لوكا مودريتش نجم ريال مدريد والمنتخب الكرواتي.
لوكا مودريتش نجم ريال مدريد والمنتخب الكرواتي.

كان أمام فيكتوريا ديفيس وديبيا ديفيس خياران فقط؛ إما الانخراط في الحرب الأهلية التي تعصف بوطنهما ليبيريا نهاية تسعينات القرن الماضي، أو مغادرة البلاد والانطلاق في رحلة شاقة نحو المجهول. اتفقا على الخيار الثاني لأن حمل السلاح لا يوافق طباعهما المسالمة. خرج الزوجان من البلاد واستقرا في مخيم للاجئين في غانا.

هناك وضعت فيكتوريا طفلها ألفونسو ديفيس، وأمضى معهما هناك 5 سنوات يكابد مرارة اللجوء وقساوة الحرمان. ابتسم الحظ أخيرا للعائلة الصغيرة وغادرت إلى كندا حيث سيبدأ الطفل الصغير فصلا جديدا من التحدي. كان عليه أن يزاوج بين دراسته وبين شغفه الكبير بكرة القدم وبين رعاية أخيه الصغير حين يكون والداه منشغلين بتأمين لقمة العيش خارج المنزل.

سريعا، استطاع ألفونسو فرض نفسه في عالم كرة القدم. أثمر أخيرا شغفه الكبير بهذه اللعبة وصار محط أنظار النوادي الكبيرة، ومن فريق محلي بالدوري الكندي، انتقل ألفونسو إلى العملاق البافاري بايرن ميونيخ مستهلا منجزاته الاحترافية بالمساهمة في فوز النادي بثلاثة ألقاب في موسم 2019-2020، فضلا عن التتويج بكأس العالم للأندية.

في 6 يونيو 2017، حصل ديفيس على الجنسية الكندية وأصبح رسميا مواطنا كنديا، وكان بإمكانه حمل قميص ثلاثة منتخبات، غانا حيث ولد في معسكر للجوء وليبيريا مسقط رأس والديه وكندا التي فتحت في وجهه أبواب الفرص. أصبح ديفيس لاعبا أساسيا في المنتخب الكندي، وفي رصيده الدولي 35 مباراة. وقد ساهمت موهبته في قيادة المنتخب الكندي إلى نهائيات كأس العالم في قطر.

ألفونسو ديفيس من أفضل اللاعبين في العالم ومع ذلك لم تنسه أضواء الشهرة ولا صخب الجماهير حقيقة كونه لاجئا عاش مع عائلته رحلة كفاح مريرة، لذلك فهو اليوم سفير للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، كما أعلن عبر حسابه على تويتر تبرعه بإيرادات كأس العالم لصالح الأعمال الخيرية وقال:" كندا رحبت بي وبعائلتي ومنحتنا الفرصة لحياة أفضل، وتمكننا بسبب ذلك من عيش أحلامنا. إنه لشرف عظيم أن ألعب لكندا، وأريد أن أرد الدين، لذلك قررت أنني سأتبرع بإيرادات كأس العالم للأعمال الخيرية". يأمل ديفيس اليوم أن تعطي قصته أملا لكل من وجد نفسه مضطرا لترك وطنه والبحث عن وطن جديد، وصرح في أحد لقاءاته الصحفية: "أريد أن تكون قصتي حافزا لكل لاجئ".

لا تختلف كثيرا قصة لوكا مودريتش لاعب المنتخب الكرواتي، ونجم نادي ريال مدريد الإسباني عن قصة ألفونسو ديفيس. كان مودريتش طفلا في العاشرة من عمر عندما نزح مع عائلته إبان حرب استقلال بلاده عن صربيا. وكان يواظب على تدريباته في بيئة محفوفة بالمخاطر نتيجة العمليات العسكرية. لقد دمرت الحرب قريته وخسر جده في المعارك، وظل ينتقل من منطقة إلى أخرى حاملا أحلامه الصغيرة معه، ومصرا على شق طريقه وسط حقول الألغام وشظايا القذائف.

 ومن لاعب في الفرق المحلية صعد نجم مودريتش سريعا إلى سماء العمالقة، حاصدا الألقاب والجوائز، من بينها جائزة الكرة الذهبية، بعد اختياره كأفضل لاعب من الاتحادين الأوروبي (يويفا) والدولي (فيفا)، وأفضل لاعب في مونديال 2018 بروسيا، حيث قاد منتخب بلاده إلى المباراة النهائية للمرة الأولى في تاريخه، قبل الخسارة أمام فرنسا.

وإضافة إلى أدائه مع المنتخب، أسهم مودريتش أيضا في فوز فريقه ريال مدريد بلقب أبطال أوروبا خمس مرات. وقاد منتخب بلاده أخيرا إلى نهائيات كأس العالم في قطر، حيث يسعى لتحقيق إنجاز غير مسبوق يختم به مشواره الدولي.

وتتقاطع قصة لوكا مودريتش مع قصة شريكه في الوطن واللجوء ومأساة الحرب ديان لوفرين، حيث ولد في قرية كرالييفو سوتجيسكا الواقعة وسط صربيا، وكانت إحدى أكثر المناطق اشتعالا إبان الحرب الأهلية المدمرة التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الضحايا بداية التسعينات. اضطرت عائلة ديان لوفرين إلى مغادرة البلاد واللجوء إلى ألمانيا حيث مكثت في بيت خشبي تعود ملكيته إلى جدهم المقيم هناك.

بدأ ديان مسيرته الاحترافية مع نادي دينامو زغرب الكرواتي عام 2006، ومنه انتقل إلى أعرق النوادي الأوروبية مثل ليون الفرنسي وليفربول الإنجليزي ثم ساوثهامتون. انضم لوفرين إلى قائمة المنتخب الكرواتي الأول منذ عام 2009، وكان ضمن التشكيلة التي حلت وصيفة في نهائيات روسيا 2018 بعد الخسارة أمام المنتخب الفرنسي في المباراة النهائية. و يراهن المنتخب الكرواتي في نسخة قطر 2022 على قلب دفاعه ديان لوفرين وزملائه في الفريق لتكرار معجزة 2018.

ورغم هذا المسار الاحترافي المميز ونجاحه الموازي في عالم الأعمال والاستثمار إلا أن ذكريات الحرب لا تزال طرية في ذاكرته. يقول: "تغيرت طفولتي خلال ليلة واحدة. الحرب كانت بين الجميع، وثلاث ثقافات مختلفة، للحظة الناس تغيروا تمامًا، أتذكر فقط صفارات الإنذار التي استمرت طوال هذه الليلة، كنت خائفًا للغاية لأنني كنت أفكر في أصوات القنابل".

ستيف مانداندا حارس مرمى المنتخب الفرنسي كابد هو الآخر معاناة اللجوء ومتاهة البحث عن وطن بديل قبل أن ينتهي به المطاف في أكبر محفل كروي عالمي.

 هرب مانداندا مع عائلته من الكونغو وهو في ربيعه الثاني، بعد اضطرابات عرفتها البلاد في عهد الرئيس السابق موبوتو سيسي سيكو. لجأت العائلة إلى فرنسا وهناك ستتفتق مواهبه وسيبدأ مشوارا رياضيا حافلا بالإنجازات، بدأه مع فريق لوهافر ثم أولمبيك مارسيليا وكريستال بالاس، إلى جانب حراسته لمرمى المنتخب الفرنسي الأول.

شارك في نهائيات كأس العالم المقامة بروسيا في 2018 والذي أحرزت فيها فرنسا اللقب، ويسعى اليوم إلى إهداء لقب جديد إلى فرنسا. يعتبر ستيف الأخ الأكبر بين أربعة أشقاء كلهم يلعبون في حراسة المرمى في فرق مختلف بينها المنتخب الرسمي للكونغو.

لم يكن مانداندا الموهبة الكروية الكروية الوحيدة التي خرجت من رحم الحرب الاهلية في الكونغو. ففي 2002 وفي ذروة حرب الكونغو الثانية، والتي اعتبرت من أسوأ الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، وأسفرت عن وفاة ملايين الأشخاص بفعل الأعمال القتالية والأمراض والأزمات الغذائية الناتجة عنها، رأى الطفل إدواردو كامافينجا النور لأول مرة في مخيم للاجئين بمدينة ميكونجي الأنجولية، بعد فرار عائلته من جحيم الحرب.

عند بلوغ كامافينجا عامين من عمره، رحلت عائلته إلى فرنسا حيث سيجد الطفل الصغير من يرعى موهبته. لعب إدواردو كامافينجا منذ مسيرته الاحترافية لناديين رياضيين هما نادي ستاد رين الفرنسي وريال مدريد الإسباني الذي فاز معه بالدوري الإسباني ودوري أبطال أوروبا في موسمه الأول مع الفريق. شارك في معظم البطولات الأوروبية، وسجل حضوره الأول في كأس العالم بقطر كلاعب وسط ميدان للمنتخب الفرنسي، ولا يزال كامافينجا في بداية مشواره الرياضي.

قصة لجوء أخرى توجت بالمشاركة في المونديال بطلها هذه المرة أوير مابيل اللاعب الأساسي في المنتخب الأسترالي. ولد مابيل سنة 1995 في مخيم للاجئين في كينيا بعد سنة من هروب عائلته من جنوب السودان بسبب الحرب الدائرة هناك. وبعد عشر سنوات من المعاناة غادرت عائلته أخيرا إلى أستراليا.

في 2018، انضم مابيل إلى المنتخب الأسترالي الرسمي، وقادت ركلة الترجيح التي سجلها في مرمى البيرو منتخبه إلى المشاركة في نهائيات قطر 2022. يسترجع مابيل ذكريات اللجوء في حديث صحفي قائلا: "ولدت في كوخ، كوخ صغير. غرفة الفندق الخاصة بي هنا حتما أكبر من الكوخ، الغرفة التي كنا نمكث فيها أنا وعائلتي في مخيم اللاجئين". وتابع: "استقبالنا من أستراليا وإعادة توطيننا منحاني وإخوتي وعائلتي بأكملها فرصة في الحياة. هذا ما أعنيه عندما أشكر أستراليا على فرصة الحياة، تلك الفرصة التي منحوها لعائلتي".

 

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".