لاجئة سورية في أحد الحدائق العامة في تركيا- من أرشيف فرانس برس
لاجئة سورية في أحد الحدائق العامة في تركيا- من أرشيف فرانس برس

بعد تنامي الخطابات المعادية للاجئين السوريين في تركيا، وتحميلهم تبعات الأزمة الاقتصادية والغلاء ونقص الوظائف، تأثرت اللاجئات السوريات في تركيا من هذه الحملات والاعتداءات بشكل مضاعف، كونهن من الفئات الأضعف اجتماعيا واقتصاديا والأكثر هشاشة.

تقول روان السالم (36 عاما)، وهي لاجئة سورية في مدينة غازي عينتاب جنوب تركيا، إن "النساء السوريات أكثر حساسية وتخوفا من خطاب الكراهية، لأنهن ضعيفات وغير معتادات على الدفاع عن أنفسهن أو المواجهة، خاصة من ينتمين إلى المدن والقرى المحافِظة داخل سوريا".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "خوفنا كبير من الرد على أي إساءة في العمل أو الشارع، لعدم معرفتنا بالقوانين، وهل يوجد قانون رادع لمثل هذه التصرفات، وما تبعات الرد على الإساءة بالمثل، لهذا أنا شخصيا أصمت وأتجاهل".

وتعتبر روان أن معاناة النساء من الاعتداءات العنصرية "أكبر لأن المرأة من الصعب أن تقوم بحماية نفسها في حال تعرضت لموقف عنصري"، مشيرة إلى وجود "قلق دائم من أن يتعرض أحد أفراد العائلة للتصادم مع الأتراك وتكون النتيجة الترحيل أو الهجرة وتبقى دون سند أو معيل".

ديما الأبرش (26 عاما)، تعمل في مصنع للملابس في إسطنبول، تبين لـ"ارفع صوتك"، أنها تعمل 12 ساعة يوميا لتحصل على الحد الأدنى من الأجور.

"أعمل بجهد كبير ولكن أشعر دائما أن عملي غير مقدّر، لا يتم إنصافنا من حيث الرواتب المتدنية والحرمان من التأمين من قِبَل بعض أصحاب المعامل، والعمل لساعات طويلة، إضافة إلى الاستغلال وإساءة المعاملة اللفظية، ولكني مضطرة لتحمل ذلك بسبب الغلاء وارتفاع قيمة المصاريف والفواتير، إذ يستحيل على فرد واحد أن يعيل أسرة، لذا على الزوجة أن تعمل لتساهم في دفع المصاريف والفواتير رغم كل المعاناة"، تتابع ديما.

وتؤكد أن "العنصرية في كل مكان حولها"، مردفةً "في العمل دائما يسألونني إذا كنت سأعود لبلدي يوما ما، كما يسألوني لم عليّ أن أعمل ما دمت أتقاضى راتبا من الحكومة، وطبعا أنا وجميع السوريين لا نحصل على أي راتب، كذلك أسمع تعليقات بشكل دائم في وسائل النقل، ولكني أتظاهر أنني لا أفهم لغتهم كي لا أدخل في جدال أنا غنية عنه".

وفي مدينة أورفة، تعيش أم يوسف محيو (58 عاما)، وضعاً "سيئاً" على حد تعبيرها.

تقول لـ"ارفع صوتك": "وجودي من دون بطافة الكيملك (الحماية المؤقتة)، ودون إقامة جعلني أعيش في خوف دائم على أولادي، وبشكل خاص عند رؤيتي أي دورية للشرطة، خشية ترحيلهم، فهم المعيل الوحيد لي".

"كما أخاف أن يتدخل أبنائي في أي مشكلة، فالشبان يثورون ويغضبون بسرعة أكثر من النساء، وتكون النتيجة ترحيلهم إلى سوريا.. معاناتنا كنساء أكبر لأننا نعيش في قلق دائم على عائلاتنا أكثر من أنفسنا"، تتابع أم يوسف.

من جهتها، تقول عبير مرعي المقيمة في مدينة غازي عينتاب، وهي صاحبة محل صغير لبيع الحلوى المنزلية، إنها تأثرت بخطاب الكراهية أيضا، إذ يرفض صاحب المكان المستأجر أن يمنحها موقفا إضافيا للزبائن، ويرد على طلبها بالقول "إذا أزعجك الأمر يمكنك الذهاب إلى بلدك".

وتؤكد لـ"ارفع صوتك" تعرض أبنائها في المدرسة للتنمر والتعامل معهم بعنصرية، ما جعلهم يتمنون مغادرة تركيا والذهاب لأي دولة أوروبية، لكن جيرانها الأتراك "ودودون للغاية"، حسب وصفها.

وتضيف عبير: "لا يمكننا التعميم فهناك الجيد والسيء وهناك زيارات بيني وبين جيراني الأتراك، كما نتبادل الهدايا ونتشارك في مناسباتنا الاجتماعية". 

 

ما الحل؟

تقول الناشطة النسوية والسياسية السورية نجاة مرشد، إن "خطاب الكراهية الذي تصاعد مؤخرا في تركيا انعكس على المرأة السورية اللاجئة بشكل مضاعف كونها الحلقة الأضعف، بغياب المعيل والمسؤولة عن نفسها وأطفالها ببلد اللجوء، إذا كانت تحت الحماية المؤقتة، حيث لا حقوق لها، فعدم وضوح القوانين التركية وصعوبة فهمها، يحدّ من تحركها وإيجاد عمل يحفظ لها كرامتها".

وفي حديثها لـ"ارفع صوتك"، تقترح مرشد على اللاجئات "أن يعملن على التمكين من اللغة والقوانين التركية"، وعلى منظمات المجتمع المدني والجهات التركية مثل البلديات والجمعيات، بأن "يكثفوا العمل على دعم المشاريع الصغيرة وتسهيل التراخيص للنساء السوريات".

وتضيف أنه وبالرغم من أن منظمات المجتمع المدني تساعد المرأة السورية بدورات توعوية ودعم نفسي وتمكين، لتأهيلها مهنياً من أجل إقامة مشاريع صغيرة، إلا أنه بغياب القوانين لحمايتها وقلة فرص العمل وصعوبة الإجراءات القانونية، تبقى الاستفادة قليلة جداً.

وتبيّن مرشد أن بعض البلديات والمنظمات التركية تقوم بدورات لغة واندماج مجانية، وتطلب منهم كناشطين التعاون لحث النساء وتوجيههن للاستفادة من هذه الدورات، لكن المسافات وقلة الإمكانيات تقف عائقاً في وجه بعضهن.

"كما توجد مجموعة من الحقوقيين والمحامين السوريين والأتراك المستعدة لمساعدة اللاجئات في حال تعرضهن للتحرش أو العنصرية، وللدفاع عنهن وتوجيههن بالادعاء على من تعرض لهن، وللمساعدة القانونية في الأوراق والثبوتيات"، تتابع مرشد. 

وتدعو بدورها لإيجاد مكاتب مرخصة ومعتمدة للاستشارات التوعية القانونية والاقتصادية، مطالبةً  الإعلام التركي والسوري بتغيير الأفكار المغلوطة حول الوجود السوري في تركيا.

مواضيع ذات صلة:

سوء التغذية والجوع يهدد أطفال غزة
سوء التغذية والجوع يهدد أطفال غزة

حذر تقرير جديد نشرته الأمم المتحدة، الخميس، من تفاقم أزمة الجوع العالمية، حيث يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وأشار التقرير إلى أن الصراعات، والتغيرات المناخية، قد أدت إلى زيادة حادة في أعداد الجوعى، خاصة في مناطق مثل السودان وقطاع غزة.

وعقب نشر التقرير، تحدث ثلاثة مسؤولين أمميين، عبر الفيديو، إلى صحفيين في نيويورك، حيث قدموا إحاطة عن التحديث نصف السنوي للتقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام 2024 والذي يغطي الفترة حتى نهاية أغسطس 2024.

وأكد المسؤولون الأمميون الحاجة الماسة إلى زيادة التمويل الإنساني والعمل على معالجة الأسباب الجذرية للأزمات الغذائية، مثل الصراعات والتغيرات المناخية، وذلك لمنع تفاقم الوضع وتجنب حدوث مجاعات أوسع نطاقا.

وفي بداية الإحاطة قدم، ماكسيمو توريرو، كبير الخبراء الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لمحة عامة عن النتائج الرئيسية للتقرير.

ويُظهر التقرير أن عدد الأشخاص الذين يواجهون مستوى كارثيا من انعدام الأمن الغذائي تضاعف من 705 آلاف شخص في 5 دول وأقاليم في عام 2023 إلى 1.9 مليون في 4 دول أو أقاليم في عام 2024. وهذا هو أعلى رقم يسجله التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية، ويعود ذلك في الغالب إلى الصراع في قطاع غزة والسودان، وفقا لتوريرو.

ويشار إلى أن التصنيف المتكامل للأمن الغذائي يتكون من خمس مراحل، ومستوى "الأزمة" أو انعدام الأمن الغذائي الحاد هو المرحلة الثالثة من التصنيف. المرحلة الرابعة هي الطوارئ، أما المرحلة الخامسة فهي الكارثة أو المجاعة.

وقال توريرو إن اشتداد وتيرة الصراعات في غزة والسودان وأيضا الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو وارتفاع أسعار المواد الغذائية المحلية يزيد من عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد في 18 دولة مقارنة بعام 2023.

مجاعة مستمرة في مخيم زمزم

في السودان، قال توريرو إن المجاعة مستمرة في مخيم زمزم للنازحين بالقرب من مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، ومن المتوقع أن تستمر حتى أكتوبر المقبل. ونبه إلى أن العديد من المناطق الأخرى في جميع أنحاء السودان معرضة أيضا لخطر المجاعة بسبب استمرار العنف ومحدودية المساعدات الإنسانية.

وأضاف المسؤول الأممي أن الصراع يستمر في التسبب بتدهور سريع للأمن الغذائي في السودان، حيث تشير التقديرات إلى أن حوالي 26% من الأشخاص سيواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتم تصنيف حوالي 25.6 مليون شخص على أنهم يعانون من مستوى أزمة أو أسوأ.

وألقى الصراع في السودان بظلاله على الأمن الغذائي في البلدان المجاورة مثل تشاد وجنوب السودان، وفقا لتوريرو.

أزمة الغذاء في غزة الأكثر شدة في التاريخ

أما بشأن الوضع في غزة، يقول توريرو إن أزمة الغذاء لا تزال الأكثر حدة في تاريخ التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية، مع وجود ما يقرب من 2.2 مليون شخص من السكان ما زالوا في حاجة ماسة إلى الغذاء والمساعدة.

وقد اشتدت حدة الأزمة، حيث عانى نصف السكان من المجاعة خلال الفترة بين مارس وأبريل، ارتفاعا من ربع السكان خلال الفترة من ديسمبر 2023 إلى فبراير 2024.

وتشير التوقعات إلى انخفاض هذه النسبة إلى 22% من السكان - أي حوالي 495 ألف شخص، خلال الفترة بين يونيو وسبتمبر 2024، ولا تشير الأدلة المتاحة إلى المجاعة على الرغم من أن خطرها لا يزال قائما.

جانب إيجابي

على الصعيد الإيجابي، قال توريرو إن تحسن موسم الحصاد والاستقرار الاقتصادي أديا إلى تحسن في الأمن الغذائي في 16 دولة.

ومن بين هذه الدول الـ 16 شهدت 5 دول - هي أفغانستان وكينيا والكونغو الديمقراطية وغواتيمالا ولبنان - انخفاضا في عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد بمقدار مليون شخص على الأقل، منذ بلوغ الذروة في عام 2023، لكن جميع هذه الدول لا تزال في وضع الأزمة.

ما المطلوب؟

فيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة لتحسين وضع الأمني الغذائي، تطرق، عارف حسين، كبير الاقتصاديين في برنامج الأغذية العالمي، إلى أمرين قال إنهما مطلوبان بشدة وهما الوصول إلى الأشخاص المحتاجين والتمويل المستدام.

وأضاف: "لا يكفي أن يكون لديك واحد من هذين الأمرين. أي إذا توفر الوصول وحده فهذا لا يكفي، وإذا توفر المال وحده فهو لا يكفي أيضا. أنت بحاجة إلى الاثنين معا (...) ولذلك نسعى إلى التأكد من وجود وصول وتمويل مستدامين حتى نتمكن من مساعدة الأشخاص المحتاجين سواء في غزة أو في السودان أو في أي مكان آخر".

وتحدث حسين عن مشكلة أخرى وهي "الإجهاد في مجال التمويل"- في إشارة إلى الإجهاد الذي أصاب الجهات المانحة. وشدد في هذا السياق على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية لانعدام الأمن الغذائي سواء تعلق ذلك بالمناخ أو بالصراع، "لأنه ما لم نعالج الأسباب الجذرية، فلا ينبغي لنا أن نتوقع انخفاضا في الاحتياجات".

الهزال يفتك بالأطفال في مناطق الأزمات

الدكتور فيكتور أغوايو، مدير التغذية ونمو الطفل في منظمة اليونيسف تحدث في إحاطته عن الهزال بوصفه الشكل الأكثر تهديدا للحياة من أشكال سوء التغذية لدى الأطفال. وقال إن الهزال يظل مرتفعا جدا بين الأطفال الذين يعيشون في بلدان تعاني من أزمات غذائية.

ويعود ذلك، وفقا للمسؤول الأممي، إلى عدم قدرة الأسر على الوصول إلى الأطعمة المغذية لأطفالها أو تحمل تكلفة تلك الأطعمة، فضلا عن عدم القدرة على الوصول إلى خدمات الصحة والتغذية والمياه والصرف الصحي.

وقال أغوايو إن التقرير العالمي يسلط الضوء على زيادة مقلقة في هزال الأطفال، مع مستويات حرجة في 8 دول هي الكاميرون وتشاد وجيبوتي وهايتي والسودان وسوريا وأوغندا واليمن.

أكثر من 50 ألف طفل في غزة يعانون من سوء التغذية الحاد

وقال مدير التغذية ونمو الطفل في اليونيسف إنه زار غزة الأسبوع الماضي ورأى بنفسه كيف انعكست شهور من الحرب والقيود الشديدة المفروضة على الاستجابة الإنسانية، وأدت إلى انهيار أنظمة الغذاء والصحة والحماية، مع عواقب كارثية على تغذية الأطفال.

ووصف النظام الغذائي للأطفال الصغار بأنه "رديء للغاية"، حيث لا يتناول أكثر من 90 في المئة منهم سوى نوعين من الطعام، يوميا، في أفضل الأحوال، وأضاف: "ونحن نقدر أن أكثر من 50 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد ويحتاجون إلى علاج منقذ للحياة الآن".

ومضى قائلا: "التقيت أثناء وجودي في غزة بأطباء وممرضات وعاملين في مجال التغذية ينفذون البرامج التي ندعمها... واستمعت إلى نضالات الأمهات والآباء في سبيل إطعام أطفالهم. وما من شك لدي في أن خطر المجاعة وأزمة التغذية الشديدة واسعة النطاق في غزة حقيقي".

حاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار

أغوايو قال إن هناك سبيلا واحدا لمنع ذلك الخطر وأضاف: "نحن بحاجة إلى وقف إطلاق النار، على الفور، ومع وقف إطلاق النار، يجب توفير وصول إنساني مستدام وواسع النطاق إلى قطاع غزة بأكمله. وقف إطلاق النار والاستجابة الإنسانية غير المقيدة وحدهما الكفيلان بتمكين الأسر من الوصول إلى الغذاء، بما في ذلك التغذية المتخصصة للأطفال الصغار، والمكملات الغذائية للنساء الحوامل، وخدمات الصحة والمياه والصرف الصحي لجميع السكان".

في السودان، يتأثر أكثر من 25 مليون شخص بانعدام الأمن الغذائي - بمن فيهم ما يقرب من 3.7 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد. وتستمر هذه الأرقام في الارتفاع بسبب النزوح الجماعي، والوصول الإنساني المحدود، وتعطل خدمات الصحة والتغذية، وفقا لأغوايو.

ودعا المسؤول في منظمة اليونيسف إلى استجابة إنسانية غير مقيدة وواسعة النطاق للوقاية المبكرة والكشف عن وعلاج سوء التغذية الحاد بين الأطفال الأكثر ضعفا، وخاصة لمن تقل أعمارهم عن 5 سنوات، وأمهاتهم، والذين تتعرض حياتهم للخطر بسبب هذه الأزمات المتصاعدة المتعددة.