دفعت حملات الضغط والتضييق التي يتعرض لها اللاجئون السوريون في تركيا، نتيجة تنامي خطاب الكراهية، وحملات الترحيل، والمخاوف من خطة العودة الطوعية، بعشرات الآلاف منهم إلى مغادرة تركيا أو التخطيط للمغادرة والبحث عن موطن بديل.
يوسف الصالح، لاجئ سوري من مدينة حماة، يعمل في أحد معامل صناعة النسيج في إسطنبول منذ ست سنوات، يقول لارفع صوتك: "غادر الكثير من العمال السوريين المصنع حيث أعمل نتيجة العنصرية والكراهية. غالبية هؤلاء تركوا العمل تحضيرا للهرب نحو أوروبا، بعضهم نجح بالفعل، والبعض الآخر يستمر بالمحاولة".
ويؤكد الصالح أن النقص الكبير في معمل النسيج أثر على الإنتاج. فغالبية العمال من السوريين ارتضوا براتب أقل وساعات عمل أطول والعمل دون ضمان وتأمين. "ولكن الضغوطات تفوق الاحتمال، والعمالة السورية ترحل، لأننا مهددون بالطرد أو الترحيل إلى سوريا في أي وقت، وعلينا أن نستبق الأمور ونتدبر سبيل الهجرة".
والأمر نفسه حصل في معمل المواد الغذائية، حيث يعمل أكرم غازي، 23 عاما، الذي يقول في حديثه لارفع صوتك: "غادر العديد من السوريين مكان العمل، ويتحدث الباقون عن رغبتهم بالرحيل وترك العمل والمغادرة إلى أوروبا، فلا أحد يشعر بالاستقرار".
وعن إمكانية تأثر الشركة بهجرة السوريين، يقول أكرم أنها حتما ستتأثر، كون الأتراك لا يقبلون بهذه الرواتب ولا بساعات العمل الطويلة، والعامل السوري يوفر على سوق العمل التركية الكثير من المصاريف".
مؤثرة كما ونوعا
يقول الخبير الاقتصادي عبد المنعم الحلبي أن اليد العاملة السورية مؤثرة كمّاً ونوعاً في الاقتصاد التركي. "نتحدث هنا عن مئات الآلاف من العمال في قطاعات البناء والحديد والصلب والنسيج والصناعات الغذائية والأعمال الزراعية، وهي أيد عاملة رخيصة نسبيا، وتسد فجوة أعمال خطرة، في ظروف قد لا تناسب آخرين، وهذا أمر مؤسف حيث يعمل السوريين في غالبهم بحقوق أقل وواجبات أكثر".
وحول تأثر الاقتصاد التركي في حال رحل السوريون يقول الحلبي: "سيتأثر. بدأ ذلك يظهر بالفعل مع أرباب العمل في القطاعات ذات التنافسية السعرية المذكورة، ولا سيما الذين يوجهون إنتاجهم للسوق المحلية، ويضاف إليهم قطاع الشركات الوسيطة وتجار التجزئة والمهن الحرة والمطاعم".
وعن الفئات التي تهاجر، يقول الحلبي إن "الغالبية التي تعاني من العنصرية وتتأثر بالواقع الاقتصادي المتردي، والمتمثل بصورة واضحة في التضخم الهائل وانخفاض القيمة الحقيقية للأجور هي التي تهاجر أو تفكر بالهجرة. وهم هنا بالتحديد العمال وأصحاب المهن الحرة".
ويضيف الخبير الاقتصادي: "أما رؤوس الأموال التي يديرها سوريون، ففي غالبها ستصمد إلى حين، ولكن دون ضمانات أو تسهيلات كانت تتمتع بها سابقا، بما فيها أولئك الذين يتمتعون بالجنسية التركية الاستثنائية. فالوضع الاقتصادي العام لا يتمتع باليقين، كما السياسي تماما، بمعنى ما قد يحمله من تغيرات سلبية بالنسبة لوجود السوريين".
أكثر القطاعات تشغيلا للسوريين
تقول دراسة صادرة عن مركز حرمون، نشرت في شهر يوليو من العام الحالي، أنّ نسبة العمالة السورية تبلغ 2.9% من إجمالي اليد العاملة في تركيا، وذلك بحسب إحصاءات رسمية صادرة عن الحكومة التركية.
وتشير الدراسة إلى توزع اليد العاملة السورية في قطاعات الورش الصناعية والنسيجية والأحذية التي استوعبت نصف العمالة السورية تقريبًا، يليها قطاع الإنشاءات فالشركات والمحلات التجارية، ثم المطاعم والمخابز والأعمال الحرة، والزراعة، والتعليم.
وتضيف الدراسة إلى أنه بالرغم من الحملات الممنهجة لإرجاع أسباب البطالة الموجودة في تركيا إلى الوجود السوري، يؤكد العديد من المسؤولين وأصحاب الشركات التركية مغالطة هذا الطرح. وقال مدير عام شركة "إيجا إش" نوري دوغان: "لن تجد الشركات موظفين لتشغيل مصانعها، إن هاجر السوريون".
وبحسب دراسة مركز حرمون، يتقاضى العمال السوريون في تركيا أجورًا لا يقبلها الأتراك، ويقومون بشغل وظائف يرفض العامل التركي شغلها، ومن دون أي تأمين صحي أو ضمان، وهو ما يدل على تعرّض العمالة السورية في القطاع غير الرسمي في تركيا لحالة من الاستغلال، سواء من قبل أرباب العمل السوريين أو الأتراك، وهو ما يلقي بآثار سلبية على العامل السوري نفسه، وإن كان يوفر على سوق التشغيل التركية كثيرًا من المصاريف.
وتشير الدراسة إلى أن 92% من العمال السوريين يعملون أكثر من 8 ساعات عمل يوميًا، بينهم 59% يعملون لما يزيد على 65 ساعة أسبوعيًا، دون الحصول على تعويض مالي يتناسب مع العمل الإضافي، أو الحصول على حد مقبول من الإجازات أو الحقوق القانونية.
ويتلقى 75% منهم رواتب أقلّ من الحد الأدنى للأجور، كما أن 87% من هذه العمالة هم من فئة الشباب بين 18و30 عامًا. هذا ويوجد عمال مؤهلون "أكثر من المطلوب"، من حملة الشهادات الجامعية بنسبة 20% من إجمالي العاملين السوريين، يعملون في مهن منخفضة الكفاءة، وفي غير اختصاصاتهم، وهو ما يسبب خسارة مضاعفة، وذلك بسبب عدم الحصول على تصريح عمل، وعدم الاعتراف بشهاداتهم.
وأفادت دراسة أعدها مركز الحوار السوري العام الماضي أنه لا توجد أرقام رسمية عن حجم العمالة السورية في السوق التركية، وذلك لصعوبة تتبع أعدادها، نظراً لأن غالبية العمال السوريين يعملون بشكل غير نظامي، وغير موثق في السجلات الحكومية، إلا أن التقديرات حول حجم العمالة السورية في سوق العمل التركي تراوحت بين 750 ألف شخص، و940 ألف شخص وفقاً لتقديرات دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية.
وقدرت دراسة تركية صدرت بداية عام 2020 أعداد العاملين السوريين بـ1.2 مليون سوري، مبينة أن نسبة واسعة من السوريين يعملون في مجال الاقتصاد غير الرسمي.
ويبلغ عدد السوريين المقيمين في تركيا بموجب الحماية المؤقتة ثلاثة ملايين و655 ألف شخص بحسب أحدث إحصائية صادرة عن الرئاسة العامة لإدارة الهجرة التركية، في الثامن من شهر أكتوبر الماضي.
