جانب من مدينة غازي عنتاب التركية، التي يقيم فيها عدد كبير من اللاجئين السوريين- أرشيفية
جانب من مدينة غازي عنتاب التركية، التي يقيم فيها عدد كبير من اللاجئين السوريين- أرشيفية

يعاني أحمد كلزي وهو لاجئ سوري مقيم في تركيا منذ ثلاث سنوات، من صعوبة التنقل داخل ولايته جنوب تركيا، لأنه يحمل بطاقة حماية مؤقتة صادرة عن مدينة أنطاكية، ولكنه يعمل ويقيم في مدينة غازي عنتاب.

هذا الأمر، يصعّب عليه التنقل بحرية داخل مدينة غازي عنتاب بسبب القوانين التركية، إذ ينص القانون على ضرورة بقاء الشخص في الولاية التي استصدر منها بطاقة الحماية المؤقتة.

يشرح أحمد لـ"ارفع صوتك"، أنه اضطر للعمل في غازي عنتاب لغياب الفرص في أنطاكية، كما تتواجد عائلته هناك. ولا يمكنه تغيير مكان إصدار البطاقة، لافتقاره إلى إذن العمل.

وعادة ما يستغل أصحاب العمل ظروف اللاجئين، فيشغلّونهم دون أذونات عمل، لأنها توفر عليهم تكاليفها وتعفيهم من دفع الضرائب.

ويتواصل تحديث القوانين المتعلقة باللاجئين السوريين بشكل دائم في تركيا، إذ لم يكن سابقاً من الضرورة بقاء اللاجئ في نفس المدينة التي استصدر منها بطاقة لجوئه، ولم يكن هناك ضرورة للحصول على إذن سفر للخروج من مدينته إلى مدينة أخرى.

وكان اللاجئ السوري يستطيع الإقامة في أي حي يريد وفي أي مدينة، إلا أن القوانين الحديثة منعت على الأجانب بشكل عام الإقامة في حي يقطنه أكثر من 20%من الأجانب، وتم إغلاق عدد كبير من الأحياء في مدن كثيرة في وجه إقامة الأجانب.

كما تم إيقاف استصدار بطاقة الحماية المؤقتة المخصصة للاجئين في عدد من المدن، وخاصة التي يعيش فيها عدد كبير من اللاجئين، مثل مدينة إسطنبول وفيها أكبر عدد من اللاجئين السوريين، وكانت أول المدن التي أوقفت استخراج بطاقة الحماية المؤقتة.

 

بطاقة الحماية- الكيمليك

هي بطاقة تعريفية تحمل معلومات اللاجئين في تركيا، وصدرت عن الإدارة العامة لدائرة الهجرة التركية التابعة للحكومة التركية.

وبموجب بطاقة الكيمليك، يتم تقديم بعض المساعدات الصحية والمادية من قِبل الحكومة التركية لحامليها من اللاجئين السوريين، كل بحسب وضعه الصحي والمادي، وبناء على تقييمات معينة من الهلال الأحمر التركي ودائرة الهجرة.

وبحسب تعريف مفوضية اللاجئين للحماية المؤقتة، لا يمكن إعادة أي لاجئ سوري إلى سوريا ما لم يطلب هو ذلك.

ووفق أحدث إحصائية صادرة عن إدارة الهجرة التركية، بلغ عدد السوريين المسجلين تحت الحماية المؤقتة ثلاثة ملايين و474 ألفا و522، العدد الأكبر منهم في مدينة إسطنبول بأكثر من 540 ألف لاجئ.

 

ضياع الفرص

يقول مازن تكريتي وهو لاجئ سوري مقيم في مدينة غازي عنتاب، إنه استطاع تأمين منحة من شركة خاصة تساعده في تطوير نفسه في تخصصه في مجال تصميم الأزياء، في مدينة إسطنبول، إلا أنه ورغم حصوله على القبول، لن يستطيع المضيّ فيها لأن مكان استصدار بطاقة لجوئه غازي عنتاب.

يقول لـ"ارفع صوتك": "خسرت الكثير من الفرص أنا وأصدقائي لنفس السبب، وحتى لو حصلنا على إذن سفر، لن نستطيع البقاء في إسطنبول أطول من مدة الإذن الذي حصلنا عليه، وفي حال رغبنا بالمخالفة، سيتم اصطيادنا من قبل أي حاجز للشرطة ثم إعادتنا إلى مدينتنا، أو حتى ترحيلنا".

الخروج من غازي عنتاب، ليس بالأمر السهل أيضاً، إذ يتعين على المقيم فيها دفع ضرائب إضافية، يبين مازن "وفي حال مرضت أنا أو أحد أفراد عائلتي، لا يمكننا الاستفادة من الخدمات الصحية المجانية المرتبطة ببطاقة اللجوء في ولاية أخرى غير ولايتنا، بالتالي سنتكلف المزيد من المال للحصول على الخدمات الصحية المدفوعة".

"وكما تعلم نحن في فصل الشتاء ولا يكاد يمرعلينا أسبوع إلا ولدينا فرد مريض من أفراد العائلة"، يتابع مازن، مخاطباً مراسل "ارفع صوتك".

 

الانتخابات والتضييق

تعليقاً على هذه الإجراءات، يقول الناشط الحقوقي طه الغازي، إن هناك مادتين أساسيتين تتعلقان بحق التنقل والإقامة في تركيا: المادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي نصت بشكل واضح على حرية الأفراد كلاجئين بالتنقل والإقامة، والمادة (23) من الدستور التركي التي نصّت على حرية الحركة والإقامة والتنقل.

"وهناك تفرع من المادة (23) من الدستور التركي يتضمن تحديد حرية حركة الأجانب الموجودين ضمن تركيا، بحسب تعارض هذا الأمر مع النظام العام أو في بعض الحالات الخاصة والأمنية"، يضيف الغازي لـ"ارفع صوتك".

ويوضح أن التنقل من دون بطاقة الحماية المؤقتة خلال الفترة الماضية كان "صعبا جدا" بين اللاجئين السوريين، ليس فقط بين الولايات، إنما أيضاً التنقل ضمن أرجاء الولاية نفسها، مشيراً إلى إيقاف عدد كبير من السوريين في بعض المدن لأنهم يحملون "كيمليك" تابعة لمدينة أخرى، وتم زجهم في مراكز الترحيل، وتم ترحيل عدد منهم.

ويتوقع الغازي أن تشهد المرحلة المقبلة "المزيد من القرارات الإدارية، التي من شأنها التضييق على اللاجئين، بسبب الانتخابات".

ويلفت إلى أن بطاقات "الكيمليك" تتنوع أحياناً داخل العائلة الواحدة، إذ تكون صدرت للأب مثلاً من ولاية أضنة، بينما بقية العائلة من إسطنبول، وهذا يؤدي بالضرورة إلى "تمزّق الأسر"، وفق تعبير الغازي.

ويتابع: "أحياناً، يضطر الأب أن يتخفى بشكل دائم عن كل دوريات الشرطة خوفاً من توقيفه وترحيله، وهذا بحد ذاته أضاف حالة هلع وخوف لدى بعض الأفراد والعائلات من قضية التوقيف والترحيل، وهو ما حصل بالفعل مع العديد من اللاجئين".

 

برنامج التخفيف

في فبراير عام 2022، وبعد أحداث حي ألتنداغ في مدينة أنقرة، أطلق وزير الداخلية التركي برنامج التخفيف، الذي حدد من خلاله نسبة تواجد اللاجئين السوريين والأجانب في بعض الأحياء بنسبة 25% من إجمالي قاطني الحي، وتم تعديلها فيما بعد لتصل لنسبة 20%.

وفي سبتمبر الماضي، أشار وزير الداخلية إلى أن عدد الأحياء المغلقة في حوالي 52 ولاية وصل إلى 1169 حياً، باتت مغلقة ومحظورة أمام إقامة اللاجئين السوريين والأجانب للمرة الأولى.

يؤكد الغازي أن هذا القرار "شكل عبئاً اجتماعياً واقتصادياً على اللاجئين السوريين، فبعض أصحاب المنازل والمكاتب العقارية، استغلوا الأمر، من خلال زيادة أجور الشهرية للمنازل أكثر من مرة خلال العام الواحد، حتى وصلت نسبة رفع الإيجار عند البعض لأكثر من 100%و200%".

ويرى أن الحلول لهذه المستجدات لدى وزارة الداخلية ودائرة الهجرة التركيتين، مردفاً "كان المفترض أن يبدأ برنامج تخفيف نسبة تواجد الأجانب في بعض الأحياء، قبل أكثر من عقد، مع بداية اللجوء السوري، فحدوثه الآن غير منطقي".

"وإن كانت دائرة الهجرة مصرّة على تنفيذ هذا القرار، يجب عليها أن تقرن الأمر بمراقبة زيادة إيجار المنازل، والاهتمام والتعامل بجدية مع كل ما يتعرض له اللاجئون السوريون نتيجة قراراتها"، يتابع الغازي.

مواضيع ذات صلة:

متظاهر يميني ضد وجود المسلمين والمهاجرين في بريطانيا خلال إحدى التظاهرات
متظاهر يميني ضد وجود المسلمين والمهاجرين في بريطانيا خلال إحدى التظاهرات

في ظل تصاعد الهجمات العنصرية التي يقودها اليمين المتطرف في بريطانيا ضد المسلمين والمهاجرين، تعيش الجالية السورية حالة من القلق والصدمة.

هذه الهجمات التي ترافقت مع اعتداءات لفظية وجسدية وتخريب للممتلكات، تعد الأسوأ منذ 13 عاما، وتهدد الأمان والاستقرار الذي كان السوريون يأملون العثور عليه في بريطانيا باعتبارها ملاذا آمنا لجأوا إليه بعيدًا عن الاضطهاد والتمييز والعنف في بلادهم، أو في البلاد التي انتقلوا منها.

تقول السورية تاليا بابكير (39 عاما) المقيمة في مدينة مانشستر شمال غرب العاصمة البريطانية لندن، إن "الهجمات الأخيرة التي طالت المهاجرين لم تقتصر على الاعتداءات اللفظية، بل امتدت للتهديدات والاعتداء الجسدي وتخريب الممتلكات، ما يعكس تحولًا خطيرًا في التعامل مع المجتمعات المسلمة والمهاجرين".

وتضيف لـ"ارفع صوتك" أن هذه الحوادث التي "كانت تعتبر فردية ومعزولة في السابق" باتت اليوم "جزءًا من توجه متنام للإسلاموفوبيا في المملكة المتحدة".

وتلفت تاليا إلى وجود ارتفاع في جرائم الكراهية الدينية، الأمر الذي ما دفع الحكومة البريطانية لاتخاذ إجراءات صارمة من أجل "منع تفاقم أعمال العنف ضد المهاجرين والمسلمين، الذين أصبحوا يجدون أنفسهم الآن في موقف دفاعي، بعد أن كانوا يعتقدون أن بريطانيا ستكون ملاذهم الآمن" على حد تعبيرها.

واندلعت الاحتجاجات ضد المسلمين في بريطانيا يوم 29 تموز الماضي، بعد مقتل ثلاث فتيات تتراوح أعمارهن بين السادسة والتاسعة في هجوم على حفل للأطفال في بلدة ساوثبورت شمال إنجلترا، وأصيب 10 أشخاص بينهم ثمانية أطفال وبالغان اثنان.

ورغم أن الشرطة البريطانية ألقت القبض على فتى أيرلندي يبلغ من العمر 17 عاما، إلا أن معلومات كاذبة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أفادت بأن المشتبه به هو مهاجر مسلم متطرف، ما أدى إلى احتجاجات عنيفة مناهضة للمسلمين في ساوثبورت في اليوم التالي، ومحاولة مهاجمة مسجد البلدة.

ولاحقا تجمع آلاف المحتجين بالقرب من مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في داونينغ ستريت وسط لندن، واندلعت بعدها عشرات أعمال الشغب في شمال شرق وشمال غرب وجنوب إنجلترا وفي ايرلندا الشمالية، شارك فيها مئات الأشخاص الذين استهدفوا المهاجرين والمسلمين وأحرقوا مركبات الشرطة وألقوا حجارة وزجاجات على المساجد، وعلى فنادق تؤوي مهاجرين وطالبي لجوء، كما تعرضت بعض المتاجر المملوكة لمهاجرين للتخريب والنهب.

 

صدمة السوريين

يقول ريان (27 عاماً) الذي وصل إلى بريطانيا منذ أربعة أشهر، بعد معاناته لسنوات من التمييز العنصري في تركيا: "كنت أعتقد أنني سأجد الأمان هنا، لكنني فوجئت بالأحداث العنصرية الأخيرة، فقد تعرض الفندق القريب من شقتي في مدينة ليدز، لهجمات عنصرية".

ويشير لـ"ارفع صوتك" إلى أن هذ الفندق يؤوي طالبي اللجوء من مختلف الجنسيات"، مبيناً "تم تهديد قاطني الفندق وتكسير نوافذه بسبب رمي الحجارة. هذه الحوادث جعلتني أشعر بصدمة كبيرة وخوف تجاوز ما شعرت به في تركيا، لأني اعتقدت أن بريطانيا تحترم حقوق الإنسان وتحارب التمييز".

من مدينة لندن، تقول راما مرشد (30 عاماً)، التي  وصلت إلى بريطانيا عام 2020 بعد أن فرّت من الصراع في سوريا: "حصلت العديد من الأحداث كالشتم، والإهانات، والتحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتداءات على المساجد وأماكن تجمعات المسلمين".

وتلفت إلى "حادثة مروعة شهدتها عندما كانت في زيارة لأحد أقاربها الأسبوع الماضي في مدينة ميلتون، إذ هاجم أحد الأشخاص منزل عائلة مهاجرة حاملا سكينا وهددهم بالطعن، وأطلق شتائم عنصرية".

"لحُسن الحظ تدخل الجيران وأبلغوا الشرطة التي اعتقلت المعتدي، لكن تلك الحادثة جعلتني أشعر بالرعب على أطفالي، حتى أن ابنتي الصغيرة قالت لي إنها لم تعد ترغب في الخروج من المنزل خوفا من تعرضنا للاعتداء"، تتابع راما.

الحوادث العنصرية المتصاعدة لم تؤثر فقط على مشاعر الخوف والقلق بين السوريين في بريطانيا، بل أثرت أيضا على سير حياتهم اليومية، فالكثير من العائلات السورية أصبحت تخشى التجول في الشوارع ليلاً، وتتجنب الأماكن التي قد تتعرض فيها لاعتداءات.

يقول أحمد ديوب، وهو لاجئ سوري يعيش في مدينة مانشستر "ابنتي تعرضت للشتم في الشارع بسبب حجابها، وهذا أمر لم أتوقعه أبداً في بريطانيا... كنا نعتقد أننا سنجد الأمان هنا، لكن نحن نشعر الآن بالخوف على حياتنا وحياة أطفالنا".

ويؤكد أنه "ليس الوحيد الذي يعاني، فالكثير من السوريين أسوة بالمهاجرين الآخرين يشعرون بالخوف من التعرض للاستهداف بسبب دينهم وأصولهم".

 

مليون حادثة عنصرية في عام

أورد تقرير  أعدته مؤسسة PROTECTION APPROCHES  بالتعاون مع مركز دراسات الكراهية في المملكة المتحدة التابع لجامعة "ليستر"، أن البيانات المسجلة لدى الشرطة شهدت تصاعداً في مستويات جرائم الكراهية.

وأفاد التقرير الذي نشر في أبريل الماضي، أن 45% (430,000) من المهاجرين تعرضوا لجريمة كراهية، وأن 55% منهم تعرضوا لأكثر من حادث واحد، في إشارة إلى ما يقرب من مليون حادثة عنصرية، استهدفتهم خلال عام مضى.

وبيّن التقرير أن غالبية جرائم الكراهية التي يتعرض لها الأشخاص من شرق وجنوب شرق آسيا في المملكة المتحدة، لا يتم الإبلاغ عنها بسبب انخفاض الثقة في السلطات، حيث يبلّغ 10% فقط  منهم عن جرائم الكراهية للشرطة.

بحسب موقع برلمان المملكة المتحد، تمت بين عامي 2014 ومارس 2024 إعادة توطين 57000 شخص إلى المملكة المتحدة، وكان حوالي 20 ألف منهم من السوريين الذين أُعيد توطينهم بين عامي 2014 و2020.

كما أوضج التقرير أنه قبل عام 2011، لم يطلب أحد من سوريا اللجوء إلى المملكة المتحدة، وبين عامي 2011 و2021، مُنح قرابة 31 ألف سوري فار من الصراع حق اللجوء، وتمت إعادة توطين معظمهم مباشرة من دول ثالثة كتركيا ولبنان.