كانت زهرة في التاسعة من عمرها، حين هربت إلى جانب عائلتها من الحرب الدائرة في سوريا ، بحثاً عن الأمان.
خرجوا من منبج في شمال سوريا، تحت حماية الظلام، وقرروا الفرار من منطقة سكنهم عبر البساتين.
كان الطقس خريفياً بليال قارسة البرودة، تقول زهرة (اسم مستعار)، مضيفة لـ"ارفع صوتك": "لم نستطع أن نحمل معنا الكثير من الأغراض، فكانت الأولوية للطعام والشراب. غادرنا بيوتنا بعد أن ارتدينا كل ما استطعنا لبسه لتحمّل الصقيع. واستعدينا لرحلة يملؤها الغموض ولم يكن بالإمكان أن نعلم موعد الوصول".
وتتذكر الأيام التي سبقت هروبها، حين تعرضت مدرستها للقصف، بالقول: "راحت (دُمرت) نصف المدرسة ومات كل من أعرف".
بعد ذلك توقفت زهرة عن الذهاب للمدرسة أو الدراسة.
تروي عن رحلة الهروب، أنها وأخواتها تنكرن بملابس ذكور لحماية أنفسهن من "العار" كما تسميه زهرة، في إشارة للتعرض لأي ااعتداء جنسي محتمل.
"لبسنا ملابس إخواننا وحرصنا على التخفي خلف معاطف وجاكيتات ذكورية، وتأكدنا من إخفاء حجابنا فارتدينا القبعات ولم نتردد بحلق شعرنا. ومع مرور الأيام، ساعدتنا الطبيعة على التخفي أكثر"، تتابع زهرة.
وتبين: "ازدادت حواجبنا كثافة وتراكم التراب والقاذورات تحت أظافرنا التي تضاعف سمكها، وسرعان ما نمت لنا شوارب ولاحظنا القتامة على لون بشرتنا بفعل الغبار والأوساخ والتعرّق مع أشعة الشمس.. ذبلت شفاهنا وتيبست، وتغيرت رائحتنا".
وتضيف زهرة "على الرغم من الخوف والفرار، استطعنا تدبر الأمر في الأيام الأولى، لكن سرعان ما انقضت وتطورت لتصبح أياما وشهورا توقفنا عن عدها في البساتين، ربما هي ثلاثة وربما أربعة شهور.. من يدري؟ ربما أكثر أيضا. كنا نخفي عن أنفسنا وعن بعضنا البعض شعورنا الشبيه بالتحلل.. رائحة العرق الملتصقة بالملابس وبين الشعيرات العفنة. لم يجرؤ أحد على جرح الأخر والبوح بروائح الموت التي بدأت بالتفشي تحت ملابسنا".
أوّل حيض
اعتبرت زهرة وأخواتها أن قضاء الحاجة "من أصعب الأمور" أثناء التخفي بين البساتين في شهور الهرب، تقول لـ"ارفع صوتك": "كنا نقوم بذلك بين الأشجار.. خلفها.. تحتها وعلى أغصانها. ما كان مسموحا أن نترك أي أثر. وكان على كل واحدة منا أن تتدبر حالها. وكنا نتناوب من أجل قضاء حاجتنا، فتقف إحدانا أمام سيارة مهجورة بينما تفتح الثانية أبوابها لتقضي حاجتها بينها، ونحاول العثور على أي شيء يقع بين أيدينا ننظف به أنفسنا.. أوراق مرمية أوكراتين أو بلاستيك أو حتى حجارة. وأحيانا نقوم بذلك بسرعة كبيرة خوفاً من أن يُكشف أمرنا فنُقتل أو نتعرض للاعتداء".
تبلغ اليوم زهرة من العمر 13 عاماً، وتتذكر كيف عن لحظة الحيض الأولى أثناء الاختباء: "شعرت بآلام حادة في البطن والظهر، ثم تبللت ملابسهي فأسرعت أمي لتقطيع إحدى الكنزات كبديل عن الفوط الصحية".
تقول أختها سارة: "حملنا الجاكيتات لنصنع لها (لزهرة) ما يشبه غرفة ضيقة اختبأت داخلها لتغير ملابسها".
وتشير سارة إلى أنهم شهدوا مقتل أحد الشبان الفارّين مثلهم والمختبئين في البساتين، مضيفةً "حفروا له حفرة في أرض البستان لدفنه ليلاً على عجل".
تعلمت زهرة أن تخفي ما حصل معها وأن تعض على آلامها حين قالت أمها "لا دواء حيث نحن والدنيا كلها حرب وخراب..ستتألمين وستتحملين".
أما الوالدة، فتحملت إلى جانب مشقة الاختباء بين البساتين والإهتمام بالأولاد والإعانة على الحمل الثقيل، آلام الالتهابات. تأسف زهرة "لم يتوفر لدينا أي شيء للعناية بالنظافة الشخصية. تعرضت أمي لالتهابات حادة، وكانت تتألم من الحكة الشديدة والتورم والحرقة، وتتمنى الموت أحيانا من شدة معاناتها".
"رائحة الجنة"
انتهت رحلة البساتين في الشام التي شكلت نقطة عبور إلى قرية لبنانية مجاورة بعد وقفة سريعة لدى جدة زهرة.
"لم نتكلم كثيرا وتسابقنا إلى الحمام"، تقول زهرة، مردفةً "تخلصت من الثقل في رأسها"، في إشارة إلى قصّ شعرها.
تضيف زهرة: "شعرت بالثقل في رأسي بعد أن تشابك شعري وأصبح كتلتين أشبه بأكياس الخيش. كان شعرنا كلنا هكذا. قصصناه فسقط وبه الكثير من الرمل والأعشاب وأوراق الشجر ورائحة فيها الكثير من العطن والعرق.. رائحة أشبه بالتعفن وبالغسيل الرطب".
اشتمت زهرة رائحة الحياة مجددا مع بلوغ السيارة طريق المصنع وصولاً إلى لبنان. فكانت رائحة الملابس والعطر "أشبه برائحة الجنة"، بحسب تعبيرها.
