"لدي خمسة أبناء وزوجي يعمل كأجير يومي وبراتب قليل، وفجأة وجدت نفسي حاملا بالشهر الثاني، كان الفقر شديدا وأصغر أبنائي بعمر ثمانية أشهر، وأكبرهم في الثانية عشرة، ولا قدرة لنا على تحمل مصاريف إضافية، فقررت وزوجي إجهاض الطفل بسبب الفقر"، تقول اللاجئة السورية بشائر (29 عاما)، المقيمة في ولاية أورفا جنوب تركيا.
وتؤكد لـ"ارفع صوتك" أن الإجهاض كان "الحل الوحيد الذي لجأت إليه عند معرفتها بحملها بطفلها السادس".
لم تخطط بشائر لأي حمل سابق، لكن الأخير كان "فوق قدرتها"، وفق تعبيرها.
تتابع: "تواصلت مع قابلة تعمل في المنازل، فأعدت لي محاليل وخلطات عشبية، كنت أغليها وأشرب منها، حتى بدأت أنزف، لكن لم يحدث إسقاط، فأحضرت لي دواء من الصيدلية، وبعد تناوله بيومين أصبت بنزيف شديد وألم ومغص قوي".
لم تتمكن القابلة من السيطرة على النزيف، فنُقلت بشائر إلى إحدى الشقق التي تحوي عيادة وهي أشبه بمكتب، وهناك أجرى لها شخص عملية الإجهاض، ليست متأكدة إذا ما كان طبيباً.
تقول بشائر إنها "ومنذ ذلك الوقت تعاني مضاعفات الإجهاض والعدوى البكتيرية وتعفن الدم".
وتلجأ العديد من اللاجئات السوريات لإنهاء الحمل غير المرغوب به، إلى أشخاص غير مختصين، وإلى وسائل غير آمنة للإجهاض، ما يتسبب بتداعيات خطيرة على حياتهن.
ماذا تقول القابلة؟
نورا (45 عاما)، قابلة تعمل بشكل مستقل في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، طلبت عدم ذكر اسمها الكامل، تقول لـ"ارفع صوتك" إنها كانت تمارس القبالة في سوريا، حيث ورثتها عن أمها التي كانت تولّد معظم نساء قريتها (البراق) في مدينة حماة.
تعتبر نورا أن مهنتها "إنسانية"، لأنها "تساعد النساء الراغبات بالإجهاض من منطلق إنساني"، حسب وصفها.
وتضيف: "هناك مشاكل أسرية وطلاق وحالات لحمل غير مرغوب به، وعندما ترغب المرأة بالإجهاض لن يوقفها أي شيء وإن لم تأت لي ستذهب لغيري".
وعن الأدوية التي تقدمها للحامل، تشرح القابلة أنها "محاليل عشبية تقوم بتحضيرها في المنزل، وأدوية خاصة بالإجهاض تحصل عليها من سوريا أو من بعض الصيدليات الخاصة".
وتبين نورا أنها ساعدت مرة إحدى الفتيات في حمل خارج الزواج، مؤكدةً "لو لم أفعل لقُتلت المرأة بداعي الشرف".
تعلم القابلة بالمخاطر المحتملة، لكنها ترفض أن يُطلق على عملها صفة سيئة، أو أن تُهاجَم، ذلك أنها "تساعد النساء وتنقذهن"، وفق قولها.
وتوضح نورا لـ"ارفع صوتك": "في حال حدوث مضاعفات للإجهاض تحذر النساء، وهن يوافقن مسبقا، لا أخدع أحدا ولدي خبرة جيدة، وبالطبع قد تحدث مضاعفات عند أخريات، وهنا على القابلة أن تسرع لطلب المساعدة طبية، لا أن تفر من المكان كما فعلت إحدى القابلات التي تسبب بوفاة المريضة".
أما عن مصادر الأدوية التي تستخدمها، فتقول نورا "بعضها من خارج تركيا، وآخر من الصيدلية، كما تؤمن صديقة لي أدوية من المستشفى التي تعمل بها".
ماذا يقول الطبيب؟
يحذر طبيب النساء والتوليد عمر المصطفى، من اللجوء إلى أشخاص غير محترفين وغير مؤهلين لإجراء الإجهاض، فمخاطر الإجهاض غير الآمن "كبيرة جدا على النساء".
ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، وجود سيدات يعملن في المنازل كقابلات وممرضات، بالإضافة الى أشخاص لا علاقة لهم بالطب نهائيا، يقومون بوصف أدوية ممنوعة، إلا عبر طبيب مختص وأن تكون المريضة في المستشفى تحت المراقبة.
ويقول المصطفى، إن هناك "طلباً كبيراً على أدوية الإجهاض لدى اللاجئات السوريات في تركيا، ونحن كأطباء نتفاجأ بقيام العديد من النساء بتناول بعضها التي تؤدي للنزيف".
في ذات السياق، تقول اللاجئة السورية نجوى الأشقر (20 عاما)، إنها تزوجت في الثامنة عشرة من عمرها، ولرغبتها بالطلاق قامت بإجهاض حملها لدى إحدى القابلات في مدينة غازي عنتاب.
وتوضح لـ"ارفع صوتك": "بعد الزواج اكتشفت أن زوجي غير سوي وعنيف فرغبت بالطلاق،فاكتشفت أنني حامل، وهو لن يقوم بتطليقي لو علم بذلك، ففكرت بالإجهاض، وحين قصدت المشفى طلب مني الحصول على موافقة الأب أولا، لذا لجأت إلى قابلة أرشدتني إليها صديقتي فأعطتني حبوبا للإجهاض وتخلصت من الحمل".
وتضيف نجوى أنها "لن تعيد الكرّة" في إشارة إلى الإجهاض، مردفةً "لو عاد بي الزمن لما تحملت المخاطر والآلام والنزيف الذي كاد أن يفقدني قدرتي على الإنجاب، وهو ما حدث مع قريبة لي، حيث تسبب قيامها بالإجهاض المتعمد لدى ممرضة غير متخصصة، في تلف الرحم واستئصاله".
تعقيباً على قصة نجوى وقريبتها، يقول الدكتور المصطفى، إن هناك العديد من غير المختصين وممن يفتقدون للتمرس والتدريب، يقومون بعمليات إجهاض في البيوت أو عيادات تفتقد للظروف الصحية الملائمة.
والإجهاض في مذل هذه الأماكن، قد يتسبب بانثقاب الرحم لدى المريضة، ومن الممكن أن يتسبب بانثقاب الأمعاء وانتشار الإنتان في البطن، ويؤدي إلى وفاة المريضة، كما يتسبب استعمال أدوات غير معقمة إلى إنتان داخل الرحم وإلى إصابة المريضة بالعقم مستقبلاً، بحسب المصطفى.
ويحذر أيضاً من أدوية التخدير المستعملة عادة في عمليات الإجهاض غير القانوني، قائلاً: "من يقوم بتخدير المريضة ليس طبيب تخدير بالطبع، كما قد تحدث مضاعفات أثناء الإجهاض وتحتاج المريضة إلى تدخل جراحي سريع، أو تحتاج لنقل دم، وفي البيوت والعيادات مع غير المختصين لا يوجد طبيب تخدير ولا يوجد أجهزة أو غرفة عمليات أو عناية فائقة".
ماذا يقول الصيدلاني؟
الصيدلاني يحيى الموسى، الذي يقيم في مدينة هاتاي جنوب تركيا، يؤكد بدوره على "تزايد الطلب على الأدوية المسببة الإجهاض".
ويشير إلى أن هذه الأدوية "ممنوعة قانونيا في الصيدليات الحكومية في تركيا"، لكن بعض الصيدليات الخاصة "تبيعها".
وخلال حديثه مع "ارفع صوتك"، يرفض الموسى بيع أي دواء مسبب للإجهاض، مستدركاً "لكنّ القابلات والممرضات و بعض العاملات والعاملين في المشافي يقومون بتأمين هذه الحبوب من مصادرهم الخاصة، سواء من المشافي حيث يعملون، أو من بعض الصيادلة أو من خارج تركيا".
"والإجهاض في تركيا قانوني ويُجرى في المشافي الخاصة والحكومية، لكن تحت شروط، منها ألا تتجاوز مدة الحمل الأسبوع العاشر، أو أن يشكل الحمل خطراً على حياة الأم، أو لوجود إعاقة حادة لدى الجنين، كما يُشترط أن يتم تنفيذ هذا الإجراء عبر أطباء التوليد المتخصصين في المستشفى، وضمن ظروف معقمة وصحية"، يتابع الموسى.
لماذا إذاً تلجأ العديد من السوريات إلى القابلة وحبوب الإجهاض؟ يقول الموسى، "بسبب سهولة إتمام الأمر والسرية التامة، بالإضافة للخلافات الزوجية أو الطلاق أو الوضع الاقتصادي السيء".
ويلفت إلى أن وجود الكثير من حالات الحمل غير المرغوب فيه بين اللاجئات، سببه "الجهل بطريقة تحديد النسل ووسائل تنظيم الأسرة، الذي يتسبب بدوره باللجوء إلى الإجهاض غير الآمن، دون معرفة عواقب ومضاعفات هذا الأمر على صحة الأم وحياتها وخصوبتها المستقبلية".
