يعمل العشرات من السوريين في مهنة النباشة في تركيا.
يعمل العشرات من السوريين في مهنة النباشة في تركيا.

"هذا العمل مردوده جيد جداً مقارنة ببقية الوظائف. أعمل في مهنة النباشة منذ عدة سنوات وأمتلك اليوم سيارة أجمع بها الكرتون والبلاستيك". هكذا يصف حميد ابن مدينة ريف حلب والمقيم في مدينة غازي عنتاب، جنوب تركيا، عمله في مهنة "النباشة" خلال حديثه مع ارفع صوتك.

والنباشون هم جامعو الكرتون والبلاستيك من حاويات النفايات من أجل بيعه.

لا يخفي حميد أن لديه "أكثر من طفل"، بينهم إخوته وأقرباؤه، يعلمون معه. بعضهم دون سن 15 عاماً.

"أطعمهم وأؤمن لهم السكن وأوفر لهم كل احتياجاتهم"، يقول.

ويضيف حميد: "لسنا بحاجة دعم من المنظمات أو الجمعيات المعنية بالسوريين، ولا للحماية من القانون التركي، لأننا لا نعمل بشكل خاطئ أو نسيء لسمعة هذه المهنة. ولم نتعرض لمضايقات من البلدية سابقاً".

ولم يرغب حميد بالإفصاح عن تفاصيل أخرى عن مهنته، مكتفيا بالقول إنه يعيش من خلال عمله هذا، ويؤمن لنفسه ولعائلته وأقاربه "حياة كريمة".

 

أفضل من التسول

 

محمد، 12 عاماً، أحد أقرباء حميد، يعمل معه في النباشة. يقول  لـ"ارفع صوتك": "أخرج في الصباح الباكر. ويتم توزيعي مع بقية الأطفال من قبل حميد على عدد من حاويات القمامة مع أكياس لجمع البلاستيك والكرتون. وعندما ننتهي من جمع الأكياس يأتي حميد ليأخذنا. ثم تتم إعادة توزيعنا مرة أخرى على عدد من الحاويات".

وعند سؤاله عن حصته من هذا العمل، قال محمد: "أنا هنا في تركيا منذ سبعة أشهر. لا أحصل على راتب أو نسبة من عملي. حميد يؤمن لي السكن والملبس والطعام، ويرسل لأهلي في آخر كل شهر مبلغا من النقود وهي حصتي من العمل. ولكن أحياناً يعطيني حميد قليلا من النقود لأبقيها معي".

لا يخفي محمد أنه لا يرغب في مواصلة دراسته. بحسب رأيه، يكفي أن يعمل كي يستطيع أن يرسل لعائلته مصروفا شهريا تعيش منه. "هذا العمل أفضل من اللجوء إلى التسول وطلب المال والطعام من الناس"، يقول.

 

النفقات تزداد

 

يقول عمر، 27 عاماً، وهو مقيم في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، أن هذا العمل يغنيه عن اللجوء إلى المنظمات والجمعيات الإنسانية في تركيا. "أنا مُسجل في عدد من الجمعيات الإغاثية منذ أكثر من ثلاث سنوات وإلى الآن لم يتم الرد على طلبي. هل يجب أن أنتظر ثلاث سنوات للحصول على المساعدة؟!".

ويضيف: "كنتُ أعمل في معملٍ للخياطة يملكه معلم سوري. لكن تدني الراتب وعدم توفر الحوافز التي قد تساعدني على توفير متطلباتي أنا وعائلتي ودوام العمل الطويل، دفعني للعمل في هذه المهنة. أعمل بدون رقابة وبدون ضغط من رب العمل، إضافة إلى أن مردود هذا العمل يغطي لي احتياجاتي واحتياجات عائلتي".

ويشير عمر إلى أن العمل لا يقتصر على الذكور والسوريين فقط، بل هناك نساء وأطفال، وأشخاص من الجنسية التركية أيضاً.

يؤكد عمر أيضا أن مهنته لا تخلو من أخطار. "لكن، للأسف الخطر الأكبر يقع على الأطفال. فمن الممكن أن يُعرض الطفل للملاحقة القانونية والاعتقال من قبل البلدية في بعض المناطق. هنا في غازي عنتاب، شهدت حادثة اعتقال البلدية لطفل أمام أبيه الذي كان يعمل معه في النباشة. بعدما تم اعتقاله، تعهد الأب بعدم خروج الطفل للعمل معه مرة ثانية، وإلا سوف يتم سحب الطفل من عائلته ووضعه في دار رعاية تابعة للبلدية".

 

قانونية النباشة

 

بحسب المحامي حيدر هروي المقيم في مدينة مرسين جنوب تركيا، فإن اللوائح في تركيا تنظم مهنة النباشة، وتحظر جمع النفايات إلا على الحاصلين على تراخيص قانونية. وتعتبر البلديات الجهات المسؤولة عن هذا الأمر، أي أنه لا يجوز لغير المصرح لهم القيام بهذا العمل.

ويتابع هروي: "أما عن وجود هذه الظاهرة في تركيا، فهي موجودة قبل مجيء السوريين، بدليل صدور اللوائح المنظمة لهذه المهنة قبل دخول السوريين إلى تركيا. ويمكننا القول بازدياد أعداد العاملين في جمع النفايات القابلة للتدوير مع مجيء اللاجئين لأسباب تتعلق بعدم توفر فرص العمل أحياناً، وأحياناً لعدم رغبة أو قدرة العاملين على العمل في مجالات أخرى".

ويوضح القانوني السوري أن العقوبات القانونية تشمل الغرامات المالية، مع إغلاق المنشأة في حالة كان الأمر يتعلق بمنشأة تعمل بدون ترخيص.

لكن أحيانا، يمكن أن يصل الأمر إلى انتزاع الأطفال من عائلاتهم، وتحويلهم إلى مراكز رعاية، إذا كانت العائلات وراء خروج أطفالها للعمل بهذه المهنة.

ويضيف المحامي السوري: "بشكل عام، يمنع قانون العمل تشغيل الأطفال. وإذا سمح لهم بذلك، فيكون بشروط متشددة منها ألا تكون الأعمال مؤثرة على سلامتهم الصحية والنفسية والجسدية والأخلاقية، وألا يؤدي عملهم إلى التوقف عن الدارسة".

 

مضاعفات نفسية

 

تقول ندى المقداد، مديرة فريق "ويبقى الأمل" التطوعي ومسؤولة التنمية البشرية في الجمعية العامة للمكفوفين في غازي عنتاب إن مهنة النباشة أصبحت ظاهرة مألوفة على نطاق واسع في تركيا.

وتؤكد: "من خلال بحثنا، واجهنا أطفالاً دون 12 عاماً، ذكوراً وإناثا، يخرجون للعمل بالتنقيب في القمامة مع ذويهم أو إخوتهم الأكبر سنا.. وقد نشاهد مجموعات منهم في المدن الكبرى والصغرى وفي أرياف المدن أيضاً".

وتوضح ندى أن أسباب هذه الظاهرة تتمثل في حاجة هذه الفئة إلى المُعيل، وعدم توافر فرص العمل، إضافة إلى وجود الفساد في بعض المنظمات التي تحرم الناس من المساعدات التي يمكن أن يحصلوا عليها.

وتشدد المقداد: "هذه الظاهرة تؤثر سلباً على الحالة الاجتماعية وتعكس الواقع المعيشي المتردي للسورين في تركيا. أمَّا بالنسبة للأطفال، فقد تؤدي إلى حالات مرتفعة الخطورة على مستقبلهم: أولها فقدان التعليم، والعمالة المضرة بصحتهم الجسدية.. عدا عن العادات السلبية التي قد يكتسبونها من المحيط، والتي تكون غالباً غير خاضعة للرقابة كالتنمر، والتحرش، والاعتداء اللفظي والجسدي".

مواضيع ذات صلة:

وزارة الصحة في غزة ترصد إصابة رضيع بمرض شلل الأطفال
وزارة الصحة في غزة ترصد إصابة رضيع بمرض شلل الأطفال (أرشيف)

في أحد مخيمات النازحين الفلسطينيين غرب دير البلح (وسط غزة)، تعيش، نفين أبو الجديان، مأساة، فقد أصيب ابنها، عبد الرحمن أبو الجديان (10 أشهر)، بشلل الأطفال، وهي حالة الإصابة الأولى التي يتم تسجيلها في القطاع منذ 25 عاما.

نزحت الأسرة قبل 11 شهرا من مخيم جباليا للاجئين شمال غزة، وهي تعيش ظروفا مزرية في مخيم النازحين حيث لا تتوفر مياه ولا طعام صحيان، ولا يتوفر العلاج لطفلها الصغير.

وزار مراسل موقع "أخبار الأمم المتحدة" في غزة الأسرة في خيمتها وتحدث مع نفين التي روت قصة إصابة ابنها بالشلل في الجزء السفلي من ساقه اليسرى.

وقالت: "أصيب ابني باستفراغ وسخونة. توجهت به إلى إحدى المستشفيات ولم أتوقع أن يكون الأمر خطيرا. كان الطفل نائما طوال الوقت ولم يكن يصحو أو يرضع (كما ينبغي) لمدة أسبوعين إلى أن شك الأطباء في إصابته بالمرض، فتم أخذ عينة منه وإرسالها إلى الأردن".

وأضافت "بعد أسبوعين أخبروني أنه مصاب بشلل الأطفال وأنه لا يوجد علاج ولا إمكانية لعلاجه. ابني سيظل هكذا ولا أدري ماذا سأفعل".

"صدمة كبيرة"

تقول الأم إن خبر إصابة ابنها بالشلل كان ثقيلا عليها: "كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي ولأطفالي ولوالدهم. تساءلنا لماذا يصاب هذا الطفل، وكيف أصيب، ومن أين أتى المرض؟ لقد استغربت. فأخبرونا أنه أصيب عن طريق المياه الملوثة لأن الوضع المعيشي ليس صحيا. كان طفلي بصحة جيدة وكان يتحرك وفجأة تدهورت حالته".

وأوضحت أن النزوح المتكرر حال دون حصول ابنها على التطعيمات اللازمة الأمر الذي تسبب في إصابته بالشلل، وقالت "عندما نزحنا من الشمال كان عمره شهرا. وكان يفترض أن يتلقى الحقنة عندما حدث النزوح. وظللنا نتنقل من مكان لآخر. وقد شكل هذا عائقا (أمام حصوله على التطعيمات)".

أمل في العلاج خارج القطاع

وتعرب نفين عن أملها في أن يتم إخراج ابنها إلى خارج القطاع كي يتلقى العلاج، وتضيف: "حتى المقويات التي يتناولها هي مقويات تعطى لأي طفل عادي، سواء الكالسيوم أو الفيتامينات، ولم تساعده بأي شيء (...) وحالة الطفل لا تتحسن بل تسوء أكثر".

الأم التي تعاني مع أسرتها من وطأة الفقر والنزوح، تقول إنه ليس بإمكانها توفير أبسط المستلزمات لابنها: "ابني بحاجة إلى المياه المفلترة باستمرار. أنا معي عائلة ووضعي لا يسمح لي بشراء المياه المعدنية له باستمرار".

أمنية واحدة

حاليا، ليس لدى الأم سوى أمنية واحدة وهي أن يعود ابنها سليما معافى مثلما كان في السابق: "أتمنى أن يعود طفلي مثلما كان وأتمنى أن تعود إليه صحته سواء عن طريق إخراجه للخارج أو أن يتم توفير العلاج له هنا. أو أي وسيلة كي يتمكن من استعادة صحته. ابني هنا ولا أحد يسأل عنه ولا يتوفر له العلاج وأنا كأم ليس باستطاعتي أن أساعده بأي شيء".

وتعتزم وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها إجراء جولتين من حملة تطعيم واسعة آخر الشهر الحالي ضد شلل الأطفال لتطعيم أكثر من 640 ألف طفل ضد المرض. وقد جلبت منظمة اليونيسف 1.2 مليون جرعة من اللقاح إلى قطاع غزة استعدادا لإجراء حملة التطعيم.

وطالبت الأمم المتحدة جميع أطراف الصراع بوقف القتال لأسباب إنسانية في القطاع لمدة 7 أيام للسماح بإجراء جولتي التطعيم.