بحسب الحكومة التركية، يبلغ عدد السوريين المقيمين في تركيا بموجب بطاقة الحماية الموقتة نحو 3 ملايين و600 ألف لاجئ.
بحسب الحكومة التركية، يبلغ عدد السوريين المقيمين في تركيا بموجب بطاقة الحماية الموقتة نحو 3 ملايين و600 ألف لاجئ.

تترك التطورات الأخيرة في شمال سوريا أسئلة كثيرة حيال المشروع الذي بدأت الحكومة التركية تنفيذه بشأن إعادة السوريين إلى بلادهم ضمن مسمى "العودة الطوعية".

ورغم أن هذه العودة غالبا لا تكون طوعية كما هو متعارف عليه، فإن نائب وزير الداخلية التركي إسماعيل تشاتاكلي قال إن أعداد اللاجئين العائدين إلى "المناطق المحررة" في الشمال السوري في تزايد مستمر. وأضاف: "عدد سكان المناطق المحررة في سوريا تضاعف من مليون و300 ألف إلى مليونين و100 ألف، منهم 526 ألفا عادوا من تركيا. العدد في تزايد مستمر ضمن استراتيجية تركيا لتأمين عودة كريمة وطوعية للسوريين إلى بلادهم".

تصريحات المسؤول التركي جاءت خلال جولة له برفقة صحفيين في مدينة إعزاز السورية. وتزامنت مع اندلاع اشتباكات هي الأعنف منذ سنوات بين الفصائل السورية.

وازداد الحديث عن المشروع التركي بإعادة السوريين إلى بلادهم بالتزامن مع التجاذبات السياسية الحادة بين الحكومة وأحزاب المعارضة قبل الانتخابات في يونيو 2023.

ولم تكن تركيا هي أول من يعمل على إعادة السوريين إلى بلادهم. ففي لبنان أيضا خرج الرئيس ميشال عون ليؤكد أن إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ستبدأ بالفعل.

 

عودة إلى الموت؟

 

منذ سنوات، ورغم توقف المعارك بين النظام وفصائل المعارضة، إلا أن عودة كثير من الكثير من السوريين إلى مناطقهم تبدو مستحيلة. فالمناطق التي يسيطر عليها النظام السوري لا يمكن لأغلب السوريين، الذين دخلوا تركيا أو لبنان أثناء الحرب، العودة إليها، إلا من خلال إقامة تسويات مع النظام.

ومع ذلك، فإن الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر في سبتمبر الماضي، قالت إن النظام السوري منع مئات المواطنين السوريين من العودة من لبنان إلى وطنهم، مشيرة إلى تسجيل 62 حالة اعتقال/اختفاء قسري في صفوف العائدين من لبنان منذ بداية 2020.

تقدر الحكومة اللبنانية عدد اللاجئين السوريين في لبنان بأكثر من مليون ونصف المليون.
خطة لبنان لإعادة اللاجئين السوريين.. "قسري" بغطاء "طوعي"
تنطلق في 20 أكتوبر الجاري، أوّل دفعة من اللاجئين السوريين في لبنان باتجاه بلادهم وذلك تطبيقاً للخطّة القاضية بإعادة 15 ألف لاجئ شهرياً. خطّة تثير مخاوف المنظمات الدولية والحقوقية التي ترى أن الأوضاع غير ملائمة لإعادة اللاجئين، وسط مخاوف من تعرضهم لأعمال انتقامية.

التقرير الأخير يأتي بعد تقرير مماثل أصدرته الشبكة نفسها في أغسطس تحذر فيه السوريين من العودة إلى سوريا، حيث قالت إن "النظام السوري لا يزال يشكل تهديداً عنيفاً بربرياً، وإن على اللاجئين السوريين عدم العودة مطلقاً إلى سوريا". وأشار التقرير إلى اختفاء ما لا يقل عن 638 لاجئاً عائداً قسرياً، ومقتل 15 بسبب التعذيب.

أما المناطق الأخرى التي تقع تحت سيطرة الفصائل المعارضة، فهي تشهد معارك وقصفا مستمرا بين بعضها البعض، أو من خلال قصف قوات النظام السوري لها. هذا عدا عن الاعتقالات، التي رصدت في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام وكذلك في مناطق سيطرة فصائل "الجيش الوطني" المتحالفة مع تركيا، ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. 

 

العائدون في مرمي الخطر

 

في أحدث تصريح لمنظمة العفو الدولية بشأن نوايا لبنان إعادة اللاجئين السوريين، وتعقيبا على الأنباء التي تفيد أنَّ مديرية الأمن العام اللبناني ستبدأ في إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم في إطار "عملية طوعية"، قالت المنظمة إنَّ السلطات اللبنانية بتسهيلها المتحمس لعمليات العودة هذه تُعرّض اللاجئين السوريين عن علم لخطر التعرض لأشكال بشعة من الانتهاكات والاضطهاد عند عودتهم إلى سوريا.

وتابعت المنظمة: "على لبنان احترام التزاماته بموجب القانون الدولي، ووقف خططه لإعادة اللاجئين السوريين بشكل جماعي في خضم الأزمة الاقتصادية المتصاعدة في البلاد. يجب على المجتمع الدولي مواصلة دعم أكثر من مليون لاجئ سوري في لبنان لمنع أي تصاعد إضافي في عمليات العودة غير الآمنة".

لكن وبعد أن نشرت منظمة العفو تحذيراتها، خرج وزير المهجرين اللبناني، عصام شرف الدين، ليشدد أن حكومة بلاده لن ترضخ للحملات الرامية لإيقاف خطط لبنان لإعادة اللاجئين السوريين بشكل جماعي إلى بلادهم. وقال إن "80% من أراضي سوريا باتت آمنة وجاهزة تماما لاستقبال المواطنين العائدين، ولا يوجد أي عائق على الإطلاق يحول دون العودة".

 

ترحيل قانوني؟

 

يقول أستاذ القانون الدولي سلامي كوران لموقع ارفع صوتك: "لا يوجد تعريف دولي أو عالمي للعودة الطوعية. لكن كل دولة تحتضن لاجئين تعرض عليهم العودة إلى بلادهم، فتعلن عن العودة الطوعية مقابل تقديم مغريات معينة. وهنا يقوم اللاجئ بالموافقة وتسجيل رغبته بالعودة، وأنه غير مرغم على ذلك. ولكن الأهم يجب أن تكون العودة إلى مكان إقامته ولبلده التي جاء منها، كما يجب أن تكون العودة إلى مكان إقامة يتوفر فيه الأمان ولا يشكل خطرا على حياته".

يمكن أن يكلف الحصول على موعد في القنصلية السورية في إسطنبول اللاجئ مبلغ 1000 دولار.
موعد مع القنصلية بـ1000 دولار.. اللاجئون السوريون ومأساة جوازات السفر
يقول عبد الله، الذي يحمل إقامة سياحية: "منذ 4 أشهر أحاول تجديد جواز السفر. وبعد امتناع القنصلية عن منحي موعدا لعملية التجديد، طلب أحد السماسرة مبلغ 1000 دولار أميركي لحجز الموعد فقط، دون التكاليف التي تطلبها القنصلية والتي تبلغ 800 دولار".

ويتابع الحقوقي التركي: "تريد الحكومة التركية إعادة اللاجئين السوريين لمناطق آمنة وبمقابل مساكن تقوم بتشييدها، والمشكلة تكمن هنا بتصنيف تركيا لمناطق الشمال السوري بأنها مناطق آمنة، كما أن العودة لن تكون إلى مسكن اللاجئ الأصلي، إذا اعتبرنا أن العائد طوعيا من خارج مناطق الشمال، كأن يكون منزله في مدينة حلب، وحماة، وحمص، ودمشق وغيرها".

ويعتبر كوران أن "الإجراءات التي تقوم بها تركيا ولبنان تعتبر مخالفة للقانون الدولي، وهو ما يدفع كثيرا من السوريين لموجات هجرة جديدة".

ويشدد سلامي كوران: "أنا لا أحث الناس على الذهاب للموت. ولكن أنصحهم باتخاذ خطوات قانونية كالتسجيل عن طريق مكاتب الأمم المتحدة على إعادة التوطين في بلدان أخرى ككندا وأوروبا وأستراليا وما إلى ذلك".

 

حسابات سياسية

 

يقول المحلل السياسي المختص بالشؤون التركية سعيد الحاج لموقع "ارفع صوتك": "لبنان وتركيا من بين الدول التي تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، ومشروع العودة الطوعية الذي يعملان عليه يهدف بالدرجة الأولى إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية لقضية اللجوء عليهما. مشروع العودة الطوعية ليس جديداً، بل يعمل عليه البلدان منذ سنوات، لكنّه اكتسب زخماً أكبر في الآونة الأخيرة".

ويضيف الحاج: "قضية اللجوء السوري في سوريا تحوّلت إلى نقاش سياسي داخلي بين الحكومة والمعارضة مع اقتراب الانتخابات، وهذه القضية تضغط على أردوغان لتطوير مشروع العودة الطوعية والتسريع به. أما في لبنان، فيبدو الوضع أكثر تعقيداً بسبب الأزمة الاقتصادية التي تُعانيها البلاد والقلق من أن يؤدي استقرار طويل الأمد للاجئين السوريين إلى تغييرات ديموغرافية في بلد متنوع طائفياً ويتعامل بحساسية كبيرة مع مسألة اللجوء".

وبين الحاج بأن الأمم المتحدة "سبق وانتقدت مشروع العودة الطوعية في لبنان بسبب القلق على مستقبل اللاجئين وتعرّضهم للاضطهاد في حال العودة إلى سوريا. لكنّ الأبعاد السياسية والاقتصادية في هذه القضية تطغى على تعاطي الدولة اللبنانية في مقاربتها. فهنالك التزامات إنسانية تفرضها الأمم المتحدة على الدول المستضيفة للاجئين لضمان تأمين سبل عيش مناسبة لهم وحمايتهم من العودة القسرية، لكنّ الدعم المالي الذي تُقدّمه الأمم المتحدة لتركيا ولبنان ضعيف مقارنة بالحاجة والأعباء الاقتصادية".

ويقول الحاج إنه، وبالنّظر إلى المشروع الذي يعمل عليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإعادة مليون لاجئ في الفترة المقبلة، "فإن هذا العدد الكبير يستلزم توسيع المناطق الآمنة وإزالة التهديدات التي تتعرض لها، كما يُمكن النظر إلى الانفتاح التركي على الحوار مع النظام السوري على أنّه إحدى الأدوات التي تعمل عليها أنقرة لتأمين عودة طوعية لمليون سوري كما أعلنت عنه الحكومة".

ويوضح المحلل التركي: "النظام السوري يستفيد من عودة اللاجئين في إعادة انفتاح الدول المحيطة عليه. لكنّ في الواقع، فإن هذه العودة تزيد من الأعباء الاقتصادية التي يواجهها لا سيما أنها لا تٌصاحب بعملية إعادة الإعمار والنهوض بالاقتصاد السوري مُجدداً. وبفعل ارتباط عملية إعادة الإعمار بالظروف السياسية المحيطة بالموقف الدولي من النّظام، فإنه في المنظور لا تلوح في الأفق أية بوادر على إمكانية تحقيق خرق على هذا الصعيد".

ويختم الحاج: "تتعامل تركيا ولبنان مع قضية اللاجئين على أنّها مُشكلة يتوجب معالجتها وأعتقد أن كلا من أنقرة وبيروت ماضيتان في هذه العملية في الفترة المقبلة".

وبحسب إحصائيات المديرية العامة لرئاسة الهجرة التركية، فقد بلغ عدد السوريين المقيمين في تركيا بموجب بطاقة الحماية الموقتة نحو 3 ملايين و600 ألف لاجئ. أما عن أعداد اللاجئين السوريين المتواجدين في لبنان، فتقدرهم السلطات اللبنانية بمليون ونصف لاجئ.

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".