رلاجئون في انتظار "قارب الرحيل"- لقطة أرشيفية
لاجئون في انتظار "قارب الرحيل"- لقطة أرشيفية

في اليوم الأخير من عام 2022، انطلق 234 شخصاً، على متن قارب من شمال لبنان آملين الوصول إلى الشواطئ الإيطالية ومنها إلى إحدى الدول الأوروبية، من دون أن يتمكّنوا من الوصول إلى هدفهم نتيجة تعطّل محرك المركب.

وبعد إنقاذ 232 منهم، وانتشال جثتين، تفاجأ الركاب الذين يحملون الجنسية السورية بنقلهم من قبل الجيش اللبناني، إلى الحدود اللبنانية السورية. 

عند الساعة الخامسة من صباح السبت الماضي أبحر القارب من شمال لبنان إلى وجهته. على أمواج الأمل حمل الركاب إلى حلمهم، قبل أن يتعطّل عند حوالي الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر، لتبدأ المياه بالتسلل إلى داخله، تمكّن بعض الركاب من التواصل مع عائلاتهم لتسارع البحرية اللبنانية وقوات اليونيفيل لإنقاذهم.   

أوضح الجيش اللبناني في بيان، أنه نقل الركاب إلى مرفأ طرابلس، لكن بحسب ما يؤكد ياسين ياسين "سلّم الجيش اللبناني الركاب السوريين ومن بينهم شقيقه جمعة إلى الفرقة الرابعة السورية في منطقة وادي خالد الحدودية". 

وعبّر ابن ادلب عن استهجانه لما أقدم عليه الجيش اللبناني، قائلاً "تسليم السوريين لاسيما المطلوبين منهم إلى النظام السوري، يعني تعريضهم للسجن والتعذيب حتى الموت، فإن كنا نشكر البحرية اللبنانية واليونيفيل على إنقاذ أرواح الركاب، لكن سؤالنا لماذا لم يسمح لهم بمغادرة مرفأ طرابلس وبدلاً من ذلك جرى ترحيلهم قسراً". 

وأصبحت "قوارب الموت" الأمل الوحيد للنجاة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية مأساوية يمر بها لبنان، فمنذ 2019، يعيش البلد أزمة اقتصادية حادة، صنفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، حيث فقدت الليرة قيمتها بعدما تخطى سعر صرف الدولار الواحد عتبة الـ47 ألف ليرة، قبل أن يتراجع سعر صرفه حوالي 5 آلاف ليرة. 

بين التأكيد والنفي 

وتمكّنت عائلة ياسين من إنقاذ جمعة، وذلك بعد التواصل مع مهربين على صلة بعناصر الفرقة الرابعة، يقول ياسين: "دفعنا 500  دولار، منها 200 دولار للمهربين و300 دولار للفرقة الرابعة، لكن ما مصير السوريين الذين لا تملك عائلاتهم المال لاستعادتهم، وهم الذين فضلوا المخاطرة بأرواحهم وحتى الموت في البحر، على خيار البقاء في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في لبنان أو العودة إلى بلدهم والموت تحت التعذيب في سجون النظام".

وتساءل "كيف تسمح مفوضية اللاجئين أن يتم تسليم أشخاص مسجلين لديها إلى النظام السوري، منهم من هم مطلوبون ومن بينهم شقيقي". 

كذلك أكد أحد الركاب، الذين كانوا على متن القارب (خشي الإفصاح عن اسمه) أن الجيش اللبناني سلّمه والسوريين الذين كانوا برفقته إلى الفرقة الرابعة، شارحاً "أمضيت تحت رحمة عناصرها لساعات من دون أن أتعرض لتعذيب، وذلك حتى تمكّن أهلي من دفع 200 دولار مقابل الإفراج عني"، مؤكداً أن "عدداً من الذين جرى تسليمهم تم نقلهم إلى داخل الأراضي السورية". 

وفي حديث مع موقع الحرة، نفت مخابرات الجيش اللبناني ترحيل من كانوا على متن القارب إلى سوريا، لكن مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والمدافع عن حقوق الانسان، المحامي محمد صبلوح، يشدد على أنه "للمرة الثانية على التوالي، خلال أقل من شهر، يقدم الجيش اللبناني على ترحيل لاجئين سوريين اتخذوا قرار الهجرة على متن قوارب الموت". 

يشرح صبلوح لموقع "الحرة" أنه بعد أن أصدرت قيادة الجيش- مديرية التوجيه بلاغاً كشفت خلاله أنه بتاريخ 16 ديسمبر، أوقفت دورية من القوات البحرية، بمؤازرة دورية من مديرية المخابراتن مقابل شاطئ طرابلس 31 سوريّاً على متن زورق أثناء محاولتهم التسلل بحراً خارج البلاد بطريقة غير شرعية، "تابعت القضية لمعرفة مصير الموقوفين، فتوصلت إلى انه جرى ترحيلهم إلى سوريا من قبل الجيش اللبناني، من دون أن أتمكن من التواصل مع أهلهم لإثبات ذلك". 

وبعد إنقاذ من كانوا على متن القارب الأخير، تابع صبلوح القضية، وبحسب ما يقول "حقق الجيش اللبناني مع الركاب، ليطلق بعدها اللبنانيين والفلسطينيين، في حين اتخذ القرار بترحيل الركاب السوريين، حيث نقلهم إلى وادي خالد على الحدود بين البلدين". 

كذلك يشدد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، في حديث لموقع "الحرة" على أنها "ليست المرة الأولى التي تقدم فيها السلطات اللبنانية على ترحيل السوريين بطريقة غير قانونية، ليكون مصيرهم الاعتقال لدى سلطات النظام السوري، إن لم يكن القتل سواء خلال فترة اعتقالهم، أو في الفترات التي تليها، وذلك خوفاً من إثارة الموضوع دولياً، ومن يتم الإفراج عنهم فإن ذلك يكون مقابل مبالغ مالية". 

مخالفات قانونية 

وأنقذ الجيش اللبناني واليونيفيل ركاب القارب وغالبيتهم من اللاجئين السوريين، باستثناء اللاجئة حميدة الطفران والطفلة وفاء الفيزو، اللتين فارقتا الحياة بعدما غرقتا خلال عملية الإنقاذ.

وانضمت ابنة الخمس سنوات إلى لائحة طويلة من الضحايا الأطفال الذين لقوا حتفهم في عرض البحر، وسبق أن أشارت "اليونيسف" في سبتمبر الماضي إلى أن لبنان "شهد خلال الأشهر الماضية ارتفاعا في مثل هذه المحاولات اليائسة للبحث عن الأمان وحياة أفضل في بلدان أخرى والتي خلّفت العديد من القتلى، إذ دفعت سنوات من عدم الاستقرار السياسي والأزمة الاقتصادية في لبنان العديد من الأطفال والأسر إلى الفقر مما أثر على صحتهم ورفاههم وتعليمهم". 

المآسي التي يشهدها البحر، تذكير قاسٍ بحسب اليونيسف بأن "هناك حاجة ماسة للعمل الجماعي لمنع العائلات من خسارة أرواحها في البحر"، مشددة على أن "كل حالة وفاة لطفل في البحر تؤكد على الحاجة إلى حماية الأطفال ودعمهم أينما كانوا وتوسيع الخيارات المتاحة للأطفال والعائلات للتنقل بأمان دون الاضطرار إلى المخاطرة بحياتهم". 

التدخل السريع للجيش اللبناني وإنقاذه حياة ركاب القارب، عمل يشكر عليه،  كما يقول صبلوح "إلا إنه من غير المقبول ترحيل اللاجئين وتعريض حياتهم للخطر، خاصة إذا كانوا معارضين".

ويشدد على أن "قرار الترحيل يجب أن يأخذه الأمن العام بعد الاطلاع على ملف كل منهم والتأكد من تاريخ صلاحية إقامته، وفيما إن كان مطلوباً في بلده من عدمه، وتاريخ دخوله إلى لبنان تطبيقاً لقرار مجلس الدفاع الأعلى الصادر في 15 أبريل 2019، والقاضي بترحيل السوريين الذين دخلوا لبنان دون المرور بالمعابر الرسمية، وكذلك إن كان يحمل بطاقة لاجئ من الأمم المتحدة، بالتالي ما أقدم عليه الجيش اللبناني يخالف القانون اللبناني لا سيما وأنه لا يوجد حكم قضائي لترحيل ركاب القارب". 

كما أن إجراء الجيش اللبناني بحسب صبلوح "يخالف الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها لبنان والتي تمنعه من الأقدام على ترحيل اللاجئين بهذه الطريقة، خاصة أن الوضع في سوريا غير آمن، كما ان عددا منهم مطلوب للنظام السوري، ما يعني أن مصيرهم الاعتقال والتعذيب وربما القتل، وبالتالي نكون أمام مخالفة فاضحة لاتفاقية مناهضة التعذيب، التي سبق أن وقّع عليها لبنان". 

شهد ملف اللاجئين السوريين في لبنان تصعيدا غير مسبوق في الفترة الأخيرة، وصل إلى حد وضع الحكومة اللبنانية خطة تقوم على إعادة 15 ألف لاجئ شهريا، ورغم تحذيرات لمنظمات حقوقية دولية من الإعادة القسرية، بدأت السلطات اللبنانية بتنفيذ خطة العودة، حيث غادر 511 لاجئ في أولى قوافل العودة في شهر أكتوبر الماضي، وفي الشهر التالي غادر 330 لاجئاً. 

"تسلّم السلطات اللبنانية اللاجئين للموت" بحسب عبد الرحمن، "بدلاً من ان تعمل على اخراج عناصر حزب الله اللبناني من سوريا الموجودين بشكل غير شرعي، وعلى مفوضية اللاجئين متابعة قضية الترحيل التي تتعارض مع كافة القوانين الدولية والتي يفرض على لبنان الالتزام بها، فالمرحلّون ليسوا مجرمين مطلوبين للإنتربول، بل لاجئين يبحثون عن ملاذ آمن". 

من جانبها، أكدت المسؤولة الإعلامية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، دلال حرب، في حديث لموقع "الحرة"، أن "مفوضية اللاجئين تدعو إلى الإنزال الآمن للأشخاص الذين يعانون من محنة في البحر، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتواصل حملاتها التوعوية للاجئين حول المخاطر التي ينطوي عليها الشروع في مثل هذه الرحلات، ويحصل الذين يتم إنقاذهم في البحر أو إعادتهم إلى لبنان على الدعم الطبي والنفسي والمساعدة في حالات الطوارئ". 

وكانت دراسة أجرتها مؤسسة JUSTICIA الحقوقية نبهت إلى نقطتين "عند ترحيل النازحين السوريين"، الأولى تفيد بأن "السلطات اللبنانية ملزمة قانوناً بمنح أي مواطن سوري موضوع قرار الترحيل الوقت الكافي لتقديم الدفاع عن نفسه والاعتراض على قرار ترحيله وتوضيح أسباب عدم رغبته بالعودة إلى سوريا ومراجعة القضاء أو البحث عن بلد آخر للانتقال اليه، ذلك لأنه متعلق بالقواعد الإنسانية العامة والمحمية بموجب القانون الدولي حيث تنصّ في الفقرة "ب" من مقدمة الدستور اللبناني". 

النقطة الثانية تتعلق بنصّ المادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 1948، التي انضم إليها لبنان عام 2000، التي تنصّ على أنه "لا يجوز لأي دولة طرف أن تطرد أي شخص أو تعيده (أن ترده) أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقة تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب". 

مآس مستمرة 

هرب جمعة (الوالد لخمسة أبناء)، من الحرب الدائرة في سوريا، من القتل والدمار وسجون النظام، قصد لبنان من أجل الأمن والأمان، تحّمل الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث استأجر (بيك آب) للعمل عليه، إلا إنه قبل أشهر تعرّض كما يقول ياسين "لحادث سير أدى إلى إصابته في يده ورجله، وكون الفاتورة الاستشفائية في لبنان باهظة، لم يجد أمامه سوى باب الهجرة غير الشرعية للانتقال إلى المانيا حيث يتواجد عدد من أقاربنا وذلك من أجل إكمال علاجه". 

أيّدت عائلة وأهل جمعة قراره بحسب ياسين "فالأوضاع في لبنان لم تعد تحتمل، بدل إيجار منزله في باب التبانة في طرابلس مئة الدولار، وفاتورة المولد 60 دولار، في وقت أسعار المواد الغذائية لا يصدقها عقل، وفوق ذلك فصلتنا مفوضية اللاجئين من المساعدة المالية والغذائية"، ويضيف "رغم ذلك لم نؤيد توقيت الرحلة، كوننا في فصل الشتاء، لكن جمعة أصر على ذلك مستعجلاً الخلاص، أمنّا مبلغ 6000 دولار للمهربين، ولو استطعنا تأمين المزيد لحجزت أنا الآخر مكاناً على متن القارب، وهذا ما سأقوم واياه به في المستقبل، فالعيش في لبنان لم يعد يحتمل". 

مآسي قوارب الهجرة غير الشرعية المنطلقة من شواطئ لبنان تتوالى، أبرزها غرق قارب كان يضم ما يزيد عن 80 مهاجراً في أبريل الماضي، وذلك بعد اصطدامه بخافرة للجيش اللبناني كانت تلاحقه، وبعد إنقاذ عدد كبير ممن كانوا على متنه وانتشال جثث البعض الآخر، لا يزال البحر يبتلع ما يقارب الثلاثين جثة غالبيتها من نساء وأطفال، حيث عجزت السلطات اللبنانية وغواصة استقدمت بمبادرة خاصة، عن انتشالها نظراً لعمق المياه في مكان الكارثة. 

وفي شهر سبتمبر الماضي، غرق قارب كان يقل نحو 170 شخصاً، أمام السواحل السورية، ففارق عدد كبير منهم الحياة فيما لا يزال مصير العشرات مجهولاً، مما دفع مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، إلى دعوة "المجتمع الدولي إلى التضامن الكامل للمساعدة في تحسين ظروف النازحين قسراً والمجتمعات المضيفة في الشرق الأوسط، لا سيما في البلدان المجاورة لسوريا حيث يتم دفع الكثير من الناس إلى حافة الهاوية". 

أما المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة، أنطونيو فيتورينو، فقال "لا ينبغي أن يضطر الأشخاص الباحثون عن الأمان إلى القيام برحلات هجرة محفوفة بالمخاطر ومميتة في كثير من الأحيان"، مضيفاً "يجب أن نعمل معاً لزيادة المسارات الآمنة والقانونية للهجرة النظامية للمساعدة في تقليل الخسائر في الأرواح وحماية الأشخاص المستضعفين أثناء التنقل".

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".