عدم وجود أنظمة صرف صحي يساهم في انتشار مرض الكوليرا.. الصورة لأطفال سوريين نازحين يلعبون قرب مستنقع للمياه الآسنة.
عدم وجود أنظمة صرف صحي يساهم في انتشار مرض الكوليرا. الصورة لأطفال سوريين نازحين يلعبون قرب مستنقع للمياه الآسنة

ذكرت وكالة "أسوشيتد برس" في تقرير مطول، الجمعة، أن الصراعات والأزمات تساهم بنشر "الكوليرا" في دول عربية، ونشرت قصة تعكس معاناة الذين يصابون بهذا المرض.

وأصيبت، شادية أحمد، بالذعر عندما غمرت مياه الأمطار كوخها ذات ليلة، مما أدى إلى إغراق أطفالها السبعة بالمياه. في صباح اليوم التالي، أصيب الأطفال بالقيء والإسهال وأعراض أخرى.

وبعد أن أجرت مجموعة إغاثة اختبارات الكوليرا في مخيم أحمد للاجئين السوريين في بلدة بحنين شمال لبنان، ثبتت إصابة أصغرهم وهي أسيل البالغة من العمر 4 سنوات.

وانتشرت الكوليرا في لبنان وسوريا والعراق، حيث تكافح هذه الدول في ظل بنية تحتية سيئة واضطرابات وإيواء أعداد كبيرة من الأشخاص الذين نزحوا بسبب الصراعات. أبلغ لبنان الشهر الماضي (أكتوبر) عن أول حالة إصابة بالكوليرا منذ ما يقرب من 30 عاما.

وتصاعدت العدوى البكتيرية على مستوى العالم في عشرات البلدان هذا العام، مع تفشي المرض في هايتي وعبر القرن الأفريقي وكذلك الشرق الأوسط. تفشي مئات الآلاف من الحالات بسبب الصراع والفقر وتغير المناخ يمثل انتكاسة كبيرة للجهود العالمية للقضاء على المرض.

وقالت إيناس حمام، المتحدثة الإقليمية باسم منظمة الصحة العالمية: "الكوليرا تزدهر في ظل الفقر والصراع، لكنها الآن تتفاقم بفعل تغير المناخ. الأمن الصحي الإقليمي والعالمي في خطر".

وتركز جهود مكافحة الكوليرا على التطعيم والمياه النظيفة والصرف الصحي. في الشهر الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية تعليقا مؤقتا لاستراتيجية التطعيم بجرعتين لأن الإنتاج لا يمكن أن يلبي الطلب المتزايد. يقوم المسؤولون الآن بإعطاء جرعات فردية حتى يتمكن المزيد من الناس من الاستفادة من اللقاح على المدى القصير.

وتحدث عدوى الكوليرا نتيجة تناول الطعام أو الماء المصاب ببكتيريا ضمة الكوليرا. في حين أن معظم الحالات خفيفة إلى معتدلة، يمكن أن تسبب الكوليرا الوفاة إذا لم يتم علاجها بشكل صحيح.

وقالت أحمد، 33 سنة، عن أسيل، طفلتها التي أصيبت بالكوليرا: "كنت أقضي الليلة كلها في أخذها إلى الحمام، وأعطيها الأدوية، وأغسلها، وأعقمها. لم أستطع النوم، وكنت مستيقظة طوال الليل أنظر إليها فقط. كنت أخشى الأسوأ".

وتحسنت أسيل وإخوتها في النهاية، وكانت حالة الكوليرا الوحيدة المؤكدة في الأسرة.

وعبر الحدود في سوريا، أعلن مسؤولون ووكالات تابعة للأمم المتحدة الشهر الماضي أن تفشي الكوليرا يجتاح البلاد بأكملها.

ووفقا للأمم المتحدة ووزارة الصحة السورية، فإن تفشي المرض في سوريا يرجع إلى قيام الأشخاص بشرب مياه غير آمنة من نهر الفرات واستخدام المياه الملوثة لري المحاصيل.

وفي المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، وفي مناطق السيطرة الكردية في شمال شرق البلاد، سُجل ما يقرب من 17 ألف حالة إصابة بالكوليرا و29 حالة وفاة.

وفي محافظة إدلب السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة، نزح معظم السكان البالغ عددهم 4 ملايين نسمة من الصراع. إنهم يعتمدون على المساعدات الدولية ويعيشون في مخيمات.

وأكثر من نصف إدلب لا تصلها المياه بشكل منتظم. تستخدم العديد من العائلات المياه الملوثة من الآبار القريبة من مياه الصرف الصحي.

وسجلت 3104 حالات إصابة بالكوليرا وخمس وفيات في محافظة إدلب. يتوقع الدكتور، عبد الله حميدي، من الجمعية الطبية السورية الأميركية زيادة هذا الشتاء.

وقال حميدي "نظام الرعاية الصحية في المنطقة ضعيف. تحاول المنظمات الطبية والمجالس المحلية تعقيم المياه وهم يعقدون ورش عمل للحد من انتشار المرض".

وفي مخيم صلاح الدين بريف حلب الخاضع لسيطرة المعارضة، يلعب الأطفال بالقرب من مستنقع للمياه الآسنة، ويعقد النشطاء جلسات توعية للسكان.

يلعب الأطفال بالقرب من مستنقع للمياه الآسنة يلعب الأطفال بالقرب من مستنقع للمياه الآسنة

وقال أحد السكان واسمه، جميل لاتفو، "نحن قلقون من انتشارها في مخيمنا".

ويعاني العراق من تفشي وباء الكوليرا منذ سنوات. في لبنان، كان المرض نادرا منذ عقود.

قبل ثلاث سنوات، وقع لبنان في أزمة اقتصادية. يعتمد معظم اللبنانيين الآن على المياه المنقولة بالشاحنات من قبل الموردين الخاصين والمولدات الخاصة للكهرباء. لا تستطيع المؤسسات العامة شراء الوقود وضخ المياه إلى المنازل.

منذ الشهر الماضي، أبلغ لبنان عن 2421 حالة إصابة و18 حالة وفاة. حوالي ربع هذه الحالات هم من الأطفال دون سن الخامسة. تم العثور على بكتيريا ضمة الكوليرا في مياه الشرب وأنظمة الصرف الصحي ومياه الري.

وتستضيف البلاد أكثر من مليون لاجئ سوري. قالت وزارة الصحة اللبنانية إنه تم اكتشاف معظم حالات الكوليرا في مخيمات اللاجئين.

وفي بحنين، تنحشر شادية وأطفالها بين المباني السكنية، إلى جانب عشرات اللاجئين السوريين الآخرين. تعيش العائلات في أكواخ خشبية ضعيفة بجدران وسقوف من القماش المشمع. يتشاركون في ثلاثة مراحيض وثلاث مغاسل.

مثل معظم المنازل في لبنان، يشتري سكان المخيم المياه المنقولة بالشاحنات بواسطة موردين من القطاع الخاص. الدولة لا تختبر المياه من أجل السلامة.

وقال أحد السكان واسمه، علي حمادي، "المياه كانت ملوثة ولكن لم يكن لدينا خيار سوى استخدامها. لم تكن هناك مياه للشرب، ناهيك عن مياه للتنظيف وغسل الأطباق وغسل ملابسنا أو للاستحمام".

وبدأت وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة في توفير المياه النظيفة للمخيم، بينما قامت بتطهير الجدران والأبواب وعقد جلسات إعلامية. كما أنها تتبرع بالوقود للحكومة اللبنانية حتى تتمكن السلطات من ضخ المياه مرة أخرى.

يعقد النشطاء جلسات توعية للسكان يعقد النشطاء جلسات توعية للسكان

وقالت إيتي هيغينز، نائبة ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في لبنان: "لا يمكن للدعم الذي نقدمه أن يحل محل خطوط الخدمة وشبكة الكهرباء الوطنية، التي لا تعمل بشكل أساسي في معظم الأوقات".

وتعمل منظمة الصحة العالمية مع السلطات الصحية العراقية للمساعدة في تعزيز استجابتها للكوليرا، وزيارة محطات معالجة المياه ومختبرات الاختبار في بغداد منذ الشهر الماضي.

وقالت اليونيسف إنها بحاجة ماسة إلى 40.5 مليون دولار لمواصلة عملها في لبنان وسوريا للأشهر الثلاثة المقبلة.

وقال حميدي من الجمعية الطبية السورية الأميركية: "هذه المخيمات هي أرض خصبة لتفشي المرض. لن نكون قادرين على الاستجابة بشكل صحيح لها ما لم يكن هناك تدخل بالمعدات الطبية والمساعدات".

 

مواضيع ذات صلة:

Fire following over-border rockets launched at Israel from Lebanon amid Hezbollah and Israeli forces hostilities
تُظهر الصورة تصاعد النيران في الجانب الإسرائيلي بعد ضربات صاروخية من لبنان- تعبيرة

في ظل التهديدات المتزايدة بتوسع الصراع بين حزب الله وإسرائيل وتوجيه السفارات العربية والغربية دعوات عاجلة لرعاياها بمغادرة البلاد، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، ويعيشون حالة من القلق المتزايد دون أي اهتمام أو توجيه من الحكومات في مختلف مناطق السيطرة داخل سوريا، أو من المنظمات الدولية والمحلية المعنية باللاجئين.

 

أين يذهب السوريون؟

من ضاحية بيروت الجنوبية، يروي الشاب الثلاثيني خالد لـ"ارفع صوتك": "منذ بداية التصعيد أعيش حالة من الخوف المستمر.. كلما سمعت أصوات الطائرات الحربية أو خرق جدار الصوت، أفكر في أسوأ السيناريوهات، فغالبية السفارات طلبت من رعاياها المغادرة، ولكن ماذا عنا نحن؟!".

يضيف خالد الذي يعمل في أحد مطاعم المأكولات السريعة، إن السوريين الذين لجأوا إلى لبنان هرباً من ويلات الحرب في وطنهم، يجدون أنفسهم الآن محاصرين مرة أخرى.

"ليس لدينا أي خيار سوى البقاء؛ فنحن لسنا رعايا لدولة يمكن أن تهتم بنا أو ترسل طائرات لإجلائنا، أو تعطينا توجيهات الأمن والسلامة، أو تفتح أبوابها لاستقبالنا. أشعر أننا منسيون"، يتابع خالد بحسرة.

بالنسبة لعبد الله (39 عاما) الذي سبق أن اعتقله النظام السوري سنة 2013، ويعمل حالياً بأجر يومي في منطقة البقاع اللبنانية، فإنه "سيضطرّ للمجازفة والبحث عن أي طريقة للهروب".

يقول لـ"ارفع صوتك": "لا أريد أن أتعرض لما تعرضتُ له في سوريا مرة أخرى".

وينتقد عبد الله  أداء المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالشأن السوري مردفاً "لم يخبرنا أحد ماذا نفعل في حال نشبت الحرب وإلى أين ننتقل، ولا أحد يجيب على اتصالاتنا وأسئلتنا ومخاوفنا".

يوضح: "بعض السوريين ممن لا مشكلات لهم مع النظام ربما يفكرون بالعودة كحل إذا توسعت الحرب على لبنان، أما من لديه مشاكل أمنية أو كان من المعارضين للنظام، فسيبقى أو سيحاول البحث عن طرق للهجرة إلى أوروبا أو أي دولة أخرى، رغم التكاليف المالية الكبيرة ومخاطر الهجرة في البحر أساساً".

تقيم أم محمد (43 عاما)  مع أبنائها الخمسة في مدينة صور منذ عام 2014 حين لجأت للبنان من ريف دمشق. ترى أن الحل في العودة لبلادها. فمع تصاعد التوترات الأمنية، "يفكر بعض اللاجئين بالعودة لسوريا، رغم الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة هناك".

"لكن لا يوجد لدينا خيار آخر"، تؤكد أم محمد.

حملة إخلاء "شرسة" في شمال لبنان.. اللاجئون السوريون يواجهون مصيرا مجهولا
كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمال البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

ارتفاع الإيجارات بشكل كبير

تسببت الضربات الإسرائيلية على القرى الحدودية اللبنانية والتهديد باستهداف ضاحية بيروت الجنوبية بنزوح الكثير من العائلات اللبنانية إلى مناطق أكثر أمانا في الداخل اللبناني، ما أدى لارتفاع إيجارات الشقق والمنازل، وألقى بتبعاته على النازحين السوريين الراغبين في الانتقال.

تقول سعاد رملاوي، وهي أم سورية لثلاثة أطفال وتقيم في منطقة "الجناح" في العاصمة اللبنانية بيروت "أشعر أننا عالقون في دوامة جديدة من الخوف، لا أستطيع النوم ليلاً وأنا أفكر في ما قد يحدث غداً إذا توسعت الحرب وكيف سأحمي أطفالي؟".

وتبين لـ"ارفع صوتك" أن نزوح أهالي الجنوب اللبناني وأهالي ضاحية بيروت الجنوبية لمناطق في الداخل اللبناني "رفع الإيجارات بشكل كبير، حتى أصبحت خارج متناول قدرة العائلات السورية"، مستدركة "رغم ذلك فإن الحل الوحيد المتاح لي  هو الانتقال لمناطق آمنة مهما ارتفعت الأسعار".

 

ماذا يقول اللبنانيون؟

تتفاوت الآراء حول مصير السوريين وسط التعيد العسكري واحتمالات الحرب الأوسع التي تلوح في الأفق. 

من جهته، يقول معروف الحراكي، وهو مسن لبناني من بلدة عبية في جبل لبنان "الوضع صعب على الجميع، ونحن نعرف ما يشعر به النازحون سواء كانوا سوريين أم لبنانيين لأننا مررنا بنفس الظروف خلال الحرب الأهلية وهُجّرنا من بيوتنا مرات عديدة، ويجب أن نتضامن معهم في هذه الأوقات الصعبة".

في المقابل، يعتقد البعض أن الأولوية يجب أن تكون لحماية اللبنانيين وتوفير الظروف الملائمة لهم في حال توسعت الحرب.

يقول رامي حداد، وهو موظف حكومي لبناني "الأولوية الآن يجب أن تكون لتأمين اللبنانيين، وعلى الحكومة أن تضع خططاً واضحة لحماية مواطنيها وتوفير الإمدادات الأساسية للصمود خلال الحرب".

في السياق نفسه، يرى المحامي والناشط الحقوقي اللبناني المتخصص بشؤون اللاجئين السوريين محمد صبلوح، أن الحكومة اللبنانية والأجهزة اللبنانية والمنظمات لم تقم بعمل خطة لمواجهة سيناريو نشوب الحرب.

يقول لـ"ارفع صوتك": "نحن نعيش كل يوم بيومه ولا يوجد أي خطة للمواجهة".

ويوجّه صبلوح نصيحة للاجئين السوريين في حال اندلعت الحرب ألّا يغادروا منازلهم "فالعين مفتوحة عليهم، وكثير من المسؤولين لديهم مخاوف واتهامات للاجئين بأنهم مسلحون، وسيشتركون في الحرب مع حزب الله، رغم كونهم أضعف الموجودين في لبنان" على حدّ تعبيره.

يتابع "أنصحهم بالبقاء في منازلهم ريثما تتم معالجة قضاياهم، وأدعوهم لعدم التدخل في أي حدث أمني، فالبلد فيها جيش وفيها حكومة قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة".

الفقر في لبنان يتضاعف ثلاث مرات.. وضحاياه يروون قصصهم
يوماً بعد يوم، تتسع هوة الفقر في لبنان، مبتلعة المزيد من اللبنانيين في آتونها، ليغرقوا في حرمان متعدد الأبعاد وقيود ثقيلة تطال كل جانب من جوانب حياتهم، وبعد مرور نحو خمس سنوات على الأزمة الاقتصادية، أصبح تأمين أبسط احتياجات الحياة الكريمة حلماً بعيد المنال للعديد من العائلات.

ويشير صبلوح إلى أن لبنان يخضع لاتفاقيات دولية ولقواعد إنسانية تلزمه بحماية اللاجئين، وهو يحصل على مساعدات لقاء ذلك، مشدداً "يجب على لبنان أن يقوم بعمل خطة طوارئ لحماية اللبنانيين وحماية اللاجئين، وتأمين أبسط مقومات العيش الكريم لهم عبر للمساعدات التي يحصل عليها".

ويعتبر أن  حماية اللاجئين السوريين "مسؤولية المجتمع الدولي، كونه قادرا على إلزام لبنان بحمايتهم".

"كما يجب على مفوضية الأمم المتحدة أن تقوم بدورها ولا تغلق مكاتبها" يقول صبلوح، لافتا إلى وجود علامات استفهام على أداء العديد من الموظفين في المفوضية.

أما بالنسبة للتعاون بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية المختصة باللاجئين، فهو بحسب صبلوح تعاون "شكلي وضعيف"، حتى أن "بعض الأجهزة تتهم المنظمات بأنهم عملاء للخارج وليس هدفهم مصلحة لبنان".