معبدة أو مرصوفة بالحجارة وأن 38 %من المخيمات (258) مخيمًا لا يحتوي على أية طرق معبدة أو مرصوفة.
وبعد تقييم المخيمات في فصل الشتاء الماضي، تبين أن 32 %من المخيمات المقامة (215 مخيمًا) واجهت مشكلة في تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي. ونتيجة لذلك، امتلأت المخيمات بالمياه، واختلطت مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، ما أدى إلى غرق وجرف عشرات الخيم. وتبين أيضا أن 26 %من المخيمات المقامة (177 مخيمًا) قُطعت كافة طرقها في الشتاء الماضي نتيجة الظروف الجوية.
