طلاب سوريون يركبون على شاحنة صغيرة في طريقهم إلى المدارس

في الوقت الذي تفتقر فيه الطفولة السورية لاستقرار الوطن، يبقى التعليم صمام الأمان الذي يحفظ اللاجئين من الضياع ويساعدهم على إنقاذ مستقبلهم. ولكن هذا الأمل لا يجد طريقه لكل اللاجئين وبينما تحمل بعض القصص الكثير من النجاح، تكشف قصص أخرى عن عدم التكافؤ في الفرص حتى ضمن العائلة نفسها بسبب عوامل مختلفة.

ومن الأمثلة، أبناء عائلة الطوقان الذين تهجروا من سوريا مع اندلاع الأزمة منذ أكثر من 10 سنوات، ما بين لبنان والأردن. فكيف يختبرون عودة الأولاد إلى المدارس كل من منظوره وبعيدا عن التعميم؟ 

ابتعد مسارا عادل وشقيقته لميسا لطوقان، فذهب الأول إلى الأردن بينما استقرت الثانية مع عائلتها في لبنان، ومع انطلاق موسم المدارس، تشهد ملاحظاتهما على بعض التشابهات والتفاوتات التي لا يمكن أن تختصر واقع الحال بشموليته لكنها تلقي الضوء على معاناة اللاجئين من عدة زوايا.

أوجه الشبه

في ما يتعلق بالتشابهات، لا شك بأن الحديث عن وطأة المعاناة الإقتصادية يتكرر مع الإرتفاع في معدلات الغلاء والفقر والبطالة في البلدين. أما على مستوى التناقضات وتحديدا لجهة التعليم، حيث يتكلم عادل بنبرة أكثر تفاؤلا بقليل.

وحسب قوله، "شهد مخيم الزعتري في الأردن الذي بقي شكله على حاله، تطورا لناحية دعم "الخدمات المقدمة للأطفال والشباب، من التعلّم إلى التدريب المهني والرياضة".

وهذا يترجم مثلا في أعداد المدارس التي تستقبل الطلاب السوريين داخل وخارج المخيمات. يقول عادل: "فتحت لنا حوالي 32 مدرسة أبوابها منذ وصولنا للمخيم منذ سنين، ولا يختلف التعليم اليوم عن الدراسة المؤمنة في المدن، كما توفر اليونيسيف دروس تقوية أثناء الدوام الدراسي وبعده".

تصديق الأوراق

ومن منظور عادل، "يختلف الوضع اختلافا جذريا بين لبنان والأردن حيث أن المواليد الجدد قادرين على استحصال شهادة ميلاد موثقة من الحكومة الأردنية عند الولادة بكل سهولة وبعدها بفترة يستطيع التسجيل والذهاب للمدرسة".

أما في لبنان، فيشتكي العديد من النازحين السوريين من عدم القدرة على تصديق شهادات الولادة سريعا، وبالتالي إما يعزفون عن تسجيل الأولاد وإما يسعون لحجز مكان لهم في الصفوف الدارسية بانتظار تأمين للأوراق المطلوبة.

هذا مع الإشارة إلى أن هذا الإجراء كان في الماضي يتطلب من المؤهلين الذهاب إلى سوريا شخصياً، "الأمر الذي كانوا يتجنبونه خشية التعرض للاعتقال لأنهم إما مطلوبون للتجنيد الإجباري، أو بسبب نشاطهم السياسي".

وتعقيبا على هذا الموضوع، تشرح مديرة إحدى المدارس اللبنانية: "قد نعيش معضلة يفرضها واقع الحاجة لإضافة المستندات المصدقة لملف الطالب، ما بين تطبيق البروتوكول والتعاضد الإنساني. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قد يأتيك ولي أمر لثلاث أولاد، منهم اثنان مسجلان بأوراق رسمية لأنهما ولدا في سوريا بينما أصغرهم ولد في لبنان ولا يمتلك سوى وثيقة ولادة من مختار المحلة التي ولد فيها. ثم يطلب منك الوالد أن تنظر لولده بعين الرأفة ويعدك بأن يصدق الأوراق في سوريا أو في السفارة السورية في لبنان في أقرب وقت ممكن".

ولكن ذلك لا يحصل دوما مما يكلف الولد سنينا دراسية أو العجز عن الحصول على شهادة رسمية تفيده إذا عاد للوطن أو إذا قرر متابعة الدراسة في بلد آخر.

وتأسف لميس على فقدان أولاد أخيها في لبنان لفرصة الحصول على التعليم لأنهم يعتبرون من مكتومي القيد. وتشرح أن "العديد من أولياء الأمور ما زالوا يترددون بالسفر إلى سوريا أو حتى بزيارة السفارة لأسباب أمنية".

أما في الأردن، وفقا لعادل، "يسهل تأمين الأوراق وهناك الكثير من التشجيع". ويستطرد: "أذكر بين العامين 2016 و2017، عانى عدد من محرومي القيد في سن الثالثة أو الرابعة، من مشكلة في الدخول للمدرسة، فأمنت مفوضية اللاجئين عاملا تحفيزيا لدفع الأهل لتسجيل أولادهم ولإنجاز معاملات إخراجات القيد.

ولهذه الغاية، نشرت إعلانات داخل المخيم وشجعت على تسجيل أي طفل على قائمة النفوس مع الإشارة إلى تخصيص مبلغ له (يتراوح ما بين 140 او 150$ (2017/18).

وساعد هذا المشروع النازحين على تسجيل أبنائهم، مما سرع من القدرة على الإستفادة من التعليم. كما سمحت وزارة التربية والتعليم الأردنية بتسجيل الطلبة غير الأردنيين في المدارس الحكومية والخاصة وإعفائهم من الوثائق المطلوبة لعملية التسجيل للفصل الأول للعام الدراسي 2022-2023 على أن يتم تصويب الأوضاع وتوفير هذه الوثائق خلال الفصل الدراسي الأول".

ويتفق عادل ولميس في روايتهما، على أن "النازح السوري يلقى معاملة المواطن الأردني في ملف التعليم والمواصلات وحتى المسائل الطبية كتأمين الطبابة للأطفال، داخل وخارج المخيم دون تمييز على أساس الجنسية".

كما تساعد المنظمات داخل وخارج المخيمات وهناك منح جامعية ومواصلات بشكل يومي من داخل وخارج المخيم وتتولى الجمعيات توزيع المنح وتأمين اللقاحات. وهذا يعني أن الحال أفضل بقليل، حسب عادل ولميس.

أما في لبنان، تختبر لميس وطأة ما تسميه "ب.التمييز والعنصرية التي يبديها البعض إزاء السوريين". تقول: "سعيت كثيرا لأؤمن مكانا لأولادي في المدارس الخاصة ظنا مني أن التعليم فيها أفضل من التعليم في القطاع الرسمي. واستطعت أن أجمع بعض المال من المساعدات التي كانت تصلنا، والمفروض أنها تعادل 27$ للولد الواحد، ولكني لم أستطع أن أسحب إلا مليون ليرة لبنانية شهريا، وهو مبلغ لا يكفي أكثر من 4 أشهر من الأقساط في مدرسة متواضعة في القطاع الخاص. اضطررت بعدها للجوء للقطاع الرسمي والذي يؤمن المقاعد للطلاب السوريين في فترة ما بعد الظهر بسبب الاكتظاظ في المدارس".

وفي ظل انتشار كورونا والإضرابات المتكررة في البلاد بسبب الأوضاع الاقتصادية، خسر أولادها سنتين دراسيتين. "لا أعتقد أن أولادي تعلموا حقا كما يجب"، كما تضيف، "فهم يدرسون بالكاد ما بين ساعتين الى ثلاث بعد الظهر مما يؤخر الانتهاء من البرنامج ولا يسمح بانتقالهم للصف التالي. كما أن بعض المدارس توظف أساتذة من الطلاب الجامعيين وهذا يطرح علامات استفهام حول الخبرة ومدى الاستعداد للتعامل مع أولادنا الذين يختبرون ظروفا استثنائية". 

ويعيش لبنان أزمة اقتصادية تلقي بظلالها على البلاد، ويعيش المواطنون اللبنانيون ظروفاً معيشية سيئة.

ومن هذا المنطلق، يلعب التزام الأهل دورا كبيرا في تأمين التعليم. "في الأردن، يكمل عادل، يواظب نازحون كثر على تعليم أبنائهم والحصول على منح لإكمال الدراسات الجامعية. وفي لبنان الحال سيان، لكن الظروف الإقتصادية فرضت ظاهرة جديدة، هي استغلال "أشباه المدارس" لتأمين مقومات الحياة.

كيف ذلك؟ تشرح المديرة نفسها أن "النازح السوري يحظى بمساعدة مقدارها 20 دولارا كبدل للنقل. ويحصل أهل الطالب على المساعدة بعدما ترفع المدرسة لائحة بأسماء الطلاب للأمم.

يحضر الولد الصف خلال العشرة أيام الأولى مثلا ثم يتوقف عن الحضور. فتشطب المديرة حينئذ اسم الطالب، لكن الأهل يتوسلون إعادته ويبكون قائلين إنهم اضطروا لاستعمال المساعدة لدفع إيجار البيت وإما يقدمون شكوى تظهر وكأننا لا نريد إعطاء أولادنا فرصة".

تضيف: "تخيلي أننا نسجل 750 طالبا في بداية العام، وننتهي بـ 400 في آخر العام. المدرسة أمام مسؤولية كبيرة وإلا قد تصطدم بالتفتيش وتتهم بتسجيل طلاب وهميين لذلك يجب على الأهالي الالتزام وإلا فهم يرتكبون خطأ بحق أنفسهم وبحق أولادهم".

ومع الإشارة إلى أن وزير التربية اللبناني عباس الحلبي أكد على إتاحة التسجيل لكل الطلاب من لبنانيين وسوريين ومكتومي القيد، تصر المديرة على ضرورة تشجيع النازحين على تصديق الأوراق المطلوبة وخصوصا في المجال التعليمي لأنهم سيصطدمون عاجلا أم آجلا بحائط الإمتحانات الرسمية التي لا يمكن لأولادهم خوضها بدونها (إخراج القيد المصدق ووثيقة الولادة المصدقة في دائرة النفوس).

تكاثر "أشباه المدارس"

أمام هذا الواقع وصعوبة قبول بعض الطلاب السوريين في المدارس خصوصا في لبنان، يحاول البعض الاستفادة من وضعهم من خلال فتح معاهد خاصة للتدريس، وهي في الغالب غير مرخصة من وزارة التربية.

تروي إحدى "المدرسات" أنها سمعت عن الكثير من معاهد الدروس الخصوصية التي افتتحت في ظل الضائقة الاقتصادية. "خصصت غرفة في منزلي، كما تقول، لإعطاء الدروس الخصوصية لطلاب سوريين من أعمار مختلفة. أقوم بتدريس عدد من الطلاب باتباع المنهج المعتمد في المدرسة لكن ذلك لا يكفي وليس بإمكاني منحهم شهادات، والخطير أن هناك أناس ممن لا يمتلكون شهادة أصلا ويسعون لاستغلال وضع السوريين لجني الأرباح".

أخيرا، لا يتوخى هذا المقال التعميم أو يختصر دراسة حالة لكنه يسعى من خلال تسليط الضوء على الفروقات التوعية حول دور الأفراد والجماعات في ضمان مستقبل أكثر ثقة وأمانا للاجئين مهما اختلفت جنسياتهم وأينما حلوا. 

مواضيع ذات صلة:

وزارة الصحة في غزة ترصد إصابة رضيع بمرض شلل الأطفال
وزارة الصحة في غزة ترصد إصابة رضيع بمرض شلل الأطفال (أرشيف)

في أحد مخيمات النازحين الفلسطينيين غرب دير البلح (وسط غزة)، تعيش، نفين أبو الجديان، مأساة، فقد أصيب ابنها، عبد الرحمن أبو الجديان (10 أشهر)، بشلل الأطفال، وهي حالة الإصابة الأولى التي يتم تسجيلها في القطاع منذ 25 عاما.

نزحت الأسرة قبل 11 شهرا من مخيم جباليا للاجئين شمال غزة، وهي تعيش ظروفا مزرية في مخيم النازحين حيث لا تتوفر مياه ولا طعام صحيان، ولا يتوفر العلاج لطفلها الصغير.

وزار مراسل موقع "أخبار الأمم المتحدة" في غزة الأسرة في خيمتها وتحدث مع نفين التي روت قصة إصابة ابنها بالشلل في الجزء السفلي من ساقه اليسرى.

وقالت: "أصيب ابني باستفراغ وسخونة. توجهت به إلى إحدى المستشفيات ولم أتوقع أن يكون الأمر خطيرا. كان الطفل نائما طوال الوقت ولم يكن يصحو أو يرضع (كما ينبغي) لمدة أسبوعين إلى أن شك الأطباء في إصابته بالمرض، فتم أخذ عينة منه وإرسالها إلى الأردن".

وأضافت "بعد أسبوعين أخبروني أنه مصاب بشلل الأطفال وأنه لا يوجد علاج ولا إمكانية لعلاجه. ابني سيظل هكذا ولا أدري ماذا سأفعل".

"صدمة كبيرة"

تقول الأم إن خبر إصابة ابنها بالشلل كان ثقيلا عليها: "كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي ولأطفالي ولوالدهم. تساءلنا لماذا يصاب هذا الطفل، وكيف أصيب، ومن أين أتى المرض؟ لقد استغربت. فأخبرونا أنه أصيب عن طريق المياه الملوثة لأن الوضع المعيشي ليس صحيا. كان طفلي بصحة جيدة وكان يتحرك وفجأة تدهورت حالته".

وأوضحت أن النزوح المتكرر حال دون حصول ابنها على التطعيمات اللازمة الأمر الذي تسبب في إصابته بالشلل، وقالت "عندما نزحنا من الشمال كان عمره شهرا. وكان يفترض أن يتلقى الحقنة عندما حدث النزوح. وظللنا نتنقل من مكان لآخر. وقد شكل هذا عائقا (أمام حصوله على التطعيمات)".

أمل في العلاج خارج القطاع

وتعرب نفين عن أملها في أن يتم إخراج ابنها إلى خارج القطاع كي يتلقى العلاج، وتضيف: "حتى المقويات التي يتناولها هي مقويات تعطى لأي طفل عادي، سواء الكالسيوم أو الفيتامينات، ولم تساعده بأي شيء (...) وحالة الطفل لا تتحسن بل تسوء أكثر".

الأم التي تعاني مع أسرتها من وطأة الفقر والنزوح، تقول إنه ليس بإمكانها توفير أبسط المستلزمات لابنها: "ابني بحاجة إلى المياه المفلترة باستمرار. أنا معي عائلة ووضعي لا يسمح لي بشراء المياه المعدنية له باستمرار".

أمنية واحدة

حاليا، ليس لدى الأم سوى أمنية واحدة وهي أن يعود ابنها سليما معافى مثلما كان في السابق: "أتمنى أن يعود طفلي مثلما كان وأتمنى أن تعود إليه صحته سواء عن طريق إخراجه للخارج أو أن يتم توفير العلاج له هنا. أو أي وسيلة كي يتمكن من استعادة صحته. ابني هنا ولا أحد يسأل عنه ولا يتوفر له العلاج وأنا كأم ليس باستطاعتي أن أساعده بأي شيء".

وتعتزم وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها إجراء جولتين من حملة تطعيم واسعة آخر الشهر الحالي ضد شلل الأطفال لتطعيم أكثر من 640 ألف طفل ضد المرض. وقد جلبت منظمة اليونيسف 1.2 مليون جرعة من اللقاح إلى قطاع غزة استعدادا لإجراء حملة التطعيم.

وطالبت الأمم المتحدة جميع أطراف الصراع بوقف القتال لأسباب إنسانية في القطاع لمدة 7 أيام للسماح بإجراء جولتي التطعيم.