واجهة حائط أحد المشاكن المؤقتة للاجئين السوريين في العاصمة الألمانية برلين- فرانس برس
واجهة حائط أحد المشاكن المؤقتة للاجئين السوريين في العاصمة الألمانية برلين- تعبيرية

ضريبة كبيرة دفعتها العائلات السورية جراء الحرب وموجة الهجرة والنزوح واللجوء، وهي تفكك بنية الأسر وتفرقها جغرافيا، إذ اشتهر المجتمع السوري عبر الزمن بترابط أسري قوي، وتعتبر الاجتماعات العائلية واللقاءات الأسبوعية والدورية وصلات الرحم، من أهم أسس وواجبات الأفراد تجاه عائلاتهم.

لكن الحرب وما تبعها من موجات لجوء ونزوح وهجرة، أضعفت العائلات وفككت بنيتها وفرقتها جغرافيا، حتى بات من الصعب الجمع بين أفراد الأسرة الواحدة تحت سقف واحد، وانحصرت اللقاءات بالمهاتفات ومكالمات الفيديو عبر الإنترنت.

وجرّاء ذلك، عانى الكثيرون بمختلف شرائحهم العمرية، وظهر جيل جديد لا يعرف أعمامه وأخواله وأجداده إلا بالصور ومقاطع الفيديو.

 

البيت فارغ..

تقول بهية اللوزي (70 عاما) من مدينة الرستن في حمص، إنها "تفتقد لمة العائلة بشكل كبير"، وتبدي مخاوفها بأنه "لن يتاح لها المجال مجددا لجمع عائلتها، من أبناء وأحفاد في منزلها، كما اعتاد الجميع أن يفعل قبل سنوات، أيام الجمعة وفي العطل والأعياد".

"كنا نلتقي منذ الصباح، تأتي الأسر ويمتلئ المنزل بالأحبة وأصوات الأطفال وشقاوتهم، أما اليوم فالبيت فارغ وأيام الجمعة والعطل والأعياد متشابهة، وما يتغير هو اتصال اطمئنان من أحد الأبناء أو الأحفاد"، توضح بهية لـ"ارفع صوتك".

وتتابع: "كانت سعادتي لا توصف حين اجتمعنا مرة منذ عامين في لقاء عبر الفيديو، ورأيت الأبناء والأحفاد سويا عبر الشاشة، ولكن لم يتكرر الأمر لصعوبة اجتماعهم في وقت واحد، حيث يختلف توقيت البلدان التي يعيشون فيها".

وتشير إلى أن لديها 8 أبناء وبنات، و20 حفيدا، توزعوا جميعاً بين لبنان ومصر والخليج العربي وألمانيا وبلجيكا والسويد.

ورغم عائلة بهية، إلا أنها "وحيدة"، على حد تعبيرها.

 

"لا قدوة أو ملجأ"

بالنسبة لأمير حمادة (27 عاما) من مدينة سقبا في ريف دمشق، المقيم في ألمانيا، تسببت هجرته وحيدا دون عائلته بـ"صدمة وضياع وارتكاب الكثير من الأخطاء"، بحسب وصفه.

يبين لـ"ارفع صوتك": "فقدت والدي في الحرب ولجأت إلى ألمانيا عام 2014 عبر البحر، وكان عمري حينها 19 عاما، واتخذت القرار بمفردي كردة فعل على الصدمة والغضب، وهنا عشت فترة ضياع".

"بدأ الأمر جيدا لكنه انتهى بشكل سيء لنقص الوعي"، يضيف أمير، مردفاً "ارتكبت بعض الأخطاء إذ لم يكن هناك من مرشد أو موجه لي، واستغرق الأمر سنوات حتى عدت إلى طبيعتي وأصلحت أخطائي، ثم أحضرت أمي عن طريق لم الشمل".

ويؤكد "في الشتات لا يوجد قدوة ولا ملجأ، بينما في سوريا كنا نستشير الأكبر سناً، ونلجأ عند أي خلاف عائلي لكبير العائلة، وهو يحل المشكلات، ونتجنب الخطأ بسبب رفض المجتمع، وسلطة الأهل، بينما في الغربة فقدنا الكثير من الترابط".

ويرى أمير أن "خلع الحجاب من قبل النساء في عائلته" كان "نتيجة التفكك وانعدام سلطة الأهل على الأبناء والبنات".

ولا يتقبّل الكثير من مظاهر الحياة في الدول الغربية، التي يعتقد أنه بعيدة عن عادات وتقاليد المجتمع السوري، يقول أمير "ما كنّا نعتبره عيباً أصبح حرية شخصية، خاصة بالنسبة للشبان والشابات، مثل تدخين السجائر والحشيشة، ونمط اللباس وثقوب الأنف والشفاه والوشوم، والعلاقات خارج الزواج والمساكنة".

في المقابل، دفع اللجوء في هولندا، السورية خولة العلي، إلى "التمسك أكثر بعاداتها والحرص على نقلها لأبنائها".

تقول خولة (34 عاما)، وهي من دير الزور، لـ"ارفع صوتك": "لا أستطيع تربية أبنائي كما تربيت، فعلي أن أتأقلم مع وضع هولندا، لذا فالاعتدال جيد، ولهذا أبقيهم على تواصل دائم مع عائلتي وعائلة زوجي، وأغرس فيهم قيمنا ومبادئنا، على أمل أن تُحل الأزمة وأعود بهم إلى مسقط رأسهم ورأس أجدادهم، وأعمل على اختيار عائلات ذات تفكير مشابه، ونحصر اختلاطنا بهم".

"أما في المدارس فأشرح لهم أن لكل شخص الحق بممارسة شعائره بحسب بيئته، وحتى الآن تسير الأمور بشكل جيد، لكن لا أنكر خوفي من أي تغيير قد يطرأ حين وصولهم لسن المراهقة، لذا أخطط للانتقال إلى بلد عربي، لحين العودة بهم إلى سوريا"، تضيف خولة.

 

"انتزعت الطلاق"

تقول آية جزماتي (33 عاما) من مدينة حلب، إنها طلبت الطلاق بعيد وصولها إلى بلجيكا، لأن عائلتها لم تكن لترضى بطلاقها في سوريا كي لا تحدث المشاكل بين الإخوة.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "نحن أبناء عمومة ورغم معاملته السيئة لي، اتفق الجميع على إبقائي على ذمته، وكان اتفاقهم على حساب سعادتي، ولكن حين استقريت في بلجيكا وعلمت الميزات والحوافز التي تقدمها الدولة لي ولأطفالي، انتزعت الطلاق ولم آبه لرأي أحد".

من جهتها، تقول سمر القيسي إنها طلبت الطلاق لـ"سوء سلوك زوجها"، موضحة "كان جيدا في سوريا، ولكن بعد اندماجه بالمجتمع الألماني، صار يخرج مع الفتيات ويهملني ويهمل أطفاله، ويدخن الحشيش والحبوب المخدرة، فطلبت الطلاق وحصلت عليه بسهولة".

وتضيف سمر لـ"ارفع صوتك"، أن "الخطأ ليس محصورا بالرجال، فبعض الفتيات فهمن الحرية الشخصية بشكل خاطئ وقمن بأعمال مشابهة، والكثيرات لا يلتفتن للعادات والتقاليد الخاصة بمجتمعنا، فتمردن وأصبحن يقلدن الأوروبيين، ويردن العيش على طريقتهم، ما أدى لحالات ما طلاق كثيرة"، بحسب وصفها.

 

مؤشرات التفكك

 بينت دراسة أعدها مركز "حرمون" للدراسات ونشرها العام الماضي/ بعنوان "مؤشرات التفكك الأسري والمجتمعي في سوريا"، أن أسباب الطلاق وظروفه تختلف بين سوريا وأوروبا، باختلاف المجتمعين وقوانينهما.

ففي أوروبا تحررت المرأة من سيطرة زوجها والوصمة الاجتماعية للمطلقة، ولعبت التسهيلات التي تقدمها الحكومات الأوروبية دورا في اتخاذها قرار الانفصال، حيث تتكفل الدولة بتعليم الأطفال، ودفع أجور المنزل وتكاليف المعيشة للمرأة المطلقة، وبهذا لم تعد المرأة اللاجئة في أوروبا بحاجة إلى دعم الرجل اقتصاديا، ما دفعها إلى التحرر من قيوده بالطلاق، وفق الدراسة.

وأشارت إلى ارتفاع نسبة الطلاق بين اللاجئين السوريين لأكثر من 20% في ألمانيا، وأكثرها حدث بين اللاجئين السوريين القادمين من محافظة إدلب.

وذكرت الدراسة أن "القوانين الألمانية وقانون المساواة لعبا دورا رئيسيا في ذلك، فانكمش دور الرجل الآمر الناهي، وبات بإمكان كل امرأة تتعرض للعنف من زوجها هجره أو طرده من المنزل بمساعدة السلطات الألمانية".

وأشارت إلى أن 25 % من العائلات السورية في هولندا من المستويات التعليمية كافة، شهدت حالات طلاق خلال السنوات الست الأخيرة، فيما يفكر 25 % منهم بالأمر. 

ومن الأسباب المباشرة لطلاق اللاجئين السوريين في هولندا، بحسب الدراسة "ضرب الزوج للزوجة أو الأطفال، وعدم القدرة على تفهم الحرية في الخروج والدخول، والحجاب، الصدمة النفسية وانعدام التوازن النفسي لدى أحد الزوجين، عدم القدرة على إيجاد صيغة لتقاسم المساعدة المالية، والخلافات حول تربية الأطفال، والخيانات الحالية أو القديمة، وشرب الحشيش والكحول، والخلافات حول عمل المرأة خارج المنزل، ورغبة الزوجة في التحرر من سلطة الزوج".

 

"تناغم وانجراف"

في نفس السياق، تقول الخبيرة ومدربة الدعم النفسي الاجتماعي في منظمة "إكليل الجبل"، رمزية حاج طه، إن الحرب السورية وما خلفتها من حركة نزوح ولجوء، تركت آثارها على الأسر السورية بشكل كبير، وانعكست بالشعور بعدم الأمان والاستقرار في أي مكان تواجد في السوري.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "وأثرت الضغوط الاقتصادية والمستوى المادي المتردي للأسر، بالإضافة إلى ضعف الوعي وازدياد التفكير بالمصلحة الفردية، سلباً على وضع الأسر السورية وساهمت في تفكك بنتيها".

وتؤكد طه أن الآثار النفسية للتفكك الأسري "كبيرة على الفرد" مردفة "فهو دائم الشعور بالقلق الذي قد يؤدي إلى الاكتئاب، ومن المحتمل أن يؤدي إلى الانتحار في بعض الحالات، كما يؤدي إلى العزلة عن الأسرة والمجتمع، أو العداء مع المحيط، أو يخلق تخبطا بين الإنسان وذاته".

كما تؤدي الآثار النفسية إلى فقدان ثقة الفرد بنفسه وبالآخرين، وضعف التحصيل الدراسي، والميل إلى العدوانية، وفقدان الشعور بالراحة والأمان، وفق طه.

وشددت على أحد نتائج التفكك العائلي، وهو عزوف الشباب عن الزواج أو تأخرهم بالزواج، بسبب عدم توفر العمل أو المردود المادي الضعيف، وضعف التواصل بين المغتربين والخوف من الارتباط بأشخاص ليس لدى الطرف الأآخر معرفة كافية عن سلوكياتهم الاجتماعية والأخلاقية.

وعن تغير العادات والتقاليد بسبب اللجوء والهجرة، تقول طه إنها "لم تتغير، ولكنها أخذت شكل التأقلم مع بلد اللجوء، وهذا أمر طبيعي للتعايش مع المجتمع الجديد. وهناك بعض الشباب الذين انجرفوا وراء عادات لا تتناسب مع قيم مجتمعهم نتيجة عدم الوعي، أما أسر المدن المحافظة فلم تتأثر، بل تأقلمت بصورة إيجابية مع المجتمع".

من نفس المؤسسة، تقول المتخصصة في بناء القدرات وتمكين النساء بشرى قشقارة، لـ"ارفع صوتك": "تغير العادات والتقاليد مختلف حسب البيئة الحاضنة، ولكن مع الأسف الغالبية العظمى من الشباب والبنات تناغموا مع التغيرات، وتأثروا بالأفكار بطريقة جارفة ضمن حالة غير صحية من التغير الفكري والاجتماعي، لأنها لم تكن تدريجية ولم تكن مبنية على احتياجات مجتمعية، بل كانت طبيعة هذه الأفكار واختلافها عن المألوف جذاباً لها".

وتقدم مثالا على حالة تعرفها وهي، أن إحدى صديقاتها التي تحفظت عن ذكر اسمها، "كانت تعتبر من الزوجات ذوات الحظ السعيد، ولكن إِثر النزوح والهجرة، مرت حياتها بضغوط كبيرة ناتجة عن أعباء مادية ونفسية، نتيجة الانسلاخ المفاجئ عن مجتمعها وشعورها بالوحدة المفرطة، ما أدى إلى اكتئابها دون أن تدرك هي ولا زوجها ذلك، حتى أنها أهملت نفسها وأطفالها الثلاث، ومع الأسف نتيجة قلة الوعي المجتمعي وهشاشة العلاقات افترض الزوج أنها سيدة مهملة وأم سيئة ولا تصلح لإكمال المشوار، وانفصلا وارتبط بأخرى، وركب الأطفال أرجوحة الحب والألم الذي هو أقرب للاحتراق النفسي، فهم يعيشون أسوأ الأدوار على الإطلاق، إذ يحبون أمهم، ولكنهم يسمعون كلاما جارحا عنها من أبيهم وأهله والعكس بالعكس".

وعن سبل مواجهة آثار هذا التفكك وتأثيره على العائلات السورية، تؤكد قشقارة على أهمية رفع الوعي لاستيعاب الصدمة والتصرف بطريقة بناءة، حيث يمكن استثمار أكبر فائدة من التغيرات، ومعالجة نقاط الضعف الناتجة عن هذا التغير، قبل أن يؤدي إلى تآكل الخلايا الاجتماعية الصغرى، التي بدورها تؤدي إلى انهيار مجتمع كامل.

وتوضح قشقارة: "برأيي أن التدخل النفسي الأولي قد يفتح أفقا جديدا أمام حلول غير واضحة بالمدى المنظور، كذلك الاهتمام الحقيقي بتمكين النساء على كافة الأصعدة وبأدوات ملموسة بعيداً عن الشعارات المستهلكة".

"وهذا سيكون له الدور الأكبر بالتعافي المبكر من الشعور بالصدمة، بل ويساهم في نقل هذا التعافي إلى أفراد الأسرة الواحدة ومنها إلى المجتمع"، تتابع قشقارة.

مواضيع ذات صلة:

سوء التغذية والجوع يهدد أطفال غزة
سوء التغذية والجوع يهدد أطفال غزة

حذر تقرير جديد نشرته الأمم المتحدة، الخميس، من تفاقم أزمة الجوع العالمية، حيث يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وأشار التقرير إلى أن الصراعات، والتغيرات المناخية، قد أدت إلى زيادة حادة في أعداد الجوعى، خاصة في مناطق مثل السودان وقطاع غزة.

وعقب نشر التقرير، تحدث ثلاثة مسؤولين أمميين، عبر الفيديو، إلى صحفيين في نيويورك، حيث قدموا إحاطة عن التحديث نصف السنوي للتقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام 2024 والذي يغطي الفترة حتى نهاية أغسطس 2024.

وأكد المسؤولون الأمميون الحاجة الماسة إلى زيادة التمويل الإنساني والعمل على معالجة الأسباب الجذرية للأزمات الغذائية، مثل الصراعات والتغيرات المناخية، وذلك لمنع تفاقم الوضع وتجنب حدوث مجاعات أوسع نطاقا.

وفي بداية الإحاطة قدم، ماكسيمو توريرو، كبير الخبراء الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لمحة عامة عن النتائج الرئيسية للتقرير.

ويُظهر التقرير أن عدد الأشخاص الذين يواجهون مستوى كارثيا من انعدام الأمن الغذائي تضاعف من 705 آلاف شخص في 5 دول وأقاليم في عام 2023 إلى 1.9 مليون في 4 دول أو أقاليم في عام 2024. وهذا هو أعلى رقم يسجله التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية، ويعود ذلك في الغالب إلى الصراع في قطاع غزة والسودان، وفقا لتوريرو.

ويشار إلى أن التصنيف المتكامل للأمن الغذائي يتكون من خمس مراحل، ومستوى "الأزمة" أو انعدام الأمن الغذائي الحاد هو المرحلة الثالثة من التصنيف. المرحلة الرابعة هي الطوارئ، أما المرحلة الخامسة فهي الكارثة أو المجاعة.

وقال توريرو إن اشتداد وتيرة الصراعات في غزة والسودان وأيضا الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو وارتفاع أسعار المواد الغذائية المحلية يزيد من عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد في 18 دولة مقارنة بعام 2023.

مجاعة مستمرة في مخيم زمزم

في السودان، قال توريرو إن المجاعة مستمرة في مخيم زمزم للنازحين بالقرب من مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، ومن المتوقع أن تستمر حتى أكتوبر المقبل. ونبه إلى أن العديد من المناطق الأخرى في جميع أنحاء السودان معرضة أيضا لخطر المجاعة بسبب استمرار العنف ومحدودية المساعدات الإنسانية.

وأضاف المسؤول الأممي أن الصراع يستمر في التسبب بتدهور سريع للأمن الغذائي في السودان، حيث تشير التقديرات إلى أن حوالي 26% من الأشخاص سيواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتم تصنيف حوالي 25.6 مليون شخص على أنهم يعانون من مستوى أزمة أو أسوأ.

وألقى الصراع في السودان بظلاله على الأمن الغذائي في البلدان المجاورة مثل تشاد وجنوب السودان، وفقا لتوريرو.

أزمة الغذاء في غزة الأكثر شدة في التاريخ

أما بشأن الوضع في غزة، يقول توريرو إن أزمة الغذاء لا تزال الأكثر حدة في تاريخ التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية، مع وجود ما يقرب من 2.2 مليون شخص من السكان ما زالوا في حاجة ماسة إلى الغذاء والمساعدة.

وقد اشتدت حدة الأزمة، حيث عانى نصف السكان من المجاعة خلال الفترة بين مارس وأبريل، ارتفاعا من ربع السكان خلال الفترة من ديسمبر 2023 إلى فبراير 2024.

وتشير التوقعات إلى انخفاض هذه النسبة إلى 22% من السكان - أي حوالي 495 ألف شخص، خلال الفترة بين يونيو وسبتمبر 2024، ولا تشير الأدلة المتاحة إلى المجاعة على الرغم من أن خطرها لا يزال قائما.

جانب إيجابي

على الصعيد الإيجابي، قال توريرو إن تحسن موسم الحصاد والاستقرار الاقتصادي أديا إلى تحسن في الأمن الغذائي في 16 دولة.

ومن بين هذه الدول الـ 16 شهدت 5 دول - هي أفغانستان وكينيا والكونغو الديمقراطية وغواتيمالا ولبنان - انخفاضا في عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد بمقدار مليون شخص على الأقل، منذ بلوغ الذروة في عام 2023، لكن جميع هذه الدول لا تزال في وضع الأزمة.

ما المطلوب؟

فيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة لتحسين وضع الأمني الغذائي، تطرق، عارف حسين، كبير الاقتصاديين في برنامج الأغذية العالمي، إلى أمرين قال إنهما مطلوبان بشدة وهما الوصول إلى الأشخاص المحتاجين والتمويل المستدام.

وأضاف: "لا يكفي أن يكون لديك واحد من هذين الأمرين. أي إذا توفر الوصول وحده فهذا لا يكفي، وإذا توفر المال وحده فهو لا يكفي أيضا. أنت بحاجة إلى الاثنين معا (...) ولذلك نسعى إلى التأكد من وجود وصول وتمويل مستدامين حتى نتمكن من مساعدة الأشخاص المحتاجين سواء في غزة أو في السودان أو في أي مكان آخر".

وتحدث حسين عن مشكلة أخرى وهي "الإجهاد في مجال التمويل"- في إشارة إلى الإجهاد الذي أصاب الجهات المانحة. وشدد في هذا السياق على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية لانعدام الأمن الغذائي سواء تعلق ذلك بالمناخ أو بالصراع، "لأنه ما لم نعالج الأسباب الجذرية، فلا ينبغي لنا أن نتوقع انخفاضا في الاحتياجات".

الهزال يفتك بالأطفال في مناطق الأزمات

الدكتور فيكتور أغوايو، مدير التغذية ونمو الطفل في منظمة اليونيسف تحدث في إحاطته عن الهزال بوصفه الشكل الأكثر تهديدا للحياة من أشكال سوء التغذية لدى الأطفال. وقال إن الهزال يظل مرتفعا جدا بين الأطفال الذين يعيشون في بلدان تعاني من أزمات غذائية.

ويعود ذلك، وفقا للمسؤول الأممي، إلى عدم قدرة الأسر على الوصول إلى الأطعمة المغذية لأطفالها أو تحمل تكلفة تلك الأطعمة، فضلا عن عدم القدرة على الوصول إلى خدمات الصحة والتغذية والمياه والصرف الصحي.

وقال أغوايو إن التقرير العالمي يسلط الضوء على زيادة مقلقة في هزال الأطفال، مع مستويات حرجة في 8 دول هي الكاميرون وتشاد وجيبوتي وهايتي والسودان وسوريا وأوغندا واليمن.

أكثر من 50 ألف طفل في غزة يعانون من سوء التغذية الحاد

وقال مدير التغذية ونمو الطفل في اليونيسف إنه زار غزة الأسبوع الماضي ورأى بنفسه كيف انعكست شهور من الحرب والقيود الشديدة المفروضة على الاستجابة الإنسانية، وأدت إلى انهيار أنظمة الغذاء والصحة والحماية، مع عواقب كارثية على تغذية الأطفال.

ووصف النظام الغذائي للأطفال الصغار بأنه "رديء للغاية"، حيث لا يتناول أكثر من 90 في المئة منهم سوى نوعين من الطعام، يوميا، في أفضل الأحوال، وأضاف: "ونحن نقدر أن أكثر من 50 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد ويحتاجون إلى علاج منقذ للحياة الآن".

ومضى قائلا: "التقيت أثناء وجودي في غزة بأطباء وممرضات وعاملين في مجال التغذية ينفذون البرامج التي ندعمها... واستمعت إلى نضالات الأمهات والآباء في سبيل إطعام أطفالهم. وما من شك لدي في أن خطر المجاعة وأزمة التغذية الشديدة واسعة النطاق في غزة حقيقي".

حاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار

أغوايو قال إن هناك سبيلا واحدا لمنع ذلك الخطر وأضاف: "نحن بحاجة إلى وقف إطلاق النار، على الفور، ومع وقف إطلاق النار، يجب توفير وصول إنساني مستدام وواسع النطاق إلى قطاع غزة بأكمله. وقف إطلاق النار والاستجابة الإنسانية غير المقيدة وحدهما الكفيلان بتمكين الأسر من الوصول إلى الغذاء، بما في ذلك التغذية المتخصصة للأطفال الصغار، والمكملات الغذائية للنساء الحوامل، وخدمات الصحة والمياه والصرف الصحي لجميع السكان".

في السودان، يتأثر أكثر من 25 مليون شخص بانعدام الأمن الغذائي - بمن فيهم ما يقرب من 3.7 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد. وتستمر هذه الأرقام في الارتفاع بسبب النزوح الجماعي، والوصول الإنساني المحدود، وتعطل خدمات الصحة والتغذية، وفقا لأغوايو.

ودعا المسؤول في منظمة اليونيسف إلى استجابة إنسانية غير مقيدة وواسعة النطاق للوقاية المبكرة والكشف عن وعلاج سوء التغذية الحاد بين الأطفال الأكثر ضعفا، وخاصة لمن تقل أعمارهم عن 5 سنوات، وأمهاتهم، والذين تتعرض حياتهم للخطر بسبب هذه الأزمات المتصاعدة المتعددة.