نازحون ولاجئون

خطة إردوغان لإعادة السوريين.. مغزى التوقيت ومصداقية "المليون"

03 مايو 2022

نقلا عن موقع الحرة

رغم أن حديث الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بخصوص "خطة العودة الطوعية للاجئين السوريين" ليس جديدا، إلا أن طرحه في التوقيت الحالي أثار الكثير من التساؤلات، فيما انعكس السياق الخاص به سلبا على أوساط السوريين، وهو ما أشارت إليه طبيعة تعليقاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وكشف إردوغان، الثلاثاء، عن تحضير أنقرة لمشروع يتيح العودة الطوعية لمليون سوري إلى بلادهم، وجاء ذلك في كلمة موجهة له بالفيديو  في مراسم تسليم منازل مبنية من الطوب في إدلب السورية، شارك فيها وزير الداخلية التركي سليمان صويلو.

وأشار الرئيس إردوغان إلى أن نحو "500 ألف سوري عادوا إلى المناطق الآمنة التي وفرتها تركيا منذ إطلاق عملياتها في سوريا عام 2016"، وأن "المشروع سيتم تنفيذه بدعم من منظمات مدنية تركية ودولية".

ولا يعرف بالتحديد المدة الأزمنية التي سيتم فيها تنفيذ مشروع "العودة الطوعية" حتى الآن، كما لم يكشف الرئيس التركي عما إذا كانت الخطة تحظى بتوافقات إقليمية ودولية، لاسيما أن سوريا لا تزال "غير آمنة"، بحسب تأكيدات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

ومنذ مطلع العام الماضي يتصدر ملف اللاجئين السوريين في تركيا حديث الساسة الأتراك، لتزداد الوتيرة شيئا فشيئا مع حلول العام الحالي، ليأخذ مسارات أكثر حدة، وخاصة من جانب أحزاب المعارضة.

وفي الوقت الذي تضع هذه الأحزاب "إعادة السوريين إلى بلادهم" على قائمة برامجها الانتخابية استعدادا للاستحقاق الرئاسي في 2023، دخلت الحكومة التركية والحزب الحاكم مؤخرا على الخط، ليغردوا في ذات السياق، لكن تحت عنوان "طوعا وليس إجبارا".

وبموازاة ما سبق، كان لافتا خلال الأشهر الماضية سلسلة القرارات التي وصفت بـ"التقييدية"، التي اتخذتها الحكومة ضد الوجود السوري في البلاد. وكان آخرها منع الراغبين منهم في قضاء إجازة عيد الفطر في مناطق الشمال السوري، الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة.

من جهتها وثّقت منظمات حقوق إنسان سورية إقدام السلطات التركية على ترحيل المئات من السوريين، لأسباب مختلفة، في خطوة قيل إنها "تصب في إطار التوجه الحالي لمشروع العودة"، وهو ما نفته الحكومة مرارا، على لسان وزير الداخلية صويلو ورئاسة الهجرة.

 

"تساؤلات كثيرة"

وأوضح إردوغان أن المشروع سيكون شاملا بصورة كبيرة، وسينفذ في 13 منطقة على رأسها أعزاز وجرابلس والباب في ريف حلب الشمالي والشرق وتل أبيض ورأس العين في منطقة عمليات "نبع السلام"، بالتعاون مع المجالس المحلية في تلك المناطق.

وأفاد أنه سيتم بناء مرافق متنوعة في إطار المشروع مثل المدارس والمستشفيات.

ولتركيا تواجد عسكري في عدة مناطق على طول حدودها مع سوريا، حيث كانت البداية منذ عام 2016 في ريف حلب الشمالي، ومن ثم توسعت الدائرة إلى عفرين في أقصى الشمال الغربي، وأخيرا في مناطق الشرق السوري، حيث تل أبيض ورأس العين.

وفي هذه المناطق أعلنت الحكومة خلال السنوات الماضية إنجاز سلسلة مشاريع مدنية وصحية واقتصادية بالتعاون مع المجالس المحلية التابعة لـ"الحكومة السورية المؤقتة" هناك، في وقت كشفت فيه عن خطة بناء "مساكن الطوب"، التي تعتبر أساسا لمشروع إردوغان الحالي.

الباحث السياسي والأكاديمي المختص بالشأن التركي، سعيد وليد الحاج كتب عبر "فيس بوك" معلقا على المشروع الذي كشف عنه إردوغان: "رقم مليون كبير بالنسبة لعدد السوريين في ‫تركيا، وكذلك بالنسبة للشمال السوري الذي يفترض أن يستقبلهم، لا سيما وأن المتوقع أن يتم ذلك في فترة زمنية قريبة (قبل الانتخابات)".

وأضاف الحاج: "لذلك قد يكون السؤال المطروح هنا هو: هل سيتم ذلك بشكل أحادي الجانب من قبل تركيا؟ أم بالتفاهم مع النظام، مستدركا: "التفاهم مع النظام ولو عن طريق روسيا (مرجح) ضروري لنجاح مشروع مثل هذا، إذ المطلوب بالحد الأدنى عدم استهداف هؤلاء وأن تكون عودتهم ثم إقامتهم هناك آمنة".

من جهته أبدى المحامي والقانوني السوري، غزوان قرنفل تخوفا بشأن ما كُشف عنه، مستعرضا عبر "فيسبوك" عدة سيناريوهات قد يسلكها السوريون: "أولا هجرة الكثير من رجال الاعمال والاستثمارات السورية من غير المجنسين لملاذا أكثر استقرارا".

وأضاف: "ارتفاع وتيرة الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا، رغم المخاطر الكبيرة التي يواجهها هؤلاء من قبل حكومتي اليونان وبلغاريا.. ماسيدفع المهاجرين لابتداع سبل ومسارات جديدة ومختلفة محفوفة أيضا بالكثير من المخاطر".

وتوقع أيضا: "ارتفاع الطلب على جوازات السفر ومحاولة السفر لبلدان ماتزال متاحة للسوريين".

ويتجاوز عدد السوريين المقيمين في تركيا، سواء "لاجئين" أو "سياح" أكثر من أربعة ملايين شخص، يتركز العدد الأكبر منهم في ولاية إسطنبول، لتتبعها ولاية شانلي أورفة الحدودية، وولايتي غازي عنتاب وهاتاي.

وبينما يرى مراقبون أن المشهد الحالي يرتبط بمحددات داخلية، بعدما تحولت قضية السوريين إلى شأن داخلي بحت، يشير آخرون إلى أن الأمر لا يمكن فصله عن سياق دولي أيضا، خاصة مع عملية الإصلاح الشاملة التي بدأتها أنقرة مع عدة دول إقليمية.

 

لماذا الآن؟

رغم تضارب رؤية وأفكار كل طرف سياسي في تركيا بشأن ملف السوريين، إلا أن ما يجمعهم هو حديثهم المتكرر عن "عودتهم".

وقال إردوغان في تصريحين منفصلين أبريل الماضي: "عندما يتم إنشاء بيئة مريحة فإن اللاجئين سيعودوا إلى بلدهم طواعية".

وأضاف: "مع استكمال بناء المنازل المؤقتة المبنية من الطوب في سوريا سنضمن عودة اللاجئين".

لكن في المقابل خرجت أصوات مخالفة لذلك، حيث قال أحمد داوود أوغلو زعيم "حزب المستقبل" في ذات الوقت: "إن القول سنرسل لاجئين دون تهيئة الظروف الملائمة لعودة اللاجئين قد يبدو كلاما جيدا، لكنه ليس واقعيا".

وأضاف: "أولا وقبل كل شيء، نحتاج إلى بذل جهد لجلب السلام في سوريا. هذه المهمة يحددها قرار مجلس الامن الدولي. وسيتحقق".

عدا عن ذلك كان هناك من غرد خارج السرب، وبينما أكد زعيم "حزب النصر"، أوميت أوزداغ على فكرته في إعادة السوريين، أعلن مؤخرا إطلاق مباحثات مع "وزارة الخارجية السورية لبحث هذا الأمر".

ويوضح باكير أتاجان، مدير معهد إسطنبول للفكر، أن المشروع الذي أعلن عنه إردوغان "خطة تركية بامتياز"، منذ البدء فيها قبل 4 أو 5 سنوات.

ويضيف أتاجان في حديث لموقع "الحرة": "عرضت تركيا على دول الاتحاد الأوروبي والعربية هذا الأمر. حينها وافقت هذه الأطراف على العودة الطوعية وأن يتم إنشاء منازل آمنة وبعض العمليات التجارية والصناعية والمشافي والبنوك في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، من أجل التشجيع".

لكن وبسبب "بقاء بعض المشاكل المادية والأمنية تأجل المشروع إلى أن تم إعلانه بشكل رسمي الآن، بمناسبة انتهاء بناء بعض البيوت وتسليمها للاجئين".

ويشير الباحث التركي إلى أن "المشروع مدعوم دوليا، ولكن هذا الدعم مختصر". ويتابع: "الدعم المادي يأتي من قطر وأعتقد في المرحلة المقبلة سيطلب من الإمارات والسعودية ودول الخليج على أن يكونوا داعمين لهذا المشروع".

أما الدول الأوروبية فيوضح أتاجان: "هم يبدون تأييدا سياسيا وقانونيا للمشروع، لكن لا يتبرعون ماديا حتى الآن لاستكماله".

 

"سياقات خارجية"

وفي غضون ذلك تعتبر المناطق التي يتم فيها إنشاء "منازل الطوب" المؤسسة لمشروع "العودة الطوعية" للسوريين في تركيا من المناطق "الخطرة وغير الآمنة"، بحسب ما تقول منظمات حقوقية وإنسانية، وخاصة محافظة إدلب التي تشهد تصعيدا بالقصف من جانب قوات الأسد وروسيا، ويعيش فيها أكثر من 4 ملايين مدنيين، القسم الأكبر منهم من النازحين في المخيمات.

أما مناطق ريف حلب الشمالي المحاذية للحدود التركية فإنها تعيش حالة فلتان أمني منذ ثلاثة أعوام. وتتمثل هذه الحالة بتفجيرات بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة، فضلا عن حوادث الاغتيال التي راح ضحيتها مئات الأشخاص من ناشطين وعمال إغاثة إنسانية.

طه الغازي، ناشط حقوقي مهتم بأوضاع اللاجئين السوريين في تركيا ربط إعلان مشروع "العودة" من جانب إردوغان، بسياقات إعلامية من جهة وخارجية تتعلق بالخطوات التي اتخذتها أنقرة مؤخرا، من جهة أخرى.

وبحسب الغازي، فإن تصريحات إردوغان تأتي بعد زيارته إلى المملكة العربية السعودية بأيام، "الأمر الذي قد يرسم معالم وخارطة سياسية جديدة في المنطقة بين الحكومة التركية ونظام الأسد والدول العربية الإقليمية".

كذلك جاءت بعد أيام من تقرير صحيفة "تركيا" (المقربة من الحزب الحاكم) حول عزم الحكومة التركية على إعادة قرابة 1.5 مليون لاجئ سوري إلى بلادهم خلال مدة زمنية حددتها الحكومة بين 15 و20 شهرا.

وفي التقرير، كان الكاتب يلماز بيلغين قد أشار إلى وجود تفاهمات بين أنقرة وجهات أُخرى حول مشروع العودة، بقوله: "خلال الفترة الماضية، تسارعت الخطوات الفعلية لمشروع العودة الطوعية للاجئين السوريين إلى بلادهم، وتم إحراز تقدم كبير في خطط إنشاء مدن صناعية و بناء 200 ألف وحدة سكنية في مناطق الريف الشمالي".

وأضاف بيلغين: "دولة قطر ستكون الجانب الرئيس في تمويل هذه المشاريع الميدانية"، وأن "المرحلة المقبلة قد تشهد كثافة التنسيق والتواصل بين الجانبين السوري والتركي، وذلك لمناقشة ملف عودة اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم و ملف مكافحة تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي".

وكان وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو قد التقى، في الثالث من مارس الماضي نظيره الأردني، أيمن الصفدي في العاصمة أنقرة.

وقال حينها بحسب وكالة "الأناضول" إن بلاده تعمل مع الأردن من أجل عودة طوعية للسوريين اللاجئين إلى بلادهم، معربا عن رغبة تركيا في تنظيم "مؤتمر وزاري" لمناقشة ما وصفها بـ"العودة الطوعية".

وهذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها جاويش أوغلو عن عزم بلاده تنظيم "مؤتمر وزاري" لمناقشة عودة السوريين "الطوعية".

وفي شهر ديسمبر 2021 كان قد أعلن أن تركيا اتفقت مع 4 دول مجاورة على ضرورة إعادة اللاجئين السوريين "بشكل طوعي" إلى بلدهم، لكن أزمة الحكومة في لبنان "أجّلت هذا الاتفاق".

وأضاف في ذلك الوقت: "نجحنا في وضع قضية العودة الطوعية للسوريين على أجندة الرأي العام الدولي، حيث ناقشنا المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أثناء زيارتها إلى بلادنا مع مفوضها فيليبو غراندي".

وبينما يؤكد الباحث باكير أتاجان المسار الذي تتخذه أنقرة مع دول إقليمية من أجل تأمين "مشروع العودة الطوعية"، نفى أن تتجه تركيا لإعادة علاقاتها مع نظام الأسد.

ويقول أتاجان: "تركيا كانت تطلب مرارا بأن يكون هناك حظر جوي ومن دول عديدة"، مشيرا إلى سياق حصل مؤخرا، بإقدام تركيا على إغلاق مجالها الجوي أمام روسيا، واعتبر أنها تندرج في إطار تأمين "العودة الطوعية".

وكان وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو قد قال، في 24 فبراير الماضي، إن دراسة استقصائية أجريت على المهاجرين السوريين أظهرت أن 3.1 في المئة منهم لا يخططون للعودة إلى بلادهم، بينما قال 13.7 في المئة إنهم سيعودون إذا انتهت الحرب وبغض النظر عن النظام الذي يحكم البلاد.

وقال 28.2 في المئة إنهم سيفعلون ذلك فقط (العودة) إذا انتهت الحرب، وكان النظام الذي سيدعمونه في السلطة، فيما أشار 4.1 في المئة إلى أنهم سيعودون إلى سوريا حتى لو استمرت الحرب.

وبعد ذلك بأيام قال نائبه، إسماعيل تشاتكلي: "لن نمنح وضع الحماية المؤقتة بشكل مباشر للسوريين غير المسجلين من الوافدين حديثا، من الآن فصاعدا، وسنأخذهم إلى المخيمات ونحقق معهم في المخيمات" عن أسباب لجوئهم.

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".