تبلغ نسبة العمالة السورية 2.9% من إجمالي اليد العاملة في تركيا.
تبلغ نسبة العمالة السورية 2.9% من إجمالي اليد العاملة في تركيا.

دفعت حملات الضغط والتضييق التي يتعرض لها اللاجئون السوريون في تركيا، نتيجة تنامي خطاب الكراهية، وحملات الترحيل، والمخاوف من خطة العودة الطوعية، بعشرات الآلاف منهم إلى مغادرة تركيا أو التخطيط للمغادرة والبحث عن موطن بديل.

يوسف الصالح، لاجئ سوري من مدينة حماة، يعمل في أحد معامل صناعة النسيج في إسطنبول منذ ست سنوات، يقول لارفع صوتك: "غادر الكثير من العمال السوريين المصنع حيث أعمل نتيجة العنصرية والكراهية. غالبية هؤلاء تركوا العمل تحضيرا للهرب نحو أوروبا، بعضهم نجح بالفعل، والبعض الآخر يستمر بالمحاولة".

ويؤكد الصالح أن النقص الكبير في معمل النسيج أثر على الإنتاج. فغالبية العمال من السوريين ارتضوا براتب أقل وساعات عمل أطول والعمل دون ضمان وتأمين. "ولكن الضغوطات تفوق الاحتمال، والعمالة السورية ترحل، لأننا مهددون بالطرد أو الترحيل إلى سوريا في أي وقت، وعلينا أن نستبق الأمور ونتدبر سبيل الهجرة".

والأمر نفسه حصل في معمل المواد الغذائية، حيث يعمل أكرم غازي، 23 عاما، الذي يقول في حديثه لارفع صوتك: "غادر العديد من السوريين مكان العمل، ويتحدث الباقون عن رغبتهم بالرحيل وترك العمل والمغادرة إلى أوروبا، فلا أحد يشعر بالاستقرار".

وعن إمكانية تأثر الشركة بهجرة السوريين، يقول أكرم أنها حتما ستتأثر، كون الأتراك لا يقبلون بهذه الرواتب ولا بساعات العمل الطويلة، والعامل السوري يوفر على سوق العمل التركية الكثير من المصاريف".

 

مؤثرة كما ونوعا

 

يقول الخبير الاقتصادي عبد المنعم الحلبي أن اليد العاملة السورية مؤثرة كمّاً ونوعاً في الاقتصاد التركي. "نتحدث هنا عن مئات الآلاف من العمال في قطاعات البناء والحديد والصلب والنسيج والصناعات الغذائية والأعمال الزراعية، وهي أيد عاملة رخيصة نسبيا، وتسد فجوة أعمال خطرة، في ظروف قد لا تناسب آخرين، وهذا أمر مؤسف حيث يعمل السوريين في غالبهم بحقوق أقل وواجبات أكثر".

وحول تأثر الاقتصاد التركي في حال رحل السوريون يقول الحلبي: "سيتأثر. بدأ ذلك يظهر بالفعل مع أرباب العمل في القطاعات ذات التنافسية السعرية المذكورة، ولا سيما الذين يوجهون إنتاجهم للسوق المحلية، ويضاف إليهم قطاع الشركات الوسيطة وتجار التجزئة والمهن الحرة والمطاعم".

وعن الفئات التي تهاجر، يقول الحلبي إن "الغالبية التي تعاني من العنصرية وتتأثر بالواقع الاقتصادي المتردي، والمتمثل بصورة واضحة في التضخم الهائل وانخفاض القيمة الحقيقية للأجور هي التي تهاجر أو تفكر بالهجرة. وهم هنا بالتحديد العمال وأصحاب المهن الحرة".

ويضيف الخبير الاقتصادي: "أما رؤوس الأموال التي يديرها سوريون، ففي غالبها ستصمد إلى حين، ولكن دون ضمانات أو تسهيلات كانت تتمتع بها سابقا، بما فيها أولئك الذين يتمتعون بالجنسية التركية الاستثنائية. فالوضع الاقتصادي العام لا يتمتع باليقين، كما السياسي تماما، بمعنى ما قد يحمله من تغيرات سلبية بالنسبة لوجود السوريين".

 

أكثر القطاعات تشغيلا للسوريين

 

تقول دراسة صادرة عن مركز حرمون، نشرت في شهر يوليو من العام الحالي، أنّ نسبة العمالة السورية تبلغ 2.9% من إجمالي اليد العاملة في تركيا، وذلك بحسب إحصاءات رسمية صادرة عن الحكومة التركية.

وتشير الدراسة إلى توزع اليد العاملة السورية في قطاعات الورش الصناعية والنسيجية والأحذية التي استوعبت نصف العمالة السورية تقريبًا، يليها قطاع الإنشاءات فالشركات والمحلات التجارية، ثم المطاعم والمخابز والأعمال الحرة، والزراعة، والتعليم.

وتضيف الدراسة إلى أنه بالرغم من الحملات الممنهجة لإرجاع أسباب البطالة الموجودة في تركيا إلى الوجود السوري، يؤكد العديد من المسؤولين وأصحاب الشركات التركية مغالطة هذا الطرح. وقال مدير عام شركة "إيجا إش" نوري دوغان: "لن تجد الشركات موظفين لتشغيل مصانعها، إن هاجر السوريون".

وبحسب دراسة مركز حرمون، يتقاضى العمال السوريون في تركيا أجورًا لا يقبلها الأتراك، ويقومون بشغل وظائف يرفض العامل التركي شغلها، ومن دون أي تأمين صحي أو ضمان، وهو ما يدل على تعرّض العمالة السورية في القطاع غير الرسمي في تركيا لحالة من الاستغلال، سواء من قبل أرباب العمل السوريين أو الأتراك، وهو ما يلقي بآثار سلبية على العامل السوري نفسه، وإن كان يوفر على سوق التشغيل التركية كثيرًا من المصاريف.

وتشير الدراسة إلى أن 92% من العمال السوريين يعملون أكثر من 8 ساعات عمل يوميًا، بينهم 59% يعملون لما يزيد على 65 ساعة أسبوعيًا، دون الحصول على تعويض مالي يتناسب مع العمل الإضافي، أو الحصول على حد مقبول من الإجازات أو الحقوق القانونية.

ويتلقى 75% منهم رواتب أقلّ من الحد الأدنى للأجور، كما أن 87% من هذه العمالة هم من فئة الشباب بين 18و30 عامًا. هذا ويوجد عمال مؤهلون "أكثر من المطلوب"، من حملة الشهادات الجامعية بنسبة 20% من إجمالي العاملين السوريين، يعملون في مهن منخفضة الكفاءة، وفي غير اختصاصاتهم، وهو ما يسبب خسارة مضاعفة، وذلك بسبب عدم الحصول على تصريح عمل، وعدم الاعتراف بشهاداتهم.

وأفادت دراسة أعدها مركز الحوار السوري العام الماضي أنه لا توجد أرقام رسمية عن حجم العمالة السورية في السوق التركية، وذلك لصعوبة تتبع أعدادها، نظراً لأن غالبية العمال السوريين يعملون بشكل غير نظامي، وغير موثق في السجلات الحكومية، إلا أن  التقديرات حول حجم العمالة السورية في سوق العمل التركي تراوحت بين 750 ألف شخص، و940 ألف شخص وفقاً لتقديرات دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية.

وقدرت دراسة تركية صدرت بداية عام 2020 أعداد العاملين السوريين بـ1.2 مليون سوري، مبينة أن نسبة واسعة من السوريين يعملون في مجال الاقتصاد غير الرسمي.

ويبلغ عدد السوريين المقيمين في تركيا بموجب الحماية المؤقتة ثلاثة ملايين و655 ألف شخص بحسب أحدث إحصائية صادرة عن الرئاسة العامة لإدارة الهجرة التركية، في الثامن من شهر أكتوبر الماضي.

 

مواضيع ذات صلة:

Fire following over-border rockets launched at Israel from Lebanon amid Hezbollah and Israeli forces hostilities
تُظهر الصورة تصاعد النيران في الجانب الإسرائيلي بعد ضربات صاروخية من لبنان- تعبيرة

في ظل التهديدات المتزايدة بتوسع الصراع بين حزب الله وإسرائيل وتوجيه السفارات العربية والغربية دعوات عاجلة لرعاياها بمغادرة البلاد، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، ويعيشون حالة من القلق المتزايد دون أي اهتمام أو توجيه من الحكومات في مختلف مناطق السيطرة داخل سوريا، أو من المنظمات الدولية والمحلية المعنية باللاجئين.

 

أين يذهب السوريون؟

من ضاحية بيروت الجنوبية، يروي الشاب الثلاثيني خالد لـ"ارفع صوتك": "منذ بداية التصعيد أعيش حالة من الخوف المستمر.. كلما سمعت أصوات الطائرات الحربية أو خرق جدار الصوت، أفكر في أسوأ السيناريوهات، فغالبية السفارات طلبت من رعاياها المغادرة، ولكن ماذا عنا نحن؟!".

يضيف خالد الذي يعمل في أحد مطاعم المأكولات السريعة، إن السوريين الذين لجأوا إلى لبنان هرباً من ويلات الحرب في وطنهم، يجدون أنفسهم الآن محاصرين مرة أخرى.

"ليس لدينا أي خيار سوى البقاء؛ فنحن لسنا رعايا لدولة يمكن أن تهتم بنا أو ترسل طائرات لإجلائنا، أو تعطينا توجيهات الأمن والسلامة، أو تفتح أبوابها لاستقبالنا. أشعر أننا منسيون"، يتابع خالد بحسرة.

بالنسبة لعبد الله (39 عاما) الذي سبق أن اعتقله النظام السوري سنة 2013، ويعمل حالياً بأجر يومي في منطقة البقاع اللبنانية، فإنه "سيضطرّ للمجازفة والبحث عن أي طريقة للهروب".

يقول لـ"ارفع صوتك": "لا أريد أن أتعرض لما تعرضتُ له في سوريا مرة أخرى".

وينتقد عبد الله  أداء المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالشأن السوري مردفاً "لم يخبرنا أحد ماذا نفعل في حال نشبت الحرب وإلى أين ننتقل، ولا أحد يجيب على اتصالاتنا وأسئلتنا ومخاوفنا".

يوضح: "بعض السوريين ممن لا مشكلات لهم مع النظام ربما يفكرون بالعودة كحل إذا توسعت الحرب على لبنان، أما من لديه مشاكل أمنية أو كان من المعارضين للنظام، فسيبقى أو سيحاول البحث عن طرق للهجرة إلى أوروبا أو أي دولة أخرى، رغم التكاليف المالية الكبيرة ومخاطر الهجرة في البحر أساساً".

تقيم أم محمد (43 عاما)  مع أبنائها الخمسة في مدينة صور منذ عام 2014 حين لجأت للبنان من ريف دمشق. ترى أن الحل في العودة لبلادها. فمع تصاعد التوترات الأمنية، "يفكر بعض اللاجئين بالعودة لسوريا، رغم الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة هناك".

"لكن لا يوجد لدينا خيار آخر"، تؤكد أم محمد.

حملة إخلاء "شرسة" في شمال لبنان.. اللاجئون السوريون يواجهون مصيرا مجهولا
كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمال البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

ارتفاع الإيجارات بشكل كبير

تسببت الضربات الإسرائيلية على القرى الحدودية اللبنانية والتهديد باستهداف ضاحية بيروت الجنوبية بنزوح الكثير من العائلات اللبنانية إلى مناطق أكثر أمانا في الداخل اللبناني، ما أدى لارتفاع إيجارات الشقق والمنازل، وألقى بتبعاته على النازحين السوريين الراغبين في الانتقال.

تقول سعاد رملاوي، وهي أم سورية لثلاثة أطفال وتقيم في منطقة "الجناح" في العاصمة اللبنانية بيروت "أشعر أننا عالقون في دوامة جديدة من الخوف، لا أستطيع النوم ليلاً وأنا أفكر في ما قد يحدث غداً إذا توسعت الحرب وكيف سأحمي أطفالي؟".

وتبين لـ"ارفع صوتك" أن نزوح أهالي الجنوب اللبناني وأهالي ضاحية بيروت الجنوبية لمناطق في الداخل اللبناني "رفع الإيجارات بشكل كبير، حتى أصبحت خارج متناول قدرة العائلات السورية"، مستدركة "رغم ذلك فإن الحل الوحيد المتاح لي  هو الانتقال لمناطق آمنة مهما ارتفعت الأسعار".

 

ماذا يقول اللبنانيون؟

تتفاوت الآراء حول مصير السوريين وسط التعيد العسكري واحتمالات الحرب الأوسع التي تلوح في الأفق. 

من جهته، يقول معروف الحراكي، وهو مسن لبناني من بلدة عبية في جبل لبنان "الوضع صعب على الجميع، ونحن نعرف ما يشعر به النازحون سواء كانوا سوريين أم لبنانيين لأننا مررنا بنفس الظروف خلال الحرب الأهلية وهُجّرنا من بيوتنا مرات عديدة، ويجب أن نتضامن معهم في هذه الأوقات الصعبة".

في المقابل، يعتقد البعض أن الأولوية يجب أن تكون لحماية اللبنانيين وتوفير الظروف الملائمة لهم في حال توسعت الحرب.

يقول رامي حداد، وهو موظف حكومي لبناني "الأولوية الآن يجب أن تكون لتأمين اللبنانيين، وعلى الحكومة أن تضع خططاً واضحة لحماية مواطنيها وتوفير الإمدادات الأساسية للصمود خلال الحرب".

في السياق نفسه، يرى المحامي والناشط الحقوقي اللبناني المتخصص بشؤون اللاجئين السوريين محمد صبلوح، أن الحكومة اللبنانية والأجهزة اللبنانية والمنظمات لم تقم بعمل خطة لمواجهة سيناريو نشوب الحرب.

يقول لـ"ارفع صوتك": "نحن نعيش كل يوم بيومه ولا يوجد أي خطة للمواجهة".

ويوجّه صبلوح نصيحة للاجئين السوريين في حال اندلعت الحرب ألّا يغادروا منازلهم "فالعين مفتوحة عليهم، وكثير من المسؤولين لديهم مخاوف واتهامات للاجئين بأنهم مسلحون، وسيشتركون في الحرب مع حزب الله، رغم كونهم أضعف الموجودين في لبنان" على حدّ تعبيره.

يتابع "أنصحهم بالبقاء في منازلهم ريثما تتم معالجة قضاياهم، وأدعوهم لعدم التدخل في أي حدث أمني، فالبلد فيها جيش وفيها حكومة قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة".

الفقر في لبنان يتضاعف ثلاث مرات.. وضحاياه يروون قصصهم
يوماً بعد يوم، تتسع هوة الفقر في لبنان، مبتلعة المزيد من اللبنانيين في آتونها، ليغرقوا في حرمان متعدد الأبعاد وقيود ثقيلة تطال كل جانب من جوانب حياتهم، وبعد مرور نحو خمس سنوات على الأزمة الاقتصادية، أصبح تأمين أبسط احتياجات الحياة الكريمة حلماً بعيد المنال للعديد من العائلات.

ويشير صبلوح إلى أن لبنان يخضع لاتفاقيات دولية ولقواعد إنسانية تلزمه بحماية اللاجئين، وهو يحصل على مساعدات لقاء ذلك، مشدداً "يجب على لبنان أن يقوم بعمل خطة طوارئ لحماية اللبنانيين وحماية اللاجئين، وتأمين أبسط مقومات العيش الكريم لهم عبر للمساعدات التي يحصل عليها".

ويعتبر أن  حماية اللاجئين السوريين "مسؤولية المجتمع الدولي، كونه قادرا على إلزام لبنان بحمايتهم".

"كما يجب على مفوضية الأمم المتحدة أن تقوم بدورها ولا تغلق مكاتبها" يقول صبلوح، لافتا إلى وجود علامات استفهام على أداء العديد من الموظفين في المفوضية.

أما بالنسبة للتعاون بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية المختصة باللاجئين، فهو بحسب صبلوح تعاون "شكلي وضعيف"، حتى أن "بعض الأجهزة تتهم المنظمات بأنهم عملاء للخارج وليس هدفهم مصلحة لبنان".