نازحون ولاجئون

السوريون الأتراك.. إشكاليات المواطنة ومخاوف من تجريد الجنسية

عبد الإله مصطفى
11 أكتوبر 2022

يعيش اللاجئ السوري في تركيا، محمد، الذي فرّ من الحرب قبل ثماني سنوات إلى تركيا، في منزل متواضع داخل مدينة إسطنبول. وهو متزوج ولديه أربعة أطفال، ويعمل في ورشة لتصنيع المعدات الطبية.

بعد عدة سنوات من إقامته تحت بند الحماية المؤقتة، وصلته رسالة تطلب منه مراجعة إدارة الهجرة للتقدم إلى الجنسية الاستثنائية، وفعلاً وبعد أن أتم الإجراءات حصل عليها مؤخراً، لكنه قام بتغيير أسماء أولاده الأربعة واسم العائلة، لتحقيق الاندماج الكامل في المجتمع التركي. 

محمد ليس حالة نادرة، إذ بات تعديل الأسماء ظاهرة بين السوريين الحاصلين على الجنسية التركية، أما المبرر غالباً فهو محاولة إخفاء الهوية الأصلية، بهدف الاندماج في المجتمع.

وتحوّل تغيير الأسماء هذا إلى إشكالية، بعد إصدار المجلس الإسلامي السوري فتوى في يونيو الماضي، تقضي بتحريم تغيير أسماء المجنسين في دول اللجوء بما فيها تركيا، بحجة الحفاظ على النسب، ما أثار جدلا كبيرا بين السوريين.

المجلس الإسلامي السوري ومقره مدينة إسطنبول التركية، حدد شروطا لتغيير الاسم والشهرة، قائلا إن "الاسم هو ما يعرف به الشخص، وتتحدد به هويته، وتغييره، وكذا اسم العائلة، لا يباح إلا لحاجة شديدة، ووفق ضوابط".

وأكد أن تغيير الاسم "لا تترتب عليه الفوائد المتوهمة من اندماج في المجتمع ونحوها، التي يمكن تحصيلها بطرق أخرى".

في نفس الوقت، اعتبر المجلس أنه "لا بأس بتغيير طريقة نطق الاسم ليتوافق مع طريق النطق في لغة البلد الجديد"، وأباح تغيير الاسم الشخصي أو اسم العائلة في حالات محددة، منها أن يكون التغيير لحاجة حقيقية، أو ضرورة كخشية الملاحقة الأمنية التي قد تؤدي للقتل، فضلا عن جواز تغيير الاسم، أو اسم العائلة في حال كان المعنى في لغة البلد الأجنبي قبيحاً.

 

إشكاليات المواطنة 

تتدحرج مشاكل المواطنة لدى السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية، فهناك من يواجه صعوبة في مسألة إيجار منزل، خصوصا إذا ما اكتشف المؤجر أن المستأجر ليس تركي المولد، وأنه حصل على الجنسية حديثا.

وهناك من يواجه صعوبات تتعلق بظاهرة الكراهية ومعاداة الأجانب التي تفشت في السنوات الأخيرة نتيجة خطاب بعض الأحزاب السياسية المعارضة ضد السوريين، هذا عدا عن الصعوبات التي تواجه فئة لا تتقن اللغة التركية بدرجة كافية تمكنها من تجاوز كثير من صعوبات الاندماج.

ورغم أن القانون يكفل للشخص الذي حصل على الجنسية التركية، التمتع بنفس الحقوق والواجبات والمزايا التي يتمتع بها المواطن التركي ومنها التصويت في الانتخابات، إلا أن هناك إشكاليات في بعض المعاملات تحول من اكتساب هذا الحق، وهو ما حصل مع مراد الذي ذهب إلى أحد البنوك، لإجراء معاملة فتح حساب تحويل بالعملة الأجنبية، ليرد عليه الموظف "لا يحق لك ذلك"، وعند سؤاله عن السبب، قال الموظف "أنت لست تركياً".

 

يقول المحامي والباحث القانوني غزوان قرنفل، لـ"ارفع صوتك": "على المستوى القانوني والدستوري لا يوجد تمييز بين المواطن التركي والمكتسب للجنسية حديثا، إلا أن التمييز من بعض الأشخاص والشرائح في المجتمع، وهذا ينقسم إلى شقين الأول متعلق بفشل بعض المجنسين بتعلم لغة البلد مما يبعث رسائل خاصة أو مستفزة للأشخاص الذين يحملون فكراً عنصرياً، أما الشق الثاني فهو مرتبط بالبنية الثقافية بالمجتمع".

"لأن التمييز لا يصيب من لا يتقن اللغة التركية فحسب، إنما يصيب غالبية المجنسين، وهذا يدخل تحت بند الأسباب الثقافية بسبب التراكم الثقافي للمجتمع التركي من خلال المناهج التعليمية والرسائل التي توجهها بعض وسائل الإعلام، التي صورت العربي أنه خائن، من خلال اصطفافه إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولى"، يضيف قرنفل.

ويشير إلى أن هناك قطاعا كبيرا من الشعب التركي "كاره ونابذ للعرب ولا يريد إدماجهم، وهذه المسألة ثقافية مرتبطة بطبيعة مجتمعهم المنغلق".

ويستشهد قرنفل بالأتراك المتواجدين حاليا في ألمانيا، قائلاً: "حتى الآن لم يندمج المهاجرون الأتراك وقاموا بتأسيس أحياء خاصة بهم، بالإضافة إلى وجود عدد كبير منهم لا يتقن اللغة الألمانية".

ويؤكد على "غياب الإجراءات القانونية بحق المحرضين والعنصريين من السياسيين والإعلاميين والعامة من الأتراك"، رغم وجود قوانين محاربة العنصرية ونبذ الكراهية.

 

القانون الفضفاض

إشكالية المواطنة لدى فئة واسعة من السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية تصل إلى مرحلة الخوف من تجريدهم الجنسية في حال وصول أحزاب المعارضة إلى السلطة، ورغم عدم تسجيل حالات واضحة حتى الآن في سحب أي جنسية ممنوحة، إلا أن الهاجس ما زال يلاحق كل من حصل على الجنسية التركية خلال السنوات الأخيرة.

المحامي و المستشار القانوني التركي حسام الدين سيرهات، يوضح لـ"ارفع صوتك" الحالات التي تؤدي إلى سحب الجنسية التركية من حاملها وهي أربع: "أولها أن يعمل لصالح دولة أجنبية طواعية وتتضارب تلك الأعمال مع مصالح الدولة التركية، وهنا تحذره الدولة التركية لمدة ثلاثة أشهر للرجوع عن فعله، من ثم يصدر قرار سحب الجنسية، أما الحالة الثانية، إذا تعامل التركي مع دولة أجنبية دون إذن رئيس الجمهورية وكانت الدولة التركية بحالة حرب مع الأجنبية".

"وتنص الحالة الثالثة، أن الجنسية تجرد من صاحبها إذا التحق شخص طواعية بالخدمات العسكرية لدولة أجنبية دون إذن من السلطات التركية، أما الحالة الرابعة، فتنص أنه إذا ارتكب مواطن تركي الجرائم المنصوص عليها في المواد 302 و309 و310 و311 و312 و313 و314 و317 من قانون العقوبات التركي وهي جرائم متعلقة بأمن الدولة والنظام الدستوري في تركيا، وكل تلك الحالات تعرض صاحبها لتجريده من الجنسية، ولا يؤثر هذا القرار على زوجته و أولاده"، يتابع سيرهات. 

ويقول إن الحالات الأربع السابقة هي قوانين محددة وواضحة، لكن "هناك قانوناً إضافياً فضفاضاً يتعلق بالجنسية الاستثنائية، وهو إذا اكتشفت الحكومة التركية أن الجنسية تم الحصول عليها ببيان كاذب أو بإخفاء حقائق أساسية كان من الممكن أن يكون لها تأثير في الحصول على الجنسية، هنا تباشر وزارة الداخلية تحقيقاتها، وفي حال إثبات القيام بإخفاء أي معلومات، تسحب منه الجنسية".

وييبين سرهات: "على الرغم من أنه يبدو سبباً واحدا فقط لإلغاء الجنسية التركية، فإن ذلك السبب مذكور بلغة فضفاضة، وفي حال تم تجريد الشخص من جنسيته في هذه الحالة، فإن تأثير القرار سيشمل زوجته وأولاده".

ولا تزال فئة واسعة من المجنسين، لا تستطيع التمييز بين الجنسية التركية التي تم اكتسابها استثنائيا، وتلك التي يحملها المواطن التركي، من حيث تبعية كل واحدة سواء للقانون أو للدستور، وفي ذلك يؤكد سيرهات، أن "الجنسية التركية حق مكفول بالدستور لكل من له صلة دم بشخص تركي، سواء كان أما أو أبا أو جدا أو جدة، لكن حالة الجنسية الاستثنائية جاءت ضمن قانون، ولذلك فإن القانون هو ما يحميها".

ووفقا لبيانات شؤون السكان والمواطنة التركية، الصادرة في أغسطس الماضي، بلغ عدد السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية 211 ألفًا و 908، نحو 120 ألفا منهم بلغوا سن الرشد ولا مانع من تصويتهم في الانتخابات المقبلة في تركيا.

عبد الإله مصطفى

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".