FILE PHOTO: Quake-hit Kahramanmaras prepares to vote in May 14 elections
صورة أردوغان على إحدى خيم النازحين من مناطق الزلزال في تركيا- تعبيرية

انتهت الجولة الأولى من الانتخابات التركية، وهدأت مخاوف السوريين مؤقتاً، بانتظار الجولة الثانية التي ستعيدهم إلى دائرة الصراع الانتخابي.

ويعيش السوريون في تركيا اليوم لحظات حاسمة، بانتظار ما ستنتج عنه التحالفات الجديدة التي ستطرأ على الأحزاب المتنافسة، التي ستحسم نتائج الجولة الثانية من الانتخابات، بالتالي مصيرهم، بجسب ما يتصورون.

وفي الجولة الأولى، من الانتخابات الرئاسية التركية، حصل الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان على نسبة 49,51% من الأصوات، بفارق بسيط عن منافسه العلماني كمال كيليجدار أوغلو الذي حصد 45,88%، وأدى ذلك إلى إقرار جولة ثانية للانتخابات في 28 مايو الجاري، إذ يتوجب على المرشح الفائز الحصول على أكثر من 50% +1 من الأصوات.

"نصائح متداولة"

"المخاوف هي نفسها، لكننا التقطنا أنفاسنا قليلا بانتظار الموعد المقبل للانتخابات، طالما لم تحسم المعركة بعد، وما زالت فرص فوز المعارضة كبيرة"، يقول اللاجئ السوري سمير العيسى (47 عاما)، المقيم في مدينة غازي عينتاب.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "أكبر المخاوف وأشدها لدي كما لدى غالبية السوريين هو نجاح المعارضة وتنفيذ تهديداتها بحق السوريين، وبانتظار يوم 28 أيار (مايو). والآن نحاول الابتعاد عن التجمعات الانتخابية وعدم الانجرار وراء أي حديث أو نقاش يمكنه أن يتسبب بمشكلة، أو الإعلان عن تأييد أي مرشح علانية".

"وهذه نصائح نقوم بتوجيهها لبعضنا البعض بشكل مباشر، كما يتم إرسالها لنا عبر مجموعات على الفيسبوك والواتساب، التي تضم الكثير من السوريين، حيث تبلغنا بالمستجدات وتقدم لنا النصائح لعدم إظهار أي حماس انتخابي لجهة أو لأخرى"، يتابع سمير.

من جهته، يتوقع اللاجئ السوري يونس العلي، المقيم في مدينة شانلي أورفة "فوز أردوغان" مستدركاً "وإذا حدث العكس، قد أعود إلى سوريا بنفسي، رغم أن الوضع غير آمن وغير جيد في شمالها".

والسبب كما يقول لـ"ارفع صوتك" أن "الذهاب طوعياً لشمال سوريا أفضل من القلق اليومي من التضييق وإمكانية الترحيل القسري لمناطق النظام، إذا ما فاز كمال أوغلو".

مشعل الصانع (28 عاما) المقيم في إسطنبول، لاجئ سوري آخر، يبدو أنه يتوقع الأسوأ. وهو لا يرى فرقاً بين أن يفوز أردوغان أو منافسه أوغلو.

يبين لـ"ارفع صوتك": "أحضر نفسي للهجرة إلى أوروبا، هناك حديث لكمال كيليجدار أوغلو في حال فوزه، بأن العلاقات ستعود مع النظام وسيتصالح مع الحكومة السورية، كما سيتم افتتاح السفارات في البلدين، وإعادة السوريين، أما الفريق الحاكم فيعتبرنا ضيوفا، ويمنحنا إقامة مؤقتة قد تُنزع منا في أي لحظة، والضيف مصيره العودة، فلا أعتقد أن أي طرف سيحفظ حقنا بالبقاء، وهذا ما يدفعني للمغادرة مهما كانت النتيجة".

وعلى العكس منه، ترى اللاجئة السورية هند الشعال (30 عاما) المقيمة في غازي عنتاب، إذ تعتقد أن "مستقبل السوريين يتوقف على نتيجة الانتخاب".

وترى أن "الحزب الحاكم يتعاطف مع السوريين، رغم إصداره بعض القرارات التي أضرت باللاجئ السوري، لكن لا مقارنة بين الفريقين"، معربة عن توترها بانتظار النتيجة وتأمل بأن يربح أردوغان الجولة.

وتشير هند في حديثها لـ"ارفع صوتك"، إلى أنها وعائلتها لم يخرجوا من المنزل يوم الانتخابات (14 مايو) وتعمدوا عدم الاحتكاك بأحد درءاً للاستفزاز.

"وهكذا سنفعل في الجولة الثانية، نتابع الأخبار ووسائل الإعلام السورية لنعرف كيف نتصرف، لكنها تزيدنا قلقا بدل تطميننا، وسط صمت القوى السورية المعارضة والائتلاف، فنعيش طيلة وقت الانتخابات على أعصابنا، كما حدث معنا في انتخابات عام 2018"، تضيف هند.

وتعقيباً على تجدد المخاوف لدى السوريين، الذين ينتظرون حسم النتيجة في الجولة الثانية، نلتقي الناشط الحقوقي طه الغازي مجدداً، الذي يؤكد أن هذه المشاعر نتاج  "انتشار خطاب الكراهية والتمييز العنصري الذي خلق شعورا سلبيا لدى اللاجئ السوري تجاه كل تكتلات وتيارات المعارضة".

"لكنها أيضاً مخاوف مبالغ بها، والسبب يعود إلى الإعلام السوري الموازي في كثير من جوانبه وسياسته التحريرية للحكومة التركية، ويطغى عليه فكرة تشويه سمعة النقيض السياسي، أي المعارضة التركية"، يقول الغازي.

ويحاول طمأنة السوريين في تركيا بالشرح: "هناك حقائق غائبة عنهم، منها وجود أحزاب ضمن الطاولة السداسية ترفض إعادة اللاجئين السوريين لبلدهم دون تأمين البيئة المناسبة، وبتنوع آراء الأحزاب، يجب على السوري قراءة الأمر بهذا الشكل، كذلك هناك أحزاب أخرى موقفها تجاه اللاجئين حتى أفضل من الحزب الحاكم، بالتالي لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال إعادة اللاجئين السوريين قسرياً، فهذا قرار يجب أن يكون مدعوماً من الاتحاد الأوروبي ويصدر عن الدولة التركية".

Turkey gears up for presidential and parliamentary elections
عشيّة الانتخابات التركية.. ماذا لو فازت المعارضة؟
ويشبّه الشعور الذي يعتمره حالياً بشعوره يوم انتظر نتائج امتحانات البكالوريا الرسمية (الثانوية العامة)، قائلاً لـ"ارفع صوتك": "نحن الآن أمام امتحان، وليس علينا سوى الدعاء والانتظار، فإن نجحت المعارضة ستعيد العلاقات مع النظام وقد تعيدنا قسريا إلى مناطقه، وهذا الأمر يخيفني حقا، رغم أنني لا أعتقد أن الأمور ستكون بهذه البساطة".
Election campaigns ahead of the May 14 Turkish elections
ناشط سوري: خوف بعض السوريين الأتراك من الانتخاب "غير مبرر"
ورغم ضآلة نسبة القادرين منهم على التصوي، التي لا تتجاوز 0.2% من نسبة المقترعين في عموم البلاد، وعدم إمكانية أن يحدث صوتهم فرقا يُذكر، إلا أن العديد منهم مصرّون على ممارسة حقهم بالانتخاب بحرية وديمقراطية كأتراك، خلافا لما اعتادوا عليه سابقا في سورياً.

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".