كان أمام فيكتوريا ديفيس وديبيا ديفيس خياران فقط؛ إما الانخراط في الحرب الأهلية التي تعصف بوطنهما ليبيريا نهاية تسعينات القرن الماضي، أو مغادرة البلاد والانطلاق في رحلة شاقة نحو المجهول. اتفقا على الخيار الثاني لأن حمل السلاح لا يوافق طباعهما المسالمة. خرج الزوجان من البلاد واستقرا في مخيم للاجئين في غانا.
هناك وضعت فيكتوريا طفلها ألفونسو ديفيس، وأمضى معهما هناك 5 سنوات يكابد مرارة اللجوء وقساوة الحرمان. ابتسم الحظ أخيرا للعائلة الصغيرة وغادرت إلى كندا حيث سيبدأ الطفل الصغير فصلا جديدا من التحدي. كان عليه أن يزاوج بين دراسته وبين شغفه الكبير بكرة القدم وبين رعاية أخيه الصغير حين يكون والداه منشغلين بتأمين لقمة العيش خارج المنزل.
A kid born in a refugee camp wasn’t supposed to make it! But here we are GOING TO THE WORLD CUP. Don’t let no one tell you that your dreams are unrealistic. KEEP DREAMING, KEEP ACHIEVING! pic.twitter.com/GT4hjz4ebO
— Alphonso Davies (@AlphonsoDavies) November 13, 2022
سريعا، استطاع ألفونسو فرض نفسه في عالم كرة القدم. أثمر أخيرا شغفه الكبير بهذه اللعبة وصار محط أنظار النوادي الكبيرة، ومن فريق محلي بالدوري الكندي، انتقل ألفونسو إلى العملاق البافاري بايرن ميونيخ مستهلا منجزاته الاحترافية بالمساهمة في فوز النادي بثلاثة ألقاب في موسم 2019-2020، فضلا عن التتويج بكأس العالم للأندية.
في 6 يونيو 2017، حصل ديفيس على الجنسية الكندية وأصبح رسميا مواطنا كنديا، وكان بإمكانه حمل قميص ثلاثة منتخبات، غانا حيث ولد في معسكر للجوء وليبيريا مسقط رأس والديه وكندا التي فتحت في وجهه أبواب الفرص. أصبح ديفيس لاعبا أساسيا في المنتخب الكندي، وفي رصيده الدولي 35 مباراة. وقد ساهمت موهبته في قيادة المنتخب الكندي إلى نهائيات كأس العالم في قطر.
ألفونسو ديفيس من أفضل اللاعبين في العالم ومع ذلك لم تنسه أضواء الشهرة ولا صخب الجماهير حقيقة كونه لاجئا عاش مع عائلته رحلة كفاح مريرة، لذلك فهو اليوم سفير للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، كما أعلن عبر حسابه على تويتر تبرعه بإيرادات كأس العالم لصالح الأعمال الخيرية وقال:" كندا رحبت بي وبعائلتي ومنحتنا الفرصة لحياة أفضل، وتمكننا بسبب ذلك من عيش أحلامنا. إنه لشرف عظيم أن ألعب لكندا، وأريد أن أرد الدين، لذلك قررت أنني سأتبرع بإيرادات كأس العالم للأعمال الخيرية". يأمل ديفيس اليوم أن تعطي قصته أملا لكل من وجد نفسه مضطرا لترك وطنه والبحث عن وطن جديد، وصرح في أحد لقاءاته الصحفية: "أريد أن تكون قصتي حافزا لكل لاجئ".
لا تختلف كثيرا قصة لوكا مودريتش لاعب المنتخب الكرواتي، ونجم نادي ريال مدريد الإسباني عن قصة ألفونسو ديفيس. كان مودريتش طفلا في العاشرة من عمر عندما نزح مع عائلته إبان حرب استقلال بلاده عن صربيا. وكان يواظب على تدريباته في بيئة محفوفة بالمخاطر نتيجة العمليات العسكرية. لقد دمرت الحرب قريته وخسر جده في المعارك، وظل ينتقل من منطقة إلى أخرى حاملا أحلامه الصغيرة معه، ومصرا على شق طريقه وسط حقول الألغام وشظايا القذائف.
Luka Modric has visited the house he grew up in as a child. It was sadly destroyed during the Croatian War of Independence, forcing him and his family to flee and live as refugees.
— ESPN FC (@ESPNFC) July 23, 2021
He later went on to win the Ballon d'Or 🏆 pic.twitter.com/rLtDK0gCfJ
ومن لاعب في الفرق المحلية صعد نجم مودريتش سريعا إلى سماء العمالقة، حاصدا الألقاب والجوائز، من بينها جائزة الكرة الذهبية، بعد اختياره كأفضل لاعب من الاتحادين الأوروبي (يويفا) والدولي (فيفا)، وأفضل لاعب في مونديال 2018 بروسيا، حيث قاد منتخب بلاده إلى المباراة النهائية للمرة الأولى في تاريخه، قبل الخسارة أمام فرنسا.
وإضافة إلى أدائه مع المنتخب، أسهم مودريتش أيضا في فوز فريقه ريال مدريد بلقب أبطال أوروبا خمس مرات. وقاد منتخب بلاده أخيرا إلى نهائيات كأس العالم في قطر، حيث يسعى لتحقيق إنجاز غير مسبوق يختم به مشواره الدولي.
وتتقاطع قصة لوكا مودريتش مع قصة شريكه في الوطن واللجوء ومأساة الحرب ديان لوفرين، حيث ولد في قرية كرالييفو سوتجيسكا الواقعة وسط صربيا، وكانت إحدى أكثر المناطق اشتعالا إبان الحرب الأهلية المدمرة التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الضحايا بداية التسعينات. اضطرت عائلة ديان لوفرين إلى مغادرة البلاد واللجوء إلى ألمانيا حيث مكثت في بيت خشبي تعود ملكيته إلى جدهم المقيم هناك.
Dejan Lovren pleads for more tolerance to be shown towards refugees. pic.twitter.com/wK8WQBJo2n
— B/R Football (@brfootball) February 10, 2017
بدأ ديان مسيرته الاحترافية مع نادي دينامو زغرب الكرواتي عام 2006، ومنه انتقل إلى أعرق النوادي الأوروبية مثل ليون الفرنسي وليفربول الإنجليزي ثم ساوثهامتون. انضم لوفرين إلى قائمة المنتخب الكرواتي الأول منذ عام 2009، وكان ضمن التشكيلة التي حلت وصيفة في نهائيات روسيا 2018 بعد الخسارة أمام المنتخب الفرنسي في المباراة النهائية. و يراهن المنتخب الكرواتي في نسخة قطر 2022 على قلب دفاعه ديان لوفرين وزملائه في الفريق لتكرار معجزة 2018.
ورغم هذا المسار الاحترافي المميز ونجاحه الموازي في عالم الأعمال والاستثمار إلا أن ذكريات الحرب لا تزال طرية في ذاكرته. يقول: "تغيرت طفولتي خلال ليلة واحدة. الحرب كانت بين الجميع، وثلاث ثقافات مختلفة، للحظة الناس تغيروا تمامًا، أتذكر فقط صفارات الإنذار التي استمرت طوال هذه الليلة، كنت خائفًا للغاية لأنني كنت أفكر في أصوات القنابل".
ستيف مانداندا حارس مرمى المنتخب الفرنسي كابد هو الآخر معاناة اللجوء ومتاهة البحث عن وطن بديل قبل أن ينتهي به المطاف في أكبر محفل كروي عالمي.
#FiersdetreBleus @equipedefrance pic.twitter.com/MwgMAoKiZd
— Steve Mandanda (@SteveMandanda) September 2, 2021
هرب مانداندا مع عائلته من الكونغو وهو في ربيعه الثاني، بعد اضطرابات عرفتها البلاد في عهد الرئيس السابق موبوتو سيسي سيكو. لجأت العائلة إلى فرنسا وهناك ستتفتق مواهبه وسيبدأ مشوارا رياضيا حافلا بالإنجازات، بدأه مع فريق لوهافر ثم أولمبيك مارسيليا وكريستال بالاس، إلى جانب حراسته لمرمى المنتخب الفرنسي الأول.
شارك في نهائيات كأس العالم المقامة بروسيا في 2018 والذي أحرزت فيها فرنسا اللقب، ويسعى اليوم إلى إهداء لقب جديد إلى فرنسا. يعتبر ستيف الأخ الأكبر بين أربعة أشقاء كلهم يلعبون في حراسة المرمى في فرق مختلف بينها المنتخب الرسمي للكونغو.
لم يكن مانداندا الموهبة الكروية الكروية الوحيدة التي خرجت من رحم الحرب الاهلية في الكونغو. ففي 2002 وفي ذروة حرب الكونغو الثانية، والتي اعتبرت من أسوأ الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، وأسفرت عن وفاة ملايين الأشخاص بفعل الأعمال القتالية والأمراض والأزمات الغذائية الناتجة عنها، رأى الطفل إدواردو كامافينجا النور لأول مرة في مخيم للاجئين بمدينة ميكونجي الأنجولية، بعد فرار عائلته من جحيم الحرب.
From refugee to Champions League final. Eduardo Camavinga ✨ pic.twitter.com/GojbAk1rLN
— B/R Football (@brfootball) May 27, 2022
عند بلوغ كامافينجا عامين من عمره، رحلت عائلته إلى فرنسا حيث سيجد الطفل الصغير من يرعى موهبته. لعب إدواردو كامافينجا منذ مسيرته الاحترافية لناديين رياضيين هما نادي ستاد رين الفرنسي وريال مدريد الإسباني الذي فاز معه بالدوري الإسباني ودوري أبطال أوروبا في موسمه الأول مع الفريق. شارك في معظم البطولات الأوروبية، وسجل حضوره الأول في كأس العالم بقطر كلاعب وسط ميدان للمنتخب الفرنسي، ولا يزال كامافينجا في بداية مشواره الرياضي.
قصة لجوء أخرى توجت بالمشاركة في المونديال بطلها هذه المرة أوير مابيل اللاعب الأساسي في المنتخب الأسترالي. ولد مابيل سنة 1995 في مخيم للاجئين في كينيا بعد سنة من هروب عائلته من جنوب السودان بسبب الحرب الدائرة هناك. وبعد عشر سنوات من المعاناة غادرت عائلته أخيرا إلى أستراليا.
Born in the Kakuma refugee camp in Kenya after his parents fled war-torn South Sudan, Awer Mabil attained refugee status in 🇦🇺Australia in 2006 aged 11
— FIFA (@FIFAcom) October 15, 2018
He scored on his @Socceroos debut today 🙌
A truly amazing moment 😍pic.twitter.com/1AQN83v1yg
في 2018، انضم مابيل إلى المنتخب الأسترالي الرسمي، وقادت ركلة الترجيح التي سجلها في مرمى البيرو منتخبه إلى المشاركة في نهائيات قطر 2022. يسترجع مابيل ذكريات اللجوء في حديث صحفي قائلا: "ولدت في كوخ، كوخ صغير. غرفة الفندق الخاصة بي هنا حتما أكبر من الكوخ، الغرفة التي كنا نمكث فيها أنا وعائلتي في مخيم اللاجئين". وتابع: "استقبالنا من أستراليا وإعادة توطيننا منحاني وإخوتي وعائلتي بأكملها فرصة في الحياة. هذا ما أعنيه عندما أشكر أستراليا على فرصة الحياة، تلك الفرصة التي منحوها لعائلتي".
