صورة أرشيفية من أحد مخيمات اللاجئين السوريين- تعبيرية
صورة أرشيفية من أحد مخيمات اللاجئين السوريين- تعبيرية

يطوي اللاجئون السوريون في لبنان، صفحة عام 2022، دون أن يشعروا بتغيير ملحوظ على أوضاعهم المعيشية الصعبة، التي تبدو مضاعفة بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلد المُضيف منذ سنوات.

تقول الخبيرة اللبنانية والباحثة في الشؤون الاقتصادية محاسن مرسل، لـ"ارفع صوتك"، إن العام الجديد 2023 "سيكون أشبه بعام السحق الاقتصادي للاجئين السوريين وللبنانيين وسائر المقيمين في البلاد على حد سواء".

وترى أن "ملف اللاجئين يُستغلّ في لبنان ضمن البازار السياسي وعلى القطعة (أي باستخدام كل فرد على حدة)، ما يعني أنهم ورقة ضغط أمام المجتمع الدولي".

وعن إعادة اللاجئين السوريين لبلادهم، تشير مرسل، إلى "غياب المعالجة السليمة لوضعهم التي تتطلب تأمين العودة الآمنة لهم"، مردفةً "لا يوجد كوتا تظهر أن خطة العودة الآمنة تتبلور. لا يوجد شيء سوى استغلالهم سياسياً، والحديث عن احتمال منع لبنان تأمين المساعدات الدولية، رغم أنه يشكل خرقاً للاتفاقيات الدولية". 

"ومع ذلك، هناك حديث عن وقف هذه المساعدات، لكننا نؤكد على ضرورة السعي لضمان العودة الآمنة للاجئين إلى سوريا، وحتى ذلك الحين، لا يمكن لأحد أن يجردهم من مقومات العيش"، تتابع مرسل.

وتوضح أن "مقومات العيش لا تقتصر على الطعام فقط، علماً بأن بعض اللاجئين يقتاتون على الفتات ويبحثون عن الطعام في مستوعبات النفايات. وإذا أردنا استذكار أكثر المراحل التي طبعت العام الماضي، لا يمكننا إلا أن نذكر أزمة الخبز التي تفجرت في لبنان بأسره وانسحبت على المخيمات. وعكست هذه الأزمة الكثير من قلة المسؤولية وزادت من التشنجات بين اللبنانيين والسوريين".

 

"لا نشعُر بالتفاؤل"

اللاجئة السورية وفاء، التي تقيم في لبنان منذ أكثر من عشر سنوات، تقول لـ"ارفع صوتك"، إن عام 2022، كان أشبه "بالجحيم"، مضيفةً "لا نشعر بالكثير من التفاؤل.. لقد اختبرنا آلاماً جديدة لم نتوقعها، فإلى جانب ألم التهجير والتفرّق عانينا من ألم الصقيع. تشققت أيدينا من الماء البارد وجاهدنا كثيرا حتى لا نموت برداً".

"أجسادنا تحكي قصتنا.. شفاهنا الجافة وعيوننا الغائرة وجلدنا الجاف يقول الكثير عن سوء التغذية وعن تأثيرات العوامل الطبيعية من حر وبرد. ثم تأتي طبقات من الصبغات الجلدية التي تعرف منها نوع العمل الذي مارسه الشخص هذا العام من فني سيارات مثلا إلى دهان أو نوع المعاناة على غرار دخان الفحم الذي يخفي معالم الوجه"، تتابع وفاء.

وتؤكد أنها "لم تستحم كما تريد طوال العام الماضي" مشيرة إلى أثر ذلك في تشققات قدميها التي تشعرها "بالخجل"، كما أنها ترتدي على الدوام ملابس تحت عباءتها "تحسّباً لأي طارئ".

وتختم وفاء حديثها بالقول: "أحيانا ننسى أي يوم هو هذا حتى يحلّ موعد صلاة الجمعة، تكمل وفاء، فننتبه إلى مرور أسبوع دون أن نحتسب الأيام الهاربة. يتكرر الشريط نفسه ثم ندرك فجأة أن عاماً بحاله قد مرّ".

 

علي طافش

في بلدة كترمايا التابعة لجبل لبنان، يصف عضو البلدية علي طافش، لـ"ارفع صوتك"، خيام اللاجئين السوريين في مخيم صغير يقيمون فيه داخل البلدة: "مصنوعة من البلاستيك بأعمدة خشبية، والحمامات مشتركة للرجال وللنساء كل على حدة".

ويوضح طافش الذي قدّم وجمعيته "الحياة والنور"، قطعة أرض لإقامة المخيم:  "كانت الأحوال أفضل قليلا في السنوات الماضية لدرجة أننا نراها اليوم نعيماً، لكن عام 2022 كان قاسياً للغاية، وبلدتنا تفتقر للمولدات الكهربائية".

"بالتالي، كانت الخيم باردة وبلا كهرباء أو ماء. والمخيم معتم للغاية والمعاناة تثقل سكانه من كبار في السن وأرامل وأيتام ممن فقدو أهلهم في الغارات التي شنها النظام في سوريا"، يتابع طافش. 

ويتذكر أزمة الخبز التي لم تنته بعد، راوياً، أن اللاجئين السوريين اعتادوا الوقوف في الطوابير بانتظار الحصول على ربطة الخبز، لكن حالياً "بات حتى الخبز صعب المنال بالنسبة للجميع خصوصا مع ارتفاع سعر الربطة مقابل انخفاض عدد الأرغفة فيها. فكيف مثلا لشخص أن يؤمن الخبز يوميا بـ 50 ألف ليرة لبنانية لعائلته أي أكثر من نصف راتبه شهريا؟! هذا عدا عن اللحوم والدجاج التي ما عادت متاحة للبنانيين ميسوري الحال فما بالك باللاجئين الذين غالبا ما يعيشون على أمل عطاء أصحاب الأيادي البيضاء!"، وفق تعبير طافش. 

ويقول إن أزمة جائحة فيروس كورونا "مثلت الضربة القاضية"، مردفاً "لم تتوفر الطبابة وكانت الموارد ضئيلة للغاية وأغلبها يستند إلى الصدقات وإلى أهل الخير".

الأزمة وصلت المقابر أيضاً، يبيّن طافش: "حرصنا كثيراً في بلدتنا على دفن كل الموتى من اللاجئين في مقابرنا، لكن اليوم مع ازدياد الأعداد، حتى المقابر ضاقت، فصرنا نرسل الجثامين إلى البقاع، بمساعدة أصحاب الأيادي البيضاء الذين يؤمّنون بدل النقل المرتفع للغاية، ويحرصون على تأمين الدفن اللائق والكريم". 

مواضيع ذات صلة:

وزارة الصحة في غزة ترصد إصابة رضيع بمرض شلل الأطفال
وزارة الصحة في غزة ترصد إصابة رضيع بمرض شلل الأطفال (أرشيف)

في أحد مخيمات النازحين الفلسطينيين غرب دير البلح (وسط غزة)، تعيش، نفين أبو الجديان، مأساة، فقد أصيب ابنها، عبد الرحمن أبو الجديان (10 أشهر)، بشلل الأطفال، وهي حالة الإصابة الأولى التي يتم تسجيلها في القطاع منذ 25 عاما.

نزحت الأسرة قبل 11 شهرا من مخيم جباليا للاجئين شمال غزة، وهي تعيش ظروفا مزرية في مخيم النازحين حيث لا تتوفر مياه ولا طعام صحيان، ولا يتوفر العلاج لطفلها الصغير.

وزار مراسل موقع "أخبار الأمم المتحدة" في غزة الأسرة في خيمتها وتحدث مع نفين التي روت قصة إصابة ابنها بالشلل في الجزء السفلي من ساقه اليسرى.

وقالت: "أصيب ابني باستفراغ وسخونة. توجهت به إلى إحدى المستشفيات ولم أتوقع أن يكون الأمر خطيرا. كان الطفل نائما طوال الوقت ولم يكن يصحو أو يرضع (كما ينبغي) لمدة أسبوعين إلى أن شك الأطباء في إصابته بالمرض، فتم أخذ عينة منه وإرسالها إلى الأردن".

وأضافت "بعد أسبوعين أخبروني أنه مصاب بشلل الأطفال وأنه لا يوجد علاج ولا إمكانية لعلاجه. ابني سيظل هكذا ولا أدري ماذا سأفعل".

"صدمة كبيرة"

تقول الأم إن خبر إصابة ابنها بالشلل كان ثقيلا عليها: "كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي ولأطفالي ولوالدهم. تساءلنا لماذا يصاب هذا الطفل، وكيف أصيب، ومن أين أتى المرض؟ لقد استغربت. فأخبرونا أنه أصيب عن طريق المياه الملوثة لأن الوضع المعيشي ليس صحيا. كان طفلي بصحة جيدة وكان يتحرك وفجأة تدهورت حالته".

وأوضحت أن النزوح المتكرر حال دون حصول ابنها على التطعيمات اللازمة الأمر الذي تسبب في إصابته بالشلل، وقالت "عندما نزحنا من الشمال كان عمره شهرا. وكان يفترض أن يتلقى الحقنة عندما حدث النزوح. وظللنا نتنقل من مكان لآخر. وقد شكل هذا عائقا (أمام حصوله على التطعيمات)".

أمل في العلاج خارج القطاع

وتعرب نفين عن أملها في أن يتم إخراج ابنها إلى خارج القطاع كي يتلقى العلاج، وتضيف: "حتى المقويات التي يتناولها هي مقويات تعطى لأي طفل عادي، سواء الكالسيوم أو الفيتامينات، ولم تساعده بأي شيء (...) وحالة الطفل لا تتحسن بل تسوء أكثر".

الأم التي تعاني مع أسرتها من وطأة الفقر والنزوح، تقول إنه ليس بإمكانها توفير أبسط المستلزمات لابنها: "ابني بحاجة إلى المياه المفلترة باستمرار. أنا معي عائلة ووضعي لا يسمح لي بشراء المياه المعدنية له باستمرار".

أمنية واحدة

حاليا، ليس لدى الأم سوى أمنية واحدة وهي أن يعود ابنها سليما معافى مثلما كان في السابق: "أتمنى أن يعود طفلي مثلما كان وأتمنى أن تعود إليه صحته سواء عن طريق إخراجه للخارج أو أن يتم توفير العلاج له هنا. أو أي وسيلة كي يتمكن من استعادة صحته. ابني هنا ولا أحد يسأل عنه ولا يتوفر له العلاج وأنا كأم ليس باستطاعتي أن أساعده بأي شيء".

وتعتزم وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها إجراء جولتين من حملة تطعيم واسعة آخر الشهر الحالي ضد شلل الأطفال لتطعيم أكثر من 640 ألف طفل ضد المرض. وقد جلبت منظمة اليونيسف 1.2 مليون جرعة من اللقاح إلى قطاع غزة استعدادا لإجراء حملة التطعيم.

وطالبت الأمم المتحدة جميع أطراف الصراع بوقف القتال لأسباب إنسانية في القطاع لمدة 7 أيام للسماح بإجراء جولتي التطعيم.