رلاجئون في انتظار "قارب الرحيل"- لقطة أرشيفية
لاجئون في انتظار "قارب الرحيل"- لقطة أرشيفية

في اليوم الأخير من عام 2022، انطلق 234 شخصاً، على متن قارب من شمال لبنان آملين الوصول إلى الشواطئ الإيطالية ومنها إلى إحدى الدول الأوروبية، من دون أن يتمكّنوا من الوصول إلى هدفهم نتيجة تعطّل محرك المركب.

وبعد إنقاذ 232 منهم، وانتشال جثتين، تفاجأ الركاب الذين يحملون الجنسية السورية بنقلهم من قبل الجيش اللبناني، إلى الحدود اللبنانية السورية. 

عند الساعة الخامسة من صباح السبت الماضي أبحر القارب من شمال لبنان إلى وجهته. على أمواج الأمل حمل الركاب إلى حلمهم، قبل أن يتعطّل عند حوالي الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر، لتبدأ المياه بالتسلل إلى داخله، تمكّن بعض الركاب من التواصل مع عائلاتهم لتسارع البحرية اللبنانية وقوات اليونيفيل لإنقاذهم.   

أوضح الجيش اللبناني في بيان، أنه نقل الركاب إلى مرفأ طرابلس، لكن بحسب ما يؤكد ياسين ياسين "سلّم الجيش اللبناني الركاب السوريين ومن بينهم شقيقه جمعة إلى الفرقة الرابعة السورية في منطقة وادي خالد الحدودية". 

وعبّر ابن ادلب عن استهجانه لما أقدم عليه الجيش اللبناني، قائلاً "تسليم السوريين لاسيما المطلوبين منهم إلى النظام السوري، يعني تعريضهم للسجن والتعذيب حتى الموت، فإن كنا نشكر البحرية اللبنانية واليونيفيل على إنقاذ أرواح الركاب، لكن سؤالنا لماذا لم يسمح لهم بمغادرة مرفأ طرابلس وبدلاً من ذلك جرى ترحيلهم قسراً". 

وأصبحت "قوارب الموت" الأمل الوحيد للنجاة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية مأساوية يمر بها لبنان، فمنذ 2019، يعيش البلد أزمة اقتصادية حادة، صنفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، حيث فقدت الليرة قيمتها بعدما تخطى سعر صرف الدولار الواحد عتبة الـ47 ألف ليرة، قبل أن يتراجع سعر صرفه حوالي 5 آلاف ليرة. 

بين التأكيد والنفي 

وتمكّنت عائلة ياسين من إنقاذ جمعة، وذلك بعد التواصل مع مهربين على صلة بعناصر الفرقة الرابعة، يقول ياسين: "دفعنا 500  دولار، منها 200 دولار للمهربين و300 دولار للفرقة الرابعة، لكن ما مصير السوريين الذين لا تملك عائلاتهم المال لاستعادتهم، وهم الذين فضلوا المخاطرة بأرواحهم وحتى الموت في البحر، على خيار البقاء في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في لبنان أو العودة إلى بلدهم والموت تحت التعذيب في سجون النظام".

وتساءل "كيف تسمح مفوضية اللاجئين أن يتم تسليم أشخاص مسجلين لديها إلى النظام السوري، منهم من هم مطلوبون ومن بينهم شقيقي". 

كذلك أكد أحد الركاب، الذين كانوا على متن القارب (خشي الإفصاح عن اسمه) أن الجيش اللبناني سلّمه والسوريين الذين كانوا برفقته إلى الفرقة الرابعة، شارحاً "أمضيت تحت رحمة عناصرها لساعات من دون أن أتعرض لتعذيب، وذلك حتى تمكّن أهلي من دفع 200 دولار مقابل الإفراج عني"، مؤكداً أن "عدداً من الذين جرى تسليمهم تم نقلهم إلى داخل الأراضي السورية". 

وفي حديث مع موقع الحرة، نفت مخابرات الجيش اللبناني ترحيل من كانوا على متن القارب إلى سوريا، لكن مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والمدافع عن حقوق الانسان، المحامي محمد صبلوح، يشدد على أنه "للمرة الثانية على التوالي، خلال أقل من شهر، يقدم الجيش اللبناني على ترحيل لاجئين سوريين اتخذوا قرار الهجرة على متن قوارب الموت". 

يشرح صبلوح لموقع "الحرة" أنه بعد أن أصدرت قيادة الجيش- مديرية التوجيه بلاغاً كشفت خلاله أنه بتاريخ 16 ديسمبر، أوقفت دورية من القوات البحرية، بمؤازرة دورية من مديرية المخابراتن مقابل شاطئ طرابلس 31 سوريّاً على متن زورق أثناء محاولتهم التسلل بحراً خارج البلاد بطريقة غير شرعية، "تابعت القضية لمعرفة مصير الموقوفين، فتوصلت إلى انه جرى ترحيلهم إلى سوريا من قبل الجيش اللبناني، من دون أن أتمكن من التواصل مع أهلهم لإثبات ذلك". 

وبعد إنقاذ من كانوا على متن القارب الأخير، تابع صبلوح القضية، وبحسب ما يقول "حقق الجيش اللبناني مع الركاب، ليطلق بعدها اللبنانيين والفلسطينيين، في حين اتخذ القرار بترحيل الركاب السوريين، حيث نقلهم إلى وادي خالد على الحدود بين البلدين". 

كذلك يشدد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، في حديث لموقع "الحرة" على أنها "ليست المرة الأولى التي تقدم فيها السلطات اللبنانية على ترحيل السوريين بطريقة غير قانونية، ليكون مصيرهم الاعتقال لدى سلطات النظام السوري، إن لم يكن القتل سواء خلال فترة اعتقالهم، أو في الفترات التي تليها، وذلك خوفاً من إثارة الموضوع دولياً، ومن يتم الإفراج عنهم فإن ذلك يكون مقابل مبالغ مالية". 

مخالفات قانونية 

وأنقذ الجيش اللبناني واليونيفيل ركاب القارب وغالبيتهم من اللاجئين السوريين، باستثناء اللاجئة حميدة الطفران والطفلة وفاء الفيزو، اللتين فارقتا الحياة بعدما غرقتا خلال عملية الإنقاذ.

وانضمت ابنة الخمس سنوات إلى لائحة طويلة من الضحايا الأطفال الذين لقوا حتفهم في عرض البحر، وسبق أن أشارت "اليونيسف" في سبتمبر الماضي إلى أن لبنان "شهد خلال الأشهر الماضية ارتفاعا في مثل هذه المحاولات اليائسة للبحث عن الأمان وحياة أفضل في بلدان أخرى والتي خلّفت العديد من القتلى، إذ دفعت سنوات من عدم الاستقرار السياسي والأزمة الاقتصادية في لبنان العديد من الأطفال والأسر إلى الفقر مما أثر على صحتهم ورفاههم وتعليمهم". 

المآسي التي يشهدها البحر، تذكير قاسٍ بحسب اليونيسف بأن "هناك حاجة ماسة للعمل الجماعي لمنع العائلات من خسارة أرواحها في البحر"، مشددة على أن "كل حالة وفاة لطفل في البحر تؤكد على الحاجة إلى حماية الأطفال ودعمهم أينما كانوا وتوسيع الخيارات المتاحة للأطفال والعائلات للتنقل بأمان دون الاضطرار إلى المخاطرة بحياتهم". 

التدخل السريع للجيش اللبناني وإنقاذه حياة ركاب القارب، عمل يشكر عليه،  كما يقول صبلوح "إلا إنه من غير المقبول ترحيل اللاجئين وتعريض حياتهم للخطر، خاصة إذا كانوا معارضين".

ويشدد على أن "قرار الترحيل يجب أن يأخذه الأمن العام بعد الاطلاع على ملف كل منهم والتأكد من تاريخ صلاحية إقامته، وفيما إن كان مطلوباً في بلده من عدمه، وتاريخ دخوله إلى لبنان تطبيقاً لقرار مجلس الدفاع الأعلى الصادر في 15 أبريل 2019، والقاضي بترحيل السوريين الذين دخلوا لبنان دون المرور بالمعابر الرسمية، وكذلك إن كان يحمل بطاقة لاجئ من الأمم المتحدة، بالتالي ما أقدم عليه الجيش اللبناني يخالف القانون اللبناني لا سيما وأنه لا يوجد حكم قضائي لترحيل ركاب القارب". 

كما أن إجراء الجيش اللبناني بحسب صبلوح "يخالف الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها لبنان والتي تمنعه من الأقدام على ترحيل اللاجئين بهذه الطريقة، خاصة أن الوضع في سوريا غير آمن، كما ان عددا منهم مطلوب للنظام السوري، ما يعني أن مصيرهم الاعتقال والتعذيب وربما القتل، وبالتالي نكون أمام مخالفة فاضحة لاتفاقية مناهضة التعذيب، التي سبق أن وقّع عليها لبنان". 

شهد ملف اللاجئين السوريين في لبنان تصعيدا غير مسبوق في الفترة الأخيرة، وصل إلى حد وضع الحكومة اللبنانية خطة تقوم على إعادة 15 ألف لاجئ شهريا، ورغم تحذيرات لمنظمات حقوقية دولية من الإعادة القسرية، بدأت السلطات اللبنانية بتنفيذ خطة العودة، حيث غادر 511 لاجئ في أولى قوافل العودة في شهر أكتوبر الماضي، وفي الشهر التالي غادر 330 لاجئاً. 

"تسلّم السلطات اللبنانية اللاجئين للموت" بحسب عبد الرحمن، "بدلاً من ان تعمل على اخراج عناصر حزب الله اللبناني من سوريا الموجودين بشكل غير شرعي، وعلى مفوضية اللاجئين متابعة قضية الترحيل التي تتعارض مع كافة القوانين الدولية والتي يفرض على لبنان الالتزام بها، فالمرحلّون ليسوا مجرمين مطلوبين للإنتربول، بل لاجئين يبحثون عن ملاذ آمن". 

من جانبها، أكدت المسؤولة الإعلامية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، دلال حرب، في حديث لموقع "الحرة"، أن "مفوضية اللاجئين تدعو إلى الإنزال الآمن للأشخاص الذين يعانون من محنة في البحر، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتواصل حملاتها التوعوية للاجئين حول المخاطر التي ينطوي عليها الشروع في مثل هذه الرحلات، ويحصل الذين يتم إنقاذهم في البحر أو إعادتهم إلى لبنان على الدعم الطبي والنفسي والمساعدة في حالات الطوارئ". 

وكانت دراسة أجرتها مؤسسة JUSTICIA الحقوقية نبهت إلى نقطتين "عند ترحيل النازحين السوريين"، الأولى تفيد بأن "السلطات اللبنانية ملزمة قانوناً بمنح أي مواطن سوري موضوع قرار الترحيل الوقت الكافي لتقديم الدفاع عن نفسه والاعتراض على قرار ترحيله وتوضيح أسباب عدم رغبته بالعودة إلى سوريا ومراجعة القضاء أو البحث عن بلد آخر للانتقال اليه، ذلك لأنه متعلق بالقواعد الإنسانية العامة والمحمية بموجب القانون الدولي حيث تنصّ في الفقرة "ب" من مقدمة الدستور اللبناني". 

النقطة الثانية تتعلق بنصّ المادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 1948، التي انضم إليها لبنان عام 2000، التي تنصّ على أنه "لا يجوز لأي دولة طرف أن تطرد أي شخص أو تعيده (أن ترده) أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقة تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب". 

مآس مستمرة 

هرب جمعة (الوالد لخمسة أبناء)، من الحرب الدائرة في سوريا، من القتل والدمار وسجون النظام، قصد لبنان من أجل الأمن والأمان، تحّمل الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث استأجر (بيك آب) للعمل عليه، إلا إنه قبل أشهر تعرّض كما يقول ياسين "لحادث سير أدى إلى إصابته في يده ورجله، وكون الفاتورة الاستشفائية في لبنان باهظة، لم يجد أمامه سوى باب الهجرة غير الشرعية للانتقال إلى المانيا حيث يتواجد عدد من أقاربنا وذلك من أجل إكمال علاجه". 

أيّدت عائلة وأهل جمعة قراره بحسب ياسين "فالأوضاع في لبنان لم تعد تحتمل، بدل إيجار منزله في باب التبانة في طرابلس مئة الدولار، وفاتورة المولد 60 دولار، في وقت أسعار المواد الغذائية لا يصدقها عقل، وفوق ذلك فصلتنا مفوضية اللاجئين من المساعدة المالية والغذائية"، ويضيف "رغم ذلك لم نؤيد توقيت الرحلة، كوننا في فصل الشتاء، لكن جمعة أصر على ذلك مستعجلاً الخلاص، أمنّا مبلغ 6000 دولار للمهربين، ولو استطعنا تأمين المزيد لحجزت أنا الآخر مكاناً على متن القارب، وهذا ما سأقوم واياه به في المستقبل، فالعيش في لبنان لم يعد يحتمل". 

مآسي قوارب الهجرة غير الشرعية المنطلقة من شواطئ لبنان تتوالى، أبرزها غرق قارب كان يضم ما يزيد عن 80 مهاجراً في أبريل الماضي، وذلك بعد اصطدامه بخافرة للجيش اللبناني كانت تلاحقه، وبعد إنقاذ عدد كبير ممن كانوا على متنه وانتشال جثث البعض الآخر، لا يزال البحر يبتلع ما يقارب الثلاثين جثة غالبيتها من نساء وأطفال، حيث عجزت السلطات اللبنانية وغواصة استقدمت بمبادرة خاصة، عن انتشالها نظراً لعمق المياه في مكان الكارثة. 

وفي شهر سبتمبر الماضي، غرق قارب كان يقل نحو 170 شخصاً، أمام السواحل السورية، ففارق عدد كبير منهم الحياة فيما لا يزال مصير العشرات مجهولاً، مما دفع مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، إلى دعوة "المجتمع الدولي إلى التضامن الكامل للمساعدة في تحسين ظروف النازحين قسراً والمجتمعات المضيفة في الشرق الأوسط، لا سيما في البلدان المجاورة لسوريا حيث يتم دفع الكثير من الناس إلى حافة الهاوية". 

أما المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة، أنطونيو فيتورينو، فقال "لا ينبغي أن يضطر الأشخاص الباحثون عن الأمان إلى القيام برحلات هجرة محفوفة بالمخاطر ومميتة في كثير من الأحيان"، مضيفاً "يجب أن نعمل معاً لزيادة المسارات الآمنة والقانونية للهجرة النظامية للمساعدة في تقليل الخسائر في الأرواح وحماية الأشخاص المستضعفين أثناء التنقل".

مواضيع ذات صلة:

Fire following over-border rockets launched at Israel from Lebanon amid Hezbollah and Israeli forces hostilities
تُظهر الصورة تصاعد النيران في الجانب الإسرائيلي بعد ضربات صاروخية من لبنان- تعبيرة

في ظل التهديدات المتزايدة بتوسع الصراع بين حزب الله وإسرائيل وتوجيه السفارات العربية والغربية دعوات عاجلة لرعاياها بمغادرة البلاد، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، ويعيشون حالة من القلق المتزايد دون أي اهتمام أو توجيه من الحكومات في مختلف مناطق السيطرة داخل سوريا، أو من المنظمات الدولية والمحلية المعنية باللاجئين.

 

أين يذهب السوريون؟

من ضاحية بيروت الجنوبية، يروي الشاب الثلاثيني خالد لـ"ارفع صوتك": "منذ بداية التصعيد أعيش حالة من الخوف المستمر.. كلما سمعت أصوات الطائرات الحربية أو خرق جدار الصوت، أفكر في أسوأ السيناريوهات، فغالبية السفارات طلبت من رعاياها المغادرة، ولكن ماذا عنا نحن؟!".

يضيف خالد الذي يعمل في أحد مطاعم المأكولات السريعة، إن السوريين الذين لجأوا إلى لبنان هرباً من ويلات الحرب في وطنهم، يجدون أنفسهم الآن محاصرين مرة أخرى.

"ليس لدينا أي خيار سوى البقاء؛ فنحن لسنا رعايا لدولة يمكن أن تهتم بنا أو ترسل طائرات لإجلائنا، أو تعطينا توجيهات الأمن والسلامة، أو تفتح أبوابها لاستقبالنا. أشعر أننا منسيون"، يتابع خالد بحسرة.

بالنسبة لعبد الله (39 عاما) الذي سبق أن اعتقله النظام السوري سنة 2013، ويعمل حالياً بأجر يومي في منطقة البقاع اللبنانية، فإنه "سيضطرّ للمجازفة والبحث عن أي طريقة للهروب".

يقول لـ"ارفع صوتك": "لا أريد أن أتعرض لما تعرضتُ له في سوريا مرة أخرى".

وينتقد عبد الله  أداء المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالشأن السوري مردفاً "لم يخبرنا أحد ماذا نفعل في حال نشبت الحرب وإلى أين ننتقل، ولا أحد يجيب على اتصالاتنا وأسئلتنا ومخاوفنا".

يوضح: "بعض السوريين ممن لا مشكلات لهم مع النظام ربما يفكرون بالعودة كحل إذا توسعت الحرب على لبنان، أما من لديه مشاكل أمنية أو كان من المعارضين للنظام، فسيبقى أو سيحاول البحث عن طرق للهجرة إلى أوروبا أو أي دولة أخرى، رغم التكاليف المالية الكبيرة ومخاطر الهجرة في البحر أساساً".

تقيم أم محمد (43 عاما)  مع أبنائها الخمسة في مدينة صور منذ عام 2014 حين لجأت للبنان من ريف دمشق. ترى أن الحل في العودة لبلادها. فمع تصاعد التوترات الأمنية، "يفكر بعض اللاجئين بالعودة لسوريا، رغم الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة هناك".

"لكن لا يوجد لدينا خيار آخر"، تؤكد أم محمد.

حملة إخلاء "شرسة" في شمال لبنان.. اللاجئون السوريون يواجهون مصيرا مجهولا
كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمال البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

ارتفاع الإيجارات بشكل كبير

تسببت الضربات الإسرائيلية على القرى الحدودية اللبنانية والتهديد باستهداف ضاحية بيروت الجنوبية بنزوح الكثير من العائلات اللبنانية إلى مناطق أكثر أمانا في الداخل اللبناني، ما أدى لارتفاع إيجارات الشقق والمنازل، وألقى بتبعاته على النازحين السوريين الراغبين في الانتقال.

تقول سعاد رملاوي، وهي أم سورية لثلاثة أطفال وتقيم في منطقة "الجناح" في العاصمة اللبنانية بيروت "أشعر أننا عالقون في دوامة جديدة من الخوف، لا أستطيع النوم ليلاً وأنا أفكر في ما قد يحدث غداً إذا توسعت الحرب وكيف سأحمي أطفالي؟".

وتبين لـ"ارفع صوتك" أن نزوح أهالي الجنوب اللبناني وأهالي ضاحية بيروت الجنوبية لمناطق في الداخل اللبناني "رفع الإيجارات بشكل كبير، حتى أصبحت خارج متناول قدرة العائلات السورية"، مستدركة "رغم ذلك فإن الحل الوحيد المتاح لي  هو الانتقال لمناطق آمنة مهما ارتفعت الأسعار".

 

ماذا يقول اللبنانيون؟

تتفاوت الآراء حول مصير السوريين وسط التعيد العسكري واحتمالات الحرب الأوسع التي تلوح في الأفق. 

من جهته، يقول معروف الحراكي، وهو مسن لبناني من بلدة عبية في جبل لبنان "الوضع صعب على الجميع، ونحن نعرف ما يشعر به النازحون سواء كانوا سوريين أم لبنانيين لأننا مررنا بنفس الظروف خلال الحرب الأهلية وهُجّرنا من بيوتنا مرات عديدة، ويجب أن نتضامن معهم في هذه الأوقات الصعبة".

في المقابل، يعتقد البعض أن الأولوية يجب أن تكون لحماية اللبنانيين وتوفير الظروف الملائمة لهم في حال توسعت الحرب.

يقول رامي حداد، وهو موظف حكومي لبناني "الأولوية الآن يجب أن تكون لتأمين اللبنانيين، وعلى الحكومة أن تضع خططاً واضحة لحماية مواطنيها وتوفير الإمدادات الأساسية للصمود خلال الحرب".

في السياق نفسه، يرى المحامي والناشط الحقوقي اللبناني المتخصص بشؤون اللاجئين السوريين محمد صبلوح، أن الحكومة اللبنانية والأجهزة اللبنانية والمنظمات لم تقم بعمل خطة لمواجهة سيناريو نشوب الحرب.

يقول لـ"ارفع صوتك": "نحن نعيش كل يوم بيومه ولا يوجد أي خطة للمواجهة".

ويوجّه صبلوح نصيحة للاجئين السوريين في حال اندلعت الحرب ألّا يغادروا منازلهم "فالعين مفتوحة عليهم، وكثير من المسؤولين لديهم مخاوف واتهامات للاجئين بأنهم مسلحون، وسيشتركون في الحرب مع حزب الله، رغم كونهم أضعف الموجودين في لبنان" على حدّ تعبيره.

يتابع "أنصحهم بالبقاء في منازلهم ريثما تتم معالجة قضاياهم، وأدعوهم لعدم التدخل في أي حدث أمني، فالبلد فيها جيش وفيها حكومة قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة".

الفقر في لبنان يتضاعف ثلاث مرات.. وضحاياه يروون قصصهم
يوماً بعد يوم، تتسع هوة الفقر في لبنان، مبتلعة المزيد من اللبنانيين في آتونها، ليغرقوا في حرمان متعدد الأبعاد وقيود ثقيلة تطال كل جانب من جوانب حياتهم، وبعد مرور نحو خمس سنوات على الأزمة الاقتصادية، أصبح تأمين أبسط احتياجات الحياة الكريمة حلماً بعيد المنال للعديد من العائلات.

ويشير صبلوح إلى أن لبنان يخضع لاتفاقيات دولية ولقواعد إنسانية تلزمه بحماية اللاجئين، وهو يحصل على مساعدات لقاء ذلك، مشدداً "يجب على لبنان أن يقوم بعمل خطة طوارئ لحماية اللبنانيين وحماية اللاجئين، وتأمين أبسط مقومات العيش الكريم لهم عبر للمساعدات التي يحصل عليها".

ويعتبر أن  حماية اللاجئين السوريين "مسؤولية المجتمع الدولي، كونه قادرا على إلزام لبنان بحمايتهم".

"كما يجب على مفوضية الأمم المتحدة أن تقوم بدورها ولا تغلق مكاتبها" يقول صبلوح، لافتا إلى وجود علامات استفهام على أداء العديد من الموظفين في المفوضية.

أما بالنسبة للتعاون بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية المختصة باللاجئين، فهو بحسب صبلوح تعاون "شكلي وضعيف"، حتى أن "بعض الأجهزة تتهم المنظمات بأنهم عملاء للخارج وليس هدفهم مصلحة لبنان".