مواطنون أفغان يحاولون العبور إلى تركيا بشكل غير نظامي- تعبيرية
مواطنون أفغان يحاولون العبور إلى تركيا بشكل غير نظامي- تعبيرية

كشف وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، عن بدء السلطات التركية بحملة ترحيل كبيرة للأشخاص المخالفين المتواجدين في إسطنبول وبعض الولايات التركية.

وأكد في لقاء له مع صحيفة "حرييت" التركية، أن "الإجراءات مستمرة بعزم، وبعد فترة أربعة أو خمسة أشهر، سيكون هناك انخفاض واضح أعداد اللاجئين غير الشرعيين".

وتصاعدت عمليات ترحيل اللاجئين خلال الأسابيع الماضية مع تصريحات كايا، وسط تحذيرات من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية من انتهاكات حصلت أو قد تحصل بحق اللاجئين.

وبيّن أن أجهزة الأمن والشرطة "زادت عمليات التفتيش بشأن المهاجرين غير الشرعيين الأسبوع الماضي في ولاية إسطنبول بشكل خاص وباقي الولايات التركية بشكل عام".

كما تعهد كايا بـ"إنهاء وجود المهاجرين غير الشرعيين المتواجدين في المدن التركية خلال خمسة أشهر"، مشيرا إلى أن "المهاجرين غير الشرعيين هم الأشخاص الذين دخلوا تركيا بطرق غير رسمية، أو ممن حصلوا على تأشيرة لدخول تركيا، ولكنهم بقوا فيها رغم انتهاء مدة إقامتهم".

وجاء في تغريدة للوزير، نشرها الأسبوع الفائت على تويتر، أن السلطات التركية "ألقت القبض على أكثر من 15 ألف مهاجر غير شرعي خلال شهر يونيو الماضي، ومنعت دخول أكثر من 23 ألف مهاجر غير شرعي عبر الحدود".

وبحسب كايا، تقوم الشرطة التركية بالتحقق من جوازات السفر وهوية ووثائق المهاجرين، وفي حال التأكد بأن أحدهم لا يحمل هذه الوثائق، يتم ضبطه ونقله إلى مركز الترحيل وفق الإجراءات القانونية، ثم تسليمه إلى دائرة الهجرة التي ترحله بدورها.

وأعلنت دائرة الهجرة التركية ترحيل 42685 مهاجرا غير شرعي منذ بداية العام الحالي في إطار مكافحة الهجرة غير النظامية، عدد كبير منهم تم ترحيلهم خلال حملة إسطنبول وأنقرة.

 

ماذا عن اللاجئين السوريين؟

تقول سمر. م، (رفضت ذكر اسمها الكامل)، إن الشرطة التركية احتجزت أخاها أحمد البالغ من العمر 24 عاما في مدينة إسطنبول، بعد سؤاله عن أوراقه الثبوتية، وتأكدت الشرطة من عدم وجودها معه، فوضعته في الباص المخصص للاحتجاز، وأخذوه إلى مركز الحجز التابع لدائرة الهجرة، ومن هناك ستبدأ إجراءات ترحيله.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "لا نستطيع الذهاب لزيارة أخي في مكان احتجازه، لأننا أيضا نعتبر ضمن المخالفين، وإذا تم سؤالنا عن وثائقنا فسيتم احتجازنا أيضا، نحن هنا منذ تسع سنوات تقريبا، ونعمل وندفع كل ما علينا ولا نحتاج لأحد، ولا نستطيع العودة لبلدنا بالإجبار".

وبحسب سمر. م فإن لأخيها زوجة وطفلاً صغير، وإذا تم ترحيله، سيبقيان وحدهما، وقد يعودان  لسوريا، للالتحاق به.

مازن الأخرس، وصل مع عائلته من لبنان إلى إسطنبول بشكل نظامي منذ خمس سنوات، وأقام فيها طوال هذه المدة من دون أوراق إقامة نظامية، وأسس فيها عمله الخاص، لكنه لم يستطع الحصول على إقامة في تركيا بسبب مشكلة في الأوراق تسببها له سمسار المعاملات، ما جعله متخلفا عن الإقامة في البلد، وسيضطر للخروج ثم الحصول على فيزا والعودة إلى تركيا ليستخرج إقامة فيها.

ولكن مازن دفع للحصول على الفيزا مبالغ كبيرة قبل وصوله لتركيا، ولم يعد باستطاعته العودة إلى لبنان ليستخرج فيزا جديدة، فبقي مخالفا مثله مثل الآلاف من السوريين المتواجدين في مدينة إسطنبول والمدن الأخرى.

ويقول مازن، "كنت أتوارى عن الأنظار في بعض الأحيان عندما أسمع من أصدقائي أن هناك حملة للتفتيش عن الأوراق الثبوتية، وأحيانا أختبئ في الحارات والأزقة خشية العثور علي، وفي نفس الوقت كنت أعمل كي أستطيع تأمين حياتي وحياة أطفالي الاثنين، ولكنهم خسروا دراستهم لأنهم لا يملكون سوى جواز السفر السوري، فلا نستطيع الاستفادة من أي خدمات حكومية في حال لم يكن لدينا أوراق إقامة مؤقتة أو إقامة سياحية".

ومع بداية الحملة الأمنية مؤخراً، قرر مازن الذهاب لأوروبا بطريقة غير شرعية، فخرج مع أطفاله وزوجته عن طريق البحر إلى اليونان، خوفاً من إلقاء القبض عليه وترحيله إلى سوريا، كما يقول لـ"ارفع صوتك".

يوضح:  "اتخذت هذا القرار بعد صبر طويل، أنا مرتاح هنا جدا، ولكن لا يمكن لي أن أبني مستقبل أطفالي دون أوراق نظامية، وإذا تم كشف أمري في أحد الشوارع، سيتم ترحيلي دون الالتفات لعائلتي التي ستبقى وحيدة من دوني".

ووصل مازن منذ عدة أيام إلى إحدى الجزر اليونانية، ومنها انتقل إلى العاصمة أثينا أيضا بطريقة غير شرعية، وسينتقل منها إلى أوروبا.

"وصلت لشاطئ الأمان أخيرا، صحيح أن الرحلة كانت متعبة جدا، وكنت خائفا على أطفالي، ولكنها تيسرت لي ولهم. نستطيع اليوم أن نذهب إلى أوروبا بطريقة غير شرعية، وتركت عملي الذي أسسته في تركيا وسأبدأ حياة جديدة"، يؤكد مازن.

 

"ليسوا مهاجرين"

كتب الصحافي السوري إبراهيم العلبي، في منشور عبر "فيسبوك"، إن "لا أحد في العالم يؤيد الهجرة غير الشرعية"، لكن تصنيف السوريين كمهاجرين "فيه ظلم كبير لهم".

وأضاف أن "نزوح أي شعب بسبب حرب إلى دولة مجاورة لا يتم التعامل معه وفق القوانين الدولية على أنه هجرة بل لجوء إنساني، واللاجئ لا يحاسب على دخوله غير الشرعي بل يُمنح صفة طالب لجوء على الأقل، وهو أبسط حقوقه التي تقرها تركيا رسمياً".

وكتب إبراهيم: "مع الأسف، منذ سنوات لا تتعامل السلطات التركية مع الوجود السوري بوصفه حالة إنسانية، بل كرتاً انتخابياً محضاً، ويجب على ملايين السوريين وكثير من العرب بالمعية أن ينصاعوا لمزاج صانع القرار التركي، ويجب عليهم أن يحنوا رؤوسهم أو يرفعوها فقط استجابة لرغباته وانعطافاته المتبدلة باستمرار".

وأشار إلى أنه كسوري في تركيا "مخالف" في إقامته، والسبب أن "السلطات رفضت تجديد إقامته، وليس لأنه رغب في ذلك".

وفي تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان، أوضح أن أن السلطات التركية رحلت 300 لاجئ سوري بينهم أطفال ونساء عن طريق معبر "باب السلامة" بريف إعزاز شمالي حلب خلال 48 ساعة فقط.

وأضاف: "تهدف السلطات التركية من عمليات الترحيل القسري للاجئين السوريين، لتوطينهم في المجمعات السكنية التي أنشأتها ضمن مناطق سيطرتها في الشمال السوري، تنفيذا لمخططاتها المستقبلية، ضمن منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون في الشمال السوري، بالإضافة إلى منطقة نبع السلام بريف الحسكة"

من جهته، كتب الباحث والحقوقي السوري فراس فحام، في سلسلة تغريدات على تويتر، أن الحملة "تستهدف أيضاً جميع الشرائح ممن لديهم مشاكل في الأوراق الرسمية، وتشمل المهاجرين الأفغان أيضاً".

وقال إن هناك "رغبة واضحة بخفض نسبة المقيمين غير القانونين في إسطنبول وضبط حجم الانتشار الأجنبي فيها قبيل الانتخابات البلدية، رغبة بتخفيض حجم الطلب على العقارات الذي يؤثر على أسعارها، بالإضافة إلى منع أي استثمار سياسي داخلي في مسألة اللاجئين".

الناشط الحقوقي المقيم في تركيا طه الغازي، كتب في منشور على فيسبوك، أن عمليات الترحيل الحالية وتحديداً في إسطنبول "مكمّلة لمرحلة سابقة بدأت قبل الانتخابات الرئاسية الماضية".

وقال: "يحق للجهات الحكومية التركية أن تنظّم واقع اللجوء السوري في تركيا، و أن تحاسب وتحاكم أي لاجئ سوري مخطئ أياً كان جنحه إدارياً أو جنائياً أو أمنياً، ولكن في المقابل، لا بد أن تقترن هذه المساءلة والمحاكمة مع المواد المنصوص عليها في نظام الحماية المؤقتة ومع قانون العقوبات التركي".

وأضاف الغازي، أن "الحملة ضد اللاجئين السوريين وغيرهم باتت جزءاً من عملية ومشروع إعادة مليون لاجئ سوري وفق ما تعهد به أردوغان في "خطاب النصر" على شرفة القصر الرئاسي بأنقرة.

وبحسب آخر إحصائية صادرة عن رئاسة الهجرة التركية مطلع يوليو الحالي، بلغ عدد السوريين في تركيا، ثلاثة ملايين و351 ألفا، يقيم القسم الأكبر منهم في ولاية إسطنبول بأكثر من 500 ألف سوري.

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".