واجهة حائط أحد المشاكن المؤقتة للاجئين السوريين في العاصمة الألمانية برلين- فرانس برس
واجهة حائط أحد المشاكن المؤقتة للاجئين السوريين في العاصمة الألمانية برلين- تعبيرية

ضريبة كبيرة دفعتها العائلات السورية جراء الحرب وموجة الهجرة والنزوح واللجوء، وهي تفكك بنية الأسر وتفرقها جغرافيا، إذ اشتهر المجتمع السوري عبر الزمن بترابط أسري قوي، وتعتبر الاجتماعات العائلية واللقاءات الأسبوعية والدورية وصلات الرحم، من أهم أسس وواجبات الأفراد تجاه عائلاتهم.

لكن الحرب وما تبعها من موجات لجوء ونزوح وهجرة، أضعفت العائلات وفككت بنيتها وفرقتها جغرافيا، حتى بات من الصعب الجمع بين أفراد الأسرة الواحدة تحت سقف واحد، وانحصرت اللقاءات بالمهاتفات ومكالمات الفيديو عبر الإنترنت.

وجرّاء ذلك، عانى الكثيرون بمختلف شرائحهم العمرية، وظهر جيل جديد لا يعرف أعمامه وأخواله وأجداده إلا بالصور ومقاطع الفيديو.

 

البيت فارغ..

تقول بهية اللوزي (70 عاما) من مدينة الرستن في حمص، إنها "تفتقد لمة العائلة بشكل كبير"، وتبدي مخاوفها بأنه "لن يتاح لها المجال مجددا لجمع عائلتها، من أبناء وأحفاد في منزلها، كما اعتاد الجميع أن يفعل قبل سنوات، أيام الجمعة وفي العطل والأعياد".

"كنا نلتقي منذ الصباح، تأتي الأسر ويمتلئ المنزل بالأحبة وأصوات الأطفال وشقاوتهم، أما اليوم فالبيت فارغ وأيام الجمعة والعطل والأعياد متشابهة، وما يتغير هو اتصال اطمئنان من أحد الأبناء أو الأحفاد"، توضح بهية لـ"ارفع صوتك".

وتتابع: "كانت سعادتي لا توصف حين اجتمعنا مرة منذ عامين في لقاء عبر الفيديو، ورأيت الأبناء والأحفاد سويا عبر الشاشة، ولكن لم يتكرر الأمر لصعوبة اجتماعهم في وقت واحد، حيث يختلف توقيت البلدان التي يعيشون فيها".

وتشير إلى أن لديها 8 أبناء وبنات، و20 حفيدا، توزعوا جميعاً بين لبنان ومصر والخليج العربي وألمانيا وبلجيكا والسويد.

ورغم عائلة بهية، إلا أنها "وحيدة"، على حد تعبيرها.

 

"لا قدوة أو ملجأ"

بالنسبة لأمير حمادة (27 عاما) من مدينة سقبا في ريف دمشق، المقيم في ألمانيا، تسببت هجرته وحيدا دون عائلته بـ"صدمة وضياع وارتكاب الكثير من الأخطاء"، بحسب وصفه.

يبين لـ"ارفع صوتك": "فقدت والدي في الحرب ولجأت إلى ألمانيا عام 2014 عبر البحر، وكان عمري حينها 19 عاما، واتخذت القرار بمفردي كردة فعل على الصدمة والغضب، وهنا عشت فترة ضياع".

"بدأ الأمر جيدا لكنه انتهى بشكل سيء لنقص الوعي"، يضيف أمير، مردفاً "ارتكبت بعض الأخطاء إذ لم يكن هناك من مرشد أو موجه لي، واستغرق الأمر سنوات حتى عدت إلى طبيعتي وأصلحت أخطائي، ثم أحضرت أمي عن طريق لم الشمل".

ويؤكد "في الشتات لا يوجد قدوة ولا ملجأ، بينما في سوريا كنا نستشير الأكبر سناً، ونلجأ عند أي خلاف عائلي لكبير العائلة، وهو يحل المشكلات، ونتجنب الخطأ بسبب رفض المجتمع، وسلطة الأهل، بينما في الغربة فقدنا الكثير من الترابط".

ويرى أمير أن "خلع الحجاب من قبل النساء في عائلته" كان "نتيجة التفكك وانعدام سلطة الأهل على الأبناء والبنات".

ولا يتقبّل الكثير من مظاهر الحياة في الدول الغربية، التي يعتقد أنه بعيدة عن عادات وتقاليد المجتمع السوري، يقول أمير "ما كنّا نعتبره عيباً أصبح حرية شخصية، خاصة بالنسبة للشبان والشابات، مثل تدخين السجائر والحشيشة، ونمط اللباس وثقوب الأنف والشفاه والوشوم، والعلاقات خارج الزواج والمساكنة".

في المقابل، دفع اللجوء في هولندا، السورية خولة العلي، إلى "التمسك أكثر بعاداتها والحرص على نقلها لأبنائها".

تقول خولة (34 عاما)، وهي من دير الزور، لـ"ارفع صوتك": "لا أستطيع تربية أبنائي كما تربيت، فعلي أن أتأقلم مع وضع هولندا، لذا فالاعتدال جيد، ولهذا أبقيهم على تواصل دائم مع عائلتي وعائلة زوجي، وأغرس فيهم قيمنا ومبادئنا، على أمل أن تُحل الأزمة وأعود بهم إلى مسقط رأسهم ورأس أجدادهم، وأعمل على اختيار عائلات ذات تفكير مشابه، ونحصر اختلاطنا بهم".

"أما في المدارس فأشرح لهم أن لكل شخص الحق بممارسة شعائره بحسب بيئته، وحتى الآن تسير الأمور بشكل جيد، لكن لا أنكر خوفي من أي تغيير قد يطرأ حين وصولهم لسن المراهقة، لذا أخطط للانتقال إلى بلد عربي، لحين العودة بهم إلى سوريا"، تضيف خولة.

 

"انتزعت الطلاق"

تقول آية جزماتي (33 عاما) من مدينة حلب، إنها طلبت الطلاق بعيد وصولها إلى بلجيكا، لأن عائلتها لم تكن لترضى بطلاقها في سوريا كي لا تحدث المشاكل بين الإخوة.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "نحن أبناء عمومة ورغم معاملته السيئة لي، اتفق الجميع على إبقائي على ذمته، وكان اتفاقهم على حساب سعادتي، ولكن حين استقريت في بلجيكا وعلمت الميزات والحوافز التي تقدمها الدولة لي ولأطفالي، انتزعت الطلاق ولم آبه لرأي أحد".

من جهتها، تقول سمر القيسي إنها طلبت الطلاق لـ"سوء سلوك زوجها"، موضحة "كان جيدا في سوريا، ولكن بعد اندماجه بالمجتمع الألماني، صار يخرج مع الفتيات ويهملني ويهمل أطفاله، ويدخن الحشيش والحبوب المخدرة، فطلبت الطلاق وحصلت عليه بسهولة".

وتضيف سمر لـ"ارفع صوتك"، أن "الخطأ ليس محصورا بالرجال، فبعض الفتيات فهمن الحرية الشخصية بشكل خاطئ وقمن بأعمال مشابهة، والكثيرات لا يلتفتن للعادات والتقاليد الخاصة بمجتمعنا، فتمردن وأصبحن يقلدن الأوروبيين، ويردن العيش على طريقتهم، ما أدى لحالات ما طلاق كثيرة"، بحسب وصفها.

 

مؤشرات التفكك

 بينت دراسة أعدها مركز "حرمون" للدراسات ونشرها العام الماضي/ بعنوان "مؤشرات التفكك الأسري والمجتمعي في سوريا"، أن أسباب الطلاق وظروفه تختلف بين سوريا وأوروبا، باختلاف المجتمعين وقوانينهما.

ففي أوروبا تحررت المرأة من سيطرة زوجها والوصمة الاجتماعية للمطلقة، ولعبت التسهيلات التي تقدمها الحكومات الأوروبية دورا في اتخاذها قرار الانفصال، حيث تتكفل الدولة بتعليم الأطفال، ودفع أجور المنزل وتكاليف المعيشة للمرأة المطلقة، وبهذا لم تعد المرأة اللاجئة في أوروبا بحاجة إلى دعم الرجل اقتصاديا، ما دفعها إلى التحرر من قيوده بالطلاق، وفق الدراسة.

وأشارت إلى ارتفاع نسبة الطلاق بين اللاجئين السوريين لأكثر من 20% في ألمانيا، وأكثرها حدث بين اللاجئين السوريين القادمين من محافظة إدلب.

وذكرت الدراسة أن "القوانين الألمانية وقانون المساواة لعبا دورا رئيسيا في ذلك، فانكمش دور الرجل الآمر الناهي، وبات بإمكان كل امرأة تتعرض للعنف من زوجها هجره أو طرده من المنزل بمساعدة السلطات الألمانية".

وأشارت إلى أن 25 % من العائلات السورية في هولندا من المستويات التعليمية كافة، شهدت حالات طلاق خلال السنوات الست الأخيرة، فيما يفكر 25 % منهم بالأمر. 

ومن الأسباب المباشرة لطلاق اللاجئين السوريين في هولندا، بحسب الدراسة "ضرب الزوج للزوجة أو الأطفال، وعدم القدرة على تفهم الحرية في الخروج والدخول، والحجاب، الصدمة النفسية وانعدام التوازن النفسي لدى أحد الزوجين، عدم القدرة على إيجاد صيغة لتقاسم المساعدة المالية، والخلافات حول تربية الأطفال، والخيانات الحالية أو القديمة، وشرب الحشيش والكحول، والخلافات حول عمل المرأة خارج المنزل، ورغبة الزوجة في التحرر من سلطة الزوج".

 

"تناغم وانجراف"

في نفس السياق، تقول الخبيرة ومدربة الدعم النفسي الاجتماعي في منظمة "إكليل الجبل"، رمزية حاج طه، إن الحرب السورية وما خلفتها من حركة نزوح ولجوء، تركت آثارها على الأسر السورية بشكل كبير، وانعكست بالشعور بعدم الأمان والاستقرار في أي مكان تواجد في السوري.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "وأثرت الضغوط الاقتصادية والمستوى المادي المتردي للأسر، بالإضافة إلى ضعف الوعي وازدياد التفكير بالمصلحة الفردية، سلباً على وضع الأسر السورية وساهمت في تفكك بنتيها".

وتؤكد طه أن الآثار النفسية للتفكك الأسري "كبيرة على الفرد" مردفة "فهو دائم الشعور بالقلق الذي قد يؤدي إلى الاكتئاب، ومن المحتمل أن يؤدي إلى الانتحار في بعض الحالات، كما يؤدي إلى العزلة عن الأسرة والمجتمع، أو العداء مع المحيط، أو يخلق تخبطا بين الإنسان وذاته".

كما تؤدي الآثار النفسية إلى فقدان ثقة الفرد بنفسه وبالآخرين، وضعف التحصيل الدراسي، والميل إلى العدوانية، وفقدان الشعور بالراحة والأمان، وفق طه.

وشددت على أحد نتائج التفكك العائلي، وهو عزوف الشباب عن الزواج أو تأخرهم بالزواج، بسبب عدم توفر العمل أو المردود المادي الضعيف، وضعف التواصل بين المغتربين والخوف من الارتباط بأشخاص ليس لدى الطرف الأآخر معرفة كافية عن سلوكياتهم الاجتماعية والأخلاقية.

وعن تغير العادات والتقاليد بسبب اللجوء والهجرة، تقول طه إنها "لم تتغير، ولكنها أخذت شكل التأقلم مع بلد اللجوء، وهذا أمر طبيعي للتعايش مع المجتمع الجديد. وهناك بعض الشباب الذين انجرفوا وراء عادات لا تتناسب مع قيم مجتمعهم نتيجة عدم الوعي، أما أسر المدن المحافظة فلم تتأثر، بل تأقلمت بصورة إيجابية مع المجتمع".

من نفس المؤسسة، تقول المتخصصة في بناء القدرات وتمكين النساء بشرى قشقارة، لـ"ارفع صوتك": "تغير العادات والتقاليد مختلف حسب البيئة الحاضنة، ولكن مع الأسف الغالبية العظمى من الشباب والبنات تناغموا مع التغيرات، وتأثروا بالأفكار بطريقة جارفة ضمن حالة غير صحية من التغير الفكري والاجتماعي، لأنها لم تكن تدريجية ولم تكن مبنية على احتياجات مجتمعية، بل كانت طبيعة هذه الأفكار واختلافها عن المألوف جذاباً لها".

وتقدم مثالا على حالة تعرفها وهي، أن إحدى صديقاتها التي تحفظت عن ذكر اسمها، "كانت تعتبر من الزوجات ذوات الحظ السعيد، ولكن إِثر النزوح والهجرة، مرت حياتها بضغوط كبيرة ناتجة عن أعباء مادية ونفسية، نتيجة الانسلاخ المفاجئ عن مجتمعها وشعورها بالوحدة المفرطة، ما أدى إلى اكتئابها دون أن تدرك هي ولا زوجها ذلك، حتى أنها أهملت نفسها وأطفالها الثلاث، ومع الأسف نتيجة قلة الوعي المجتمعي وهشاشة العلاقات افترض الزوج أنها سيدة مهملة وأم سيئة ولا تصلح لإكمال المشوار، وانفصلا وارتبط بأخرى، وركب الأطفال أرجوحة الحب والألم الذي هو أقرب للاحتراق النفسي، فهم يعيشون أسوأ الأدوار على الإطلاق، إذ يحبون أمهم، ولكنهم يسمعون كلاما جارحا عنها من أبيهم وأهله والعكس بالعكس".

وعن سبل مواجهة آثار هذا التفكك وتأثيره على العائلات السورية، تؤكد قشقارة على أهمية رفع الوعي لاستيعاب الصدمة والتصرف بطريقة بناءة، حيث يمكن استثمار أكبر فائدة من التغيرات، ومعالجة نقاط الضعف الناتجة عن هذا التغير، قبل أن يؤدي إلى تآكل الخلايا الاجتماعية الصغرى، التي بدورها تؤدي إلى انهيار مجتمع كامل.

وتوضح قشقارة: "برأيي أن التدخل النفسي الأولي قد يفتح أفقا جديدا أمام حلول غير واضحة بالمدى المنظور، كذلك الاهتمام الحقيقي بتمكين النساء على كافة الأصعدة وبأدوات ملموسة بعيداً عن الشعارات المستهلكة".

"وهذا سيكون له الدور الأكبر بالتعافي المبكر من الشعور بالصدمة، بل ويساهم في نقل هذا التعافي إلى أفراد الأسرة الواحدة ومنها إلى المجتمع"، تتابع قشقارة.

مواضيع ذات صلة:

الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية
الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية

مع بدء السنة الدراسية الجديدة في معظم أنحاء الشرق الأوسط، يجد تلاميذ قطاع غزة أنفسهم للعام الثاني على التوالي دون مدارس ينهلون منها العلم والمعرفة، مما حدا برهط من المسؤولين والأهالي إلى إيجاد بعض الحلول الفردية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وكان من المفترض أن يبدأ العام الدراسي الجديد رسميا هذا الأسبوع، في القطاع الذي يشهد حربا شرسة منذ أكثر من أحد 11 شهرا بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس، المصنفة "منظمة إرهابية" في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وأدى القصف إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية الحيوية في القطاع الفلسطيني، بما في ذلك المراكز التعليمية، التي كانت تستوعب نحو مليون تلميذ تحت سن 18 عاماً، وفقاً للأمم المتحدة.

وفي ظل صعوبة تأمين مساحة آمنة لتدريس الأطفال، قررت وفاء علي، التي كانت تدير مدرسة بمدينة غزة قبل الحرب، فتح فصلين دراسيين في منزلها شمالي القطاع، حيث يتجمع العشرات من الأطفال لتعلم العربية والإنكليزية بالإضافة إلى مادة الرياضيات.

وقالت علي: "أرادت الأسر أن يتعلم أطفالها القراءة والكتابة بدلاً من إضاعة الوقت في المنزل، خاصة أن الحرب لن تنتهي قريبا".

ولا يستطيع المعلمون الوصول إلا إلى نسبة صغيرة من الأطفال الذين حرموا من التعليم بسبب الحرب، التي بدأت بعد أن هاجمت حركة حماس إسرائيل في 7 أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال، حسب بيانات رسمية.

وردًا على ذلك، شنت إسرائيل عملية عسكري أدت إلى مقتل أكثر من 41 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.

"نبذل قصارى جهدنا"

من جانبها، أوضحت آلاء جنينة، التي تعيش حاليا في خيمة بوسط قطاع غزة، أن طفلها البالغ من العمر 4 سنوات وابنتها ذات السبع سنوات، يتلقيان دروسًا في خيمة قريبة.

وقالت المراة البالغة من العمر 33 عاما، إنها زارت مؤخرا "مدرسة الخيام"، مضيفة: "لقد أحزنني ذلك. ليس لديهم ملابس أو حقائب أو أحذية. لكننا نبذل قصارى جهدنا".

وتقول وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تدير عشرات المدارس بالقطاع، إن أكثر من ثلثي مدارسها دُمرت أو تضررت منذ بدء الحرب.

ووفقا للوكالة، فقد قُتل "مئات" الفلسطينيين الذين نزحوا إلى مرافق الأونروا، ومعظمها مدارس، بينما تؤكد إسرائيل
أن ضرباتها على المدارس وملاجئ الأونروا "تستهدف المسلحين الذين يستخدمون تلك المرافق"، وهو أمر تنفيه حركة حماس.

ورفضت هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن التنسيق مع جماعات الإغاثة، التعليق، كما لم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لطلب التعليق من الصحيفة الأميركية.

"بقع لليأس والجوع"

وقالت "الأونروا" إنها أطلقت برنامج العودة إلى التعلم، الذي سيجلب حوالي 28 ألف طفل إلى عشرات المدارس، لافتة إلى أن ذلك البرنامج سيركز على "الدعم النفسي والفنون والرياضة ومخاطر الذخائر المتفجرة، ثم سيتعمق أكثر في مواد القراءة والكتابة والرياضيات".

وفي هذا الصدد، قال المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، الأربعاء، على وسائل التواصل الاجتماعي: "الكثير من المدارس لم تعد مكانًا للتعلم. لقد أصبحت بقعا لليأس والجوع والمرض والموت".

وتابع: "كلما طالت فترة بقاء الأطفال خارج المدرسة.. كلما زاد خطر تحولهم إلى جيل ضائع. وهذه وصفة للاستياء والتطرف في المستقبل".

من جانبه، أوضح الباحث في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بقطر، معين رباني، أن قطاع غزة "كان لديه معدلات تعليم عالية نسبيًا، على الرغم من نسب الفقر الكبيرة التي تسوده".

وأضاف رباني أن الفلسطينيين "سعوا منذ فترة طويلة إلى التعليم للتقدم وسط ظروف اقتصادية صعبة، حيث وقد وفرت لهم الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية مختلفة فرصًا تعليمية جيدة".

ولفت في حديثه للصحيفة الأميركية، إلى أن العديد من الفلسطينيين في غزة "اعتادوا على فقدان أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم، وبالتالي اهتموا بالتعليم، لأنه أمر يمكنك أن تأخذه معك أينما ذهبت".

وهناك ثمن نفسي للابتعاد عن المدرسة على الأطفال أيضًا، إذ قالت ليزلي أركامبولت، المديرة الإدارية للسياسة الإنسانية في منظمة إنقاذ الطفولة الأميركية، إن قضاء عام بعيدًا عن المدرسة والأصدقاء والملاعب والمنازل خلال صراع مسلح عنيف، "يمثل إزالة للركائز الأساسية للاستقرار والسلامة للأطفال".

وشددت على أن "عدم اليقين والتوتر وفقدان المجتمع، يمكن أن يؤدي إلى تحفيز أنظمة الاستجابة الطبيعية للتوتر في الجسم، والتي يمكن أن تكون ضارة بمرور الوقت".

واستطردت حديثها بالتأكيد على أن "تكرار هذه الأعراض أو استمرارها لفترات طويلة، قد يؤدي إلى مجموعة من النتائج السلبية على الصحة العقلية، التي لا يتعافى منها الأطفال بسهولة".

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، قد كشفت في وقت سابق هذا الشهر، أن الأطفال في قطاع غزة "هم الفئة الأكثر تضررًا" مما يحدث هناك، وهم بحاجة ماسة لدعم نفسي وتعليمي بشكل عاجل.

وقال الناطق باسم المنظمة، كاظم أبو خلف، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، إن الوضع الحالي في غزة "يتطلب استجابة عاجلة لمساعدة الأطفال الذين يعانون من فقدان التعليم والأضرار النفسية الجسيمة التي يتعرضون لها".

وشدد على أن "جميع الأطفال في القطاع يحتاجون إلى دعم نفسي، حيث فقد ما لا يقل عن 625 ألف طفل عامًا دراسيًا منذ بدء الحرب.. وبعض الأطفال تعرضوا لبتر أطرافهم وهم بحاجة إلى الخروج من القطاع لتلقي العلاج، فيما يعاني العديد من الأطفال من الخوف والقلق بسبب الحرب".