سحب دخان من مبان محترقة في العاصمة السودانية الخرطوم بسبب المعارك- تعبيرية
سحب دخان من مبان محترقة في العاصمة السودانية الخرطوم بسبب المعارك- تعبيرية

ظروف صعبة يعيشها اللاجئون السوريون في السودان مع ارتفاع وتيرة الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط انعدام الأمن وصعوبة التنقل، وانقطاع الكهرباء والمياه ونقص المواد الغذائية.

وبينما نجح البعض في  الخروج من مناطق الصراع وصولا إلى بورتسودان، ومنها إلى مصر أو تشاد، أو تم إجلاؤهم إلى سوريا ودول الخليج، تقطعت السبل بعائلات أخرى نزحت من مناطق الصراع إلى مناطق أكثر أمنا، وفقد بعضها التواصل بين أفرادها، وبقي آخرون عالقون في منازلهم داخل مناطق الاشتباكات.

عدد اللاجئين السوريين في السودان نحو 90 ألف، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة لعام 2021.
سعر التذكرة "أصبح 500 دولار".. الهروب "المستحيل" إلى بورتسودان!
تحولت مدينة بورتسودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر شمال شرق السودان، بعد اندلاع المعارك بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، منتصف أبريل الماضي، إلى وجهة للمقيمين باعتبارها مركزاً لعمليات الإجلاء.
Sudanese leave the country after the crisis in Sudan's capital Khartoum
"عالقون في بورتسودان".. سوريون ينامون في الشوارع بانتظار الإجلاء
بانتظار بوادر حل أو انفراج لأزمتهم، يعيش الآلاف من السوريين ظروفا مأساوية في مدينة بورتسودان التي أصبحت المنفذ الرئيس لإجلاء المدنيين الفارين من الحرب المستعرة في البلاد، إذ يبيت البعض في الشوارع وعلى الأرصفة، بانتظار الإجلاء، وسط اتهامات للمسؤولين الرسميين والأمميين بعدم الاكتراث لهم والتحرك لإنقاذهم، أسوة بمواطني بقية دول العالم.

يتحضرون لمعركة حسم

يصف اللاجئ السوري عبد الله الخطاب الموجود في العاصمة السودانية الخرطوم، في حديثه لـ"ارفع صوتك" الأوضاع الميدانية بـ "السيئة"، رغم وجود هدوء نسبي حالياً.

ويوضح: "الأمور هادئة ويوجد إطلاق نار خفيف بين الحين والآخر، وما سمعته أن الطرفين يقومان بالتجهيز لمعركة كبيرة، تعتبر معركة حسم، فقوات الجيش والدعم السريع هما تقريبا بنفس القوة وكلاهما حصل على دعم كبير".

ويشير عبدالله إلى أنه شاهد بنفسه أعدادا كبيرة من قوات الدعم السريع في منطقته الخاضعة لسيطرتها، مبيناً "الجيش أحضر دعما كبيرا، وكذلك قوات الدعم السريع، ولحد الآن لا نعرف ماذا سيحصل، ولكن قبل أربعة أيام احترقت بيوت، والعديد من البنوك، منها البنك الأردني السوداني، وبنك السلام، وبنك الخرطوم وهو بجانب مكان إقامتي.. لقد احترق بالكامل. كما قُصفت وحُرقت مواقع إستراتيجية عدة".

ويؤكد عبد الله الذي بقي في منزله في الخرطوم وسط المعارك، أنه كان يريد العودة إلى تركيا، ولكن انتهاء مدة إقامته حالت دون ذلك.

"أما الذين وصلوا بورتسودان، فمن كان لديه مال تمكن من السفر، وإذا لا توجد عليه أي مخاطر أمنية دخل سوريا بشكل طبيعي، حيث تبلغ تكلفة الرحلة بين 550 و600 دولار للشخص الواحد، أما من لم يستطع العودة إلى سوريا لأسباب أمنية أو مادية فبقي في بورتسودان، ووضعهه سيء".

رحلة شاقة وخطرة

وتشرح اللاجئة السورية  بيان طه ( 32 عاما)، التي كانت تقيم وعائلتها في العاصمة السودانية الخرطوم وضعها الحالي وظروف انتقالها: "بقينا تحت القصف أربعة أيام دون ماء وكهرباء، ولم نجرؤ على الخروج، واستهلكنا الطعام الموجود في المنزل، وحين توقف القصف خرجنا. كنا خائفين جدا لأننا عشنا الحرب ومآسيها، وكنا نظن أن خروجنا من سوريا يعني أن أيام الخطر ولّت، وفجأة عادت إلى ذاكرتنا صور القصف والرعب الذي كنا نعيشه".

وتضيف: "لم نستطع البقاء، كان الجميع خائفا جدا، ولكن الخروج لم يكن سهلا، فلا أماكن في وسائل النقل والباصات ممتلئة بالركاب، والكثير من العائلات من الأجانب والسودانيين يريدون الفرار والنجاة بحياتهم، انتظرنا يومين في الشارع قرب موقف الحافلات، وكنا نسمع أصوات الرصاص  والاشتباكات، حتى حصلنا على مقعد بسعر مرتفع، بلغ 200 دولار للشخص الواحد، وعلمنا لاحقا أنها زادت أضعاف المبلغ الذي دفعناه، ولم نتمكن من إحضار سوى حقائب تضم بعض الملابس والمستلزمات الأساسية وبعض المال والوثائق الرسمية".

"كانت الرحلة شاقة وطويلة وخطرة.. استغرقت 38 ساعة، قطعنا العديد من حواجز التفتيش ورأينا الدمار والدبابات المحترقة، ونقيم حاليا في وادي حلفا وهي مدينة حدودية تبعد حوالي 900 كيلومتر عن العاصمة وقريبة من الحدود المصرية"، تتابع بيان لـ"ارفع صوتك"

وتقول إنها وعائلتها الآن "بأمان"، لكن المشكلة فيمن لا يمتلك المال للهرب أو لديه مصالح وأعمال، وبقي داخل منزله في الخرطوم.

تشرح: "هم (في الخرطوم) تحت القصف والخطر، بعضهم عالقون في المنازل والأحياء التي تشهد أعمال عنف، كما لا يوجد شيء محيّد، حتى المشافي استُهدفت وسيارات الإسعاف، وتعرض مشفى ابن سينا التخصصي في الخرطوم لقصف وكانت إحدى قريباتي تتعالج به، فالقصف عشوائي ولا تعرف من يقصف وماذا سيستهدف، كما توقفت العديد من المشافي عن العمل بسبب استهدافها واستهداف طواقمها".

وبعض أقاربها وصل بورتسودان ويقم حاليا في خيم، لعدم تمكنهم من استئجار شقق بسبب ارتفاع أسعارها ورغبة أصحابها بتأجيرها ب 80$ في الليلة الواحدة.

 

نزوح ولجوء

في تصريح لـ"ارفع صوتك"، يقول أسدالله نصرالله، المتحدث باسم مفوضية اللاجئين في السودان، إن الناس "داخل البلد يتحدون الخطر، وينتقلون بشكل خاص من الخرطوم ودارفور ومناطق أخرى غير آمنة".

ويبين أنه وفقا لمعتمدية اللاجئين السودانية، فرّ حوالي 88 ألف لاجئ ممن يستضيفهم السودان في الخرطوم، بحثا عن الأمان في النيل الأبيض والقداري وقسلة ومدني وبورتسودان، حيث تقدم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المساعدة الحيوية في هذه المواقع، من ضمنها الملاجئ، والمستلزمات المنزلية والمياه النظيفة، ومرافق الصرف الصحي والرعاية الصحية، والدعم التعليمي للاجئين وغيرهم من النازحين.

ومن ضمن هؤلاء وصل أكثر من 75 ألف لاجئ من جنوب السودان الذين فروا من القتال في الخرطوم إلى ولاية النيل الأبيض، وتقوم مفوضية اللاجئين بالتدقيق مع هؤلاء ووضعهم في المخيمات، وتوفير مواد الإغاثة الأساسية، مع تنسيق توزيع الغذاء مع برنامج الغذاء العالمي، كما يتم تسجيل اللاجئين الإرتريين والأثيوبيين وغيرهم ممن يصلون إلى شرق السودان ونقلهم إلى المخيمات، وفق نصرالله.

ويؤكد أنه أنه في غضون شهر واحد نزح أكثر من مليون شخص داخل السودان، بعضهم عبر الحدود إلى البلدان المجاورة بحثا عن الأمان.

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، نزح أكثر من 843 ألف شخص داخليا في السودان في حين سجلت الحكومات المجاورة ومفوضية اللاجئين عبور ما يقرب أكثر من 250 ألف شخص للحدود، معظمهم يصلون إلى تشاد وجنوب السودان ومصر.

ويبلغ عدد السوريين اللاجئين في السودان أكثر من 90 ألفاً شخص بحسب إحصاءات الأمم المتحدة لعام 2021، لقي 15 لاجئا منهم مصرعهم برصاص الاشتباكات التي اندلعت منتصف أبريل الماضي بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني.

ويتركز العدد الأكبر من السوريين في العاصمة الخرطوم في ضاحية بحري كافوري شمال العاصمة، وفي منطقة الرياض وسط العاصمة، والمنطقتان تعتبران مناطق اشتباك وتتعرضان لقصف جوي، بحسب موقع "كوردستان ٢٤".

People gather at the station to flee from Khartoum
مئات القتلى وعمليات نهب وعنف جنسي.. ماذا يحدث في السودان؟
استيقظ السودانيون صباح السبت 15 أبريل 2023، على أصوات معارك بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، لتغرق البلاد التي تعاني أزمات مركبة أساساً، في موجة جديدة من العنف، وسط مخاوف أن تؤدي لتعطل جهود الانتقال إلى حكم مدني.

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".