الأمم المتحدة: فرار 45 ألف شخص من السكان في المناطق المجاورة لسجن الحسكة.
الأمم المتحدة: فرار 45 ألف شخص من السكان في المناطق المجاورة لسجن الحسكة.

في أحد مساجد مدينة الحسكة في شمال شرق سوريا، يختلط بكاء الأطفال الذين يرتجفون برداً وجوعاً مع صراخ أمهات يحاولن تهدئتهم بما تيسّر لديهن، بعد فرارهن من الأحياء المجاورة لسجن يضم عناصر من تنظيم داعش، التي تشهد اشتباكات منذ أيام.

عبثاً تحاول مايا (38 عاماً) وهي أم لتسعة أطفال، إسكات الصغار منهم.

وتقول بحرقة لوكالة فرانس برس "الحمدلله هنا يوجد أمان لكن الشخص لا يرتاح إلا في منزله ونريد العودة"، مضيفة "لا خبز هنا ولا ماء ولا سكر".

وتركت مايا وعائلتها الجمعة منزلها الواقع في حي مجاور لسجن الصناعة، الذي شارك أكثر من مئة من مقاتلي داعش الموجودين داخله وخارجه، مساء الخميس في هجوم منسّق عليه.

وتُعتبر العملية على هذا المرفق الذي يشرف عليه الأكراد في مدينة الحسكة، "الأكبر والأعنف" منذ إعلان القضاء على التنظيم في سوريا قبل ثلاث سنوات. 

وقد أعلن أكراد سوريا "السيطرة الكاملة" على السجن، الأربعاء.

ودفع الهجوم الذي تلته اشتباكات داخل السجن وفي محيطه، مع فرار سجناء من التنظيم إلى الأحياء المجاورة والاحتماء داخل منازل المدنيين، نحو 45 ألف شخص من منازلهم، وفق ما أحصت الأمم المتحدة، الاثنين.

ولجأ غالبيتهم إلى منازل أقربائهم وأصدقائهم في أحياء آمنة وبعيدة نسبياً من محيط السجن، بينما لم يجد آخرون أمامهم إلا قاعة مسجد في المدينة وصالة أفراح، وفق ما شاهد مصور لوكالة فرانس برس.

تروي مايا كيف غادرت على عجل مع أفراد أسرتها منزلهم الواقع في حي الزهور عشية الهجوم على سجن الصناعة.

وتقول "كنا في المنزل ولم نسمع إلا دوي انفجار قوي، بدأ الاطفال البكاء من شدّة خوفهم، لكننا لم نتمكن من الخروج بسبب البرد".

وتتابع "شعرنا بالخوف، لكننا بقينا في المنزل حتى صباح اليوم التالي وخرجنا بعدها".

رغم شعورها بالأمان حالياً، لكنّها تخشى على منزلها الذي أعادت العائلة إعماره بعد تعرّضه قبل سنوات لضربة جوية.

وتؤكد مايا "كنا نعيش تحت سقفه فكيف لا نخاف عليه؟ لا مكان آخر آمن لدينا".

على بعد خطوات منها، تهز سيدة أكبر سناً رأسها مؤيدة رغبتها بالعودة إلى منزلها أيضاً. وتقاطعها قائلة "لدينا رجال وأولاد محاصرون" في إشارة على الأرجح إلى مقاتلين في صفوف قوات سوريا الديموقراطية.

 

"نريد الأمان" 

تكتظ قاعة المسجد بالمئات من النساء والأطفال وجميعهم نزحوا خلال الأيام الأخيرة على وقع الاشتباكات.

يقيم هؤلاء وسط ظروف معيشية صعبة مع تدني درجات الحرارة، خصوصاً أن الكثيرين منهم لم يتمكنوا من أخذ أي من حاجياتهم.

وتوزع منظمات محلية الخبز وبعض الخضار والمعلبات عليهم.

وإلى جانب صراخ الأطفال الذي لا ينقطع، يعلو سعال كثر منهم ممن يفترشون الأرض أو يجلسون على بعض السجادات وتفوح روائح قوية من المكان، بغياب أدنى مقومات النظافة.

تحاول شابة عبثاً التواصل مع أقربائها الذين يقطنون في مكان قريب من السجن من دون جدوى.

وتقول فهيمة (25 عاماً) التي نزحت مع زوجها وأولادهما الأربعة لفرانس برس  "تركنا منازلنا رغما عنا بعدما دخل علينا الدواعش وبدأ القصف، بالكاد تمكنا من الخروج".

وتشرح "خرجنا بأرواحنا بلا أوراق هوية أو دفتر عائلة"، موضحة أنهم باتوا ليلتهم الأولى في العراء قبل وصولهم إلى المسجد.

تبدو معالم الإرهاق واضحة على وجه نبيلة، التي نزحت كذلك مع أولاها السبعة بعد الهجوم.

وتقول بانفعال "نموت من البرد هنا (..) نريد الأمان والعودة إلى بيوتنا".

مواضيع ذات صلة:

عودة الأيزيديون إلى قضاء سنجار غرب الموصل
صورة أرشيفية لعودة نازحين إلى مناطقهم في قضاء سنجار، عام 2020

"الخدمات البلدية معدومة في سنجار ونعاني من نقص المياه الصالحة للشرب، والمساعدات الإنسانية قليلة. إذا قارنّا بين العيش في سنجار والمخيمات، العيش في المخيمات أحسن"، يقول العراقي جلال علي لـ"ارفع صوتك" وهو نازح أيزيدي عاد مؤخراً إلى سنجار.

يستدرك القول "رغم ما نعانيه من أوضاع صعبة، لكن سنجار أرضنا ومن الواجب العودة إليها".

وكانت الحكومة العراقية قررت في يناير الماضي، تحديد 30 يوليو المقبل موعداً لإغلاق مخيمات النازحين في البلاد والإعادة الطوعية للنازحين، ضمن خطتها لإنهاء ملف النزوح الذي يقترب عمره من 10 سنوات.

وتحتضن محافظة دهوك وإدارة زاخو في إقليم كردستان شمال العراق 15 مخيماً للنازحين الأيزيديين، تضم وفق إحصائيات مكتب الهجرة والمهجرين في دهوك 25600 عائلة، بينما يعيش أكثر 38700 عائلة نازحة خارج المخيمات.

يقول مدير المكتب بير ديان جعفر، إنهم لم يتلقوا حتى الآن أي كتاب رسمي باتخاذ الاستعداد لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن "سياسة حكومة إقليم كردستان واضحة، وهي عدم إغلاق أي مخيم بشكل قسري، لذلك فإن النازحين أحرار وسوف نقوم بخدمتهم حتى يقرروا الرجوع إلى مناطقهم بمحض إرادتهم".

ومنذ تحرير سنجار وأطرافها من تنظيم داعش الإرهابي في نوفمبر 2015 حتى اليوم، لا تزال  المدينة تعاني من التجاذبات السياسية، إلى جانب سيطرة الأذرع المحلية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا وعدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

هذه الأمور شكلت عائقاً أمام النازحين للعودة، خشية حصول أي تدهور أمني مفاجئ أو صدامات بين الأطراف المسلحة، عدا عن الغارات التركية التي تحدث بين حين وآخر مستهدفةً مسلحي حزب العمّال.

من جهته، يقول الناشط الأيزيدي فيصل علي، وهو يعيش في أحد مخيمات زاخو، إن النازحين وبشكل خاص نازحو سنجار "أصبحوا ورقة ضغط سياسية في وقت يواجهون  ظروف النزوح القاسية منذ 10 سنوات".

ويعتبر أن قرار إغلاق المخيمات "سياسي بامتياز" مردفاً "الضغوطات الحكومية على النازحين عالية وغير موفقة، لأن النازحين أيضاً يريدون العودة لكن بأرضية مهيّأة وباستقرار المنطقة كما يطالبون بالتعويضات".

ويوضح علي لـ"ارفع صوتك": "استعدادات الحكومة العراقية لاستقبال النازحين في سنجار غير كافية وغير مدروسة. المفروض من الحكومة قبل أن تعلن عن موعد إغلاق المخيمات وإعادة النازحين تهيئة أجواء سنجار بشكل مناسب، عبر إعادة إعمار بيوت النازحين وبناء بيوت العائدين وتخصيص تعويضات مالية لا تقل عن 10 ملايين دينار".

وخصصت الحكومة مبلغ 4 ملايين دينار عراقي (2500 دولار أميركي) لكل عائلة عائدة من مخيمات النزوح إلى مناطقها في سنجار، يُسلم المبلغ على شكل صكوك للعائدين.

هذا المبلغ "غير كاف" يقول علي، مبيّناً "يحتاج العائد إلى المدينة وقتاً طويلا حتى يستلمه، كما لا يمتلك أية أموال لإعادة إعمار منزله المدمر وتهيئته للعيش، فيما لم يعد يمتلك العديد من النازحين أي منازل للعيش فيها، وسط نقص الخدمات الرئيسية. بالتالي فإن العودة بهذا الشكل مستحيلة".

من جهتها، تجد ياسمين خيروا، وهي نازحة تعيش في مخيم شاريا بمحافظة دهوك، العودة إلى سنجار "ضرورية"، قائلةً "نطالب بالعودة وإنهاء النزوح لكننا نحتاج إلى دعم ومساندة من الحكومة في توفير الخدمات لنا عند العودة وإعادة إعمار مدينتنا بأسرع وقت".

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان أصدرته قبل أسبوع، إن مخيّمات النازحين في إقليم كردستان العراق بحلول 30 يوليو ستهدد حقوق الكثير من سكان المخيمات أهالي منطقة سنجار الشمالية.

وأضافت: "لا تزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات الاجتماعية اللازمة لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لآلاف النازحين الذين قد يضطرون إلى العودة قريباً".

في السياق نفسه، يرى رئيس المنظمة الأيزيدية للتوثيق، حسام عبدالله، أن إنهاء ملف المخيمات بهذه الطريقة "خطوة خاطئة وغير مدروسة، لأن السلطات العراقية لم تناقش القرار مع الآليات الدولية ولا مع الفاعلين الدوليين في العراق، بل أصدرته نتيجة الضغط عليها من أجل وضع حل".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "الوقت غير مناسب جدا لهذا القرار، ولا توجد أرضية مهيأة في سنجار لعملية العودة السريعة، بالتالي فإن إصداره يعني أن العراق لم يوف بالتزاماته الدولية تجاه عملية إنهاء ملف النازحين".

ويصف عبد الله هذه العودة للنازحين المقررة بتاريخ، أنها "قسرية".

في غضون ذلك، قالت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، عزرا زيا، في مؤتمر صحافي عقدته الأسبوع الماضي، في معبد لالش بمحافظة دهوك،: "شجعنا الحكومة العراقية على معالجة المخاوف بشأن المليشيات في المناطق المحررة من سيطرة داعش مثل سنجار وسهل نينوى وباقي مناطق تواجد مكونات المجتمع العراقي".

وأوضحت أن "التأثير السلبي للميلشيات على أمن المكونات واستقرارهم يمنع عودة اللاجئين ويعيق أيضاً تحقيق التنمية الاقتصادية في مناطقهم".

حاول موقع "ارفع صوتك" التواصل مع المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، علي عباس جهانكير، أو أي مسؤول آخر في الوزارة للحديث عن استعدادات الوزارة لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، لكن لم يتلق أي إجابة على أسئلته.