A general view of a tent camp for earthquake survivors, on the outskirts of rebel-held town of Jandaris
لقطة جوية لمخيم نازحين تضرروا من الزلزال في بلدة جندريس السورية- تعبيرية

خسر مأمون الأحمد (46 عاما)، المقيم في مدينة جنديرس شمال سوريا مورد رزقه الوحيد بعد أن دمر الزلزال ورشة مواد البناء الذي كان يعمل بها منذ 8 سنوات.

"أصبحت عاطلا عن العمل وأعيش وعائلتي على المساعدات.. أبحث يوميا عن عمل دون جدوى، لذلك بدأت بجمع الخردة وبيعها مؤقتا، كي أؤمن قوت عائلتي حتى أجد عملا أفضل"، يقول مأمون لـ"ارفع صوتك".

ويشير إلى أن "الكثير من المحال التجارية والمعامل في مدينته دمرت، وفقد الكثيرون أعمالهم، وتوفي ونزح بعض أصحاب الأعمال، ما ترك الكثير من العمال دون مورد رزق، فتأثرت الحركة الصناعية والتجارية بشكل واضح جراء الزلزال، وتوقفت العديد من المصانع والورش عن العمل، بسبب تهدم المباني بالكامل، أو تصدع بعضها أو بسبب نزوح العمال وأصحاب العمل إلى أماكن أخرى".

من جهته، يقول سامر رشوان (50 عاماً)، وهو صاحب محل تجاري في عفرين: "كل ما بنيناه خلال سنوات طويلة ضاع وعدنا إلى الصفر. كان لدي عملي الخاص، وأربعة عمال مسؤولين عن البيع والتحصيل، أي كانت هناك أربع عائلات تعتاش من هذا العمل، واليوم أصبحت وعمالي عاطلين عن العمل".

ليلى الإبراهيم (43 عاما)، تعاني تداعيات هذه المسألة أيضاً. تبيّن لـ"ارفع صوتك": "فقد زوجي مصدر رزقه الوحيد، حيث كان يعمل في ورشة إنتاج وتصنيع الألبسة في عفرين، وفشل في إيجاد عمل يؤمن مصاريف المنزل والأبناء والمدرسة، ما تسبب بتوقف أطفالي عن الدراسة والذهاب إلى سوق العمل، وهم بعمر لا يتجاوز الخامسة عشرة".

"كنت أتمنى أن يستكملوا تعليمهم كي يواجهوا صعوبات الحياة، ولكن تهدم كل ما جمعناه وبنيناه لنا ولهم، واليوم علينا أن نواجه تأثيرات الزلزال وأن نعمل جميعا لنتمكن من الوقوف مجددا، وتعويض الخسارات التي هي أكبر من أن يتمكن رب العائلة وحده من تحملها، مهما حصل على وسائل دعم ومساعدة"، تضيف ليلى.

 

مئات آلاف خسروا وظائفهم

في تقرير تقييمي لمنظمة العمل الدولية، نُشر نهاية مارس الماضي، حول أثر الزلزال على سوق العمل في المناطق التي تعرضت للزلزال في سوريا، جرى قياس مدى فقدان الناس لوظائفهم بعد الكارثة التي دمرت الأراضي والهياكل والمعدات والأدوات التي يستخدمها الناس في عملهم اليومي.

وأظهر أن حوالي 170 ألف عامل فقدوا وظائفهم نتيجة الزلزال، وأثر ذلك بشكل مباشر على حوالي 154 ألف أسرة وأكثر من 725 ألف شخص. كما تأثر نحو 35 ألف مشروع وشركة متوسطة الحجم وصغيرة ومتناهية الصغر.

وبحسب التقرير، أدت هذه البطالة المؤقتة إلى خسارة في إجمالي دخل العمل بما يعادل 5.7 مليون دولار شهريا على الأقل.

وكانت المحافظات السورية الخمس الأكثر تضرراً وهي حلب وحماة وإدلب واللاذقية وطرطوس، تشكل ما يقدر بنحو 42.4% من إجمالي سكان البلاد، بينهم حوالي 7.1 مليون شخص في سن العمل (16 عاما أو أكثر)، منهم 2.7 مليون كانوا يعملون في وظائف رسمية وغير رسمية، وكان 22.8% منهم نساء.

وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن ما يقارب من 139 ألف رجل و31 ألف امرأة فقدوا وظائفهم بسبب الزلازل في سوريا، أي ما يعادل 6.6% من عمالة الذكور و5% من عمالة الإناث، كما أفاد التقرير أن هذه الخسائر لها تأثير ليس فقط على حياة العمال الذين خسروا وظائفهم، وإنما أيضاً على حياة الذين يعتمدون عليهم.

وقال طارق الحق، كبير أخصائيي سياسات التوظيف في منظمة العمل الدولية في الدول العربية، الذي قاد الفريق معدّ المذكرة الفنية: "كان للزلزال تأثير مدمر على سبل العيش والاقتصاد المحلي في سوريا، مما أدى إلى تفاقم وضع الاقتصاد وسوق العمل المتدهور أصلا بعد 12 عاما من الحرب والصراع".

بدوره، قال المدير العام لمنظمة العمل الدولية غيلبرت هونغبو، إن "تعزيز فرص العمل، أمر أساسي للاستجابة الناجحة للزلازل"، مردفاً "يمكن للناس أن يبدأوا في إعادة بناء حياتهم إذا أعادوا بناء سبل كسب رزقهم".

 

آليات تكيف

عمد العديد من السكان في المناطق المنكوبة بالزلزال الذين خسروا أعمالهم، إلى آليات تكيف للحفاظ على سبل معيشتهم واستعادة دخلهم، حتى يتحسن وضعهم، بحسب ما أفاد تقرير منظمة العمل الدولية الذي توقع أن ينتقل العديد من الذين فقدوا وظائفهم إلى أشكال أخرى من الأنشطة غير المنظمة ومنخفضة الأجر لإعالة أنفسهم وأسرهم.

كما رجح أن تزداد بقعة الاقتصاد غير المنظم وعدد العمال الفقراء، وتوقع أن يضطر العديد من الأفراد غير النشطين سابقاً من رجال ونساء وحتى أطفال، للانضمام إلى القوى العاملة والبحث عن عمل لتعويض أسرهم عن خسارة الدخل.

وبسبب تدمير المباني المدرسية وتعطيل التعليم، فإنه من المتوقع أن تزداد مستويات عمالة الأطفال المرتفعة أصلا بشكل كبير.

وحذر التقدير من عواقب الزلازل وآثارها الشديدة وطويلة الأمد على سوق العمل، إذ يمكن أن تجبر الشركات على الإغلاق بشكل دائم وأن يبقى العمال العاطلين عن العمل من دون وظائف لفترة طويلة، ما يؤدي إلى تعطيل النشاط الاقتصادي بشكل حاد.

وأفاد تقرير البنك الدولي الذي أعد حول تقييم الأضرار والاحتياجات الناتجة عن الزلزال في سوريا لعام 2023، أن الأضرار المادية الناجمة عن الزلزال تقدر بـ3.7 مليار دولار أميركي، أما الخسائر فتُقدر بنحو 1.5 مليار دولار أميركي، ليبلغ إجمالي قيمة الأضرار والخسائر 5.2 مليار دولار أميركي.

وتمثل الخسائر انخفاض الإنتاج في القطاعات الإنتاجية، وتقلص الإيرادات، وارتفاع تكاليف التشغيل في مجال تقديم الخدمات.

ويتصدر قطاع الإسكان قائمة القطاعات المتضررة (24% من إجمالي الأضرار)، تليه قطاعات النقل والبيئة (نتيجة التكلفة المرتبطة برفع الأنقاض) والزراعة. 

وعلى صعيد الخسائر، تكبَّد قطاع الزراعة أشد الأضرار، إذ انخفضت إمدادات المواد الغذائية بمقدار 1.3 مليار دولار أميركي (83% من إجمالي الخسائر).

وتعرّضت محافظة حلب لأكبر قدر من الأضرار (44% من إجمالي الأضرار، أغلبها في قطاع الإسكان ثم الزراعة)، تلتها محافظة إدلب (21%)، وجاءت مدينة حلب أيضاً على رأس قائمة المدن الأشد تضرراً، إذ بلغ نصيبها نحو 60% من مجموع الأضرار، تلتها اللاذقية (12%)،  ثم إعزاز (10%).

ومن المتوقع أن يزداد انكماش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لسوريا بمقدار 2.3 نقطة مئوية في العام 2023 بسبب الزلزال، وذلك بالإضافة إلى انكماش سبق توقعه وقدره 3.2% للعام 2023 (بحسب المرصدالاقتصاديلسوريا- شتاء2022/2023).

ويعود الانكماش الإضافي في الدرجة الأولى إلى تدمير رأس المال المادي وتعطل النشاط التجاري.

كما يتوقع أن يزداد معدل التضخم بنسبة عالية، والسبب الرئيس في ذلك النقص في السلع المتوفرة، وزيادة تكاليف النقل، وارتفاع الطلب الكلي على مواد إعادة البناء.

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".