لاجئون سوريون في أضنة التركية- تعبيرية
لاجئون سوريون في أضنة التركية- تعبيرية

"يجب أن نجد فرصة للخروج إلى أوروبا هذا الصيف، الأوضاع تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، ويبدو أن فُرصنا في هذه البلاد انتهت"، يقول اللاجئ السوري إسماعيل الحسين، معبراً عن أحوال الكثير من السوريين في تركيا مؤخراً.

كما يستبعد البقاء في تركيا مدة أطول مع كمّية الصعوبات والتحدّيات المستمرة منذ سنوات، واشتدت قبل وبعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، على حدّ وصفه.

يتابع إسماعيل حديثه وهو يتجهّز لرحلة "لم يفكّر فيها خلال فترة وجوده بإسطنبول منذ عام 2018"، مبيناً لمراسل "ارفع صوتك": "كما تلاحظ.. عناصر الشرطة ينتشرون في كل مكان، وتصريحات الحكومة تزيد هلعنا من القادم، صحيح أن أوراقي في إسطنبول نظامية، لكننا نسمع قصصاً عن شباب تعرضوا للترحيل رغم امتلاكهم إقامة نظامية.. القادم مجهول بالنسبة لنا".

إحدى الحافلات التي تنقل سوريين عائدين "طوعاً" إلى سوريا من تركيا- تعبيرية
سوريون "خائفون" في شوارع إسطنبول الفرعية
"منذ سنتين، وأنا أحاول تفادي حواجز التفتيش التي تقيمها الشرطة التركية، في الأحياء والشوارع المؤدية إلى مكان عملي في مدينة إسطنبول، وألجأ بشكل دائم لسلك طرق فرعية للوصول إلى المنطقة الصناعية في أسنيورت حيث أعمل"، يقول اللاجئ السوري ربيع (26 عاما)، الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول.

"خيبة أمل"

محمد، الذي اكتفى بذكر اسمه الأول، هو صديق إسماعيل، ويعمل معه في نفس الورشة بمنطقة "بايرام باشا" بإسطنبول، يقول إن السوريين عاشوا قبل الانتخابات شهوراً وأسابيع ثقيلة وصعبة. وأقسى ما مرّ معي، اللافتات الطرقية لمرشح المعارضة، التي توعّد فيها بطردنا كأننا لسنا بشراً. اعتبرونا مجرد كائنات غريبة عبرت الحدود". 

ويشعر بما أسماه "خيبة أمل كبيرة" بعد نهاية الانتخابات التي فاز فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "ظننّا أن الضغط علينا سيتوقف أو يخفّ على أقل تقدير، لكن ما حصل أن المسؤولين الجدد وعلى رأسهم وزير الداخلية ووالي إسطنبول، وضعوا ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين على رأس أولوياتهم".

يكلّف مبلغ الرحلة إلى أوروبا مبالغ طائلة تفوق قدرة اللاجئين (تتعدّى أحياناً 10 آلاف دولار)؛ لذلك يعمل كثير من الشباب على جمع هذا المبلغ عبر سنوات من العمل، والذين لا يجمعون المبلغ المطلوب يخاطرون بحياتهم بالسفر دون دليل وبالاعتماد على برامج الخرائط، للوصول إلى غدٍ أفضل مما هم فيه. 

مواطنون أفغان يحاولون العبور إلى تركيا بشكل غير نظامي- تعبيرية
في حملات الترحيل التركية.. هل السوريون "مهاجرون غير شرعيين"؟
وبحسب كايا، تقوم الشرطة التركية بالتحقق من جوازات السفر وهوية ووثائق المهاجرين، وفي حال التأكد بأن أحدهم لا يحمل هذه الوثائق، يتم ضبطه ونقله إلى مركز الترحيل وفق الإجراءات القانونية، ثم تسليمه إلى دائرة الهجرة التي ترحله بدورها.

ويبدو عامل سياسة الدولة التركية تجاه اللاجئين هو الأبرز، حيث لم يُخفِ أردوغان عزم حكومته على إعادة "مليون لاجئ" إلى الشمال السوري وفق ما وعد به أنصاره خلال خطاب "شرفة النصر" عشية الانتخابات، لا سيما أن البلاد مقبلة على استحقاق انتخابي جديد في مارس 2024، أي الانتخابات البلدية.

ويطمح أردوغان أن يفوز حزبه بالولايات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة، اللتين لم يحصل فيهما على غالبية أصوات الناخبين.  

في السياق، يقول الناشط الحقوقي غزوان قرنفل، لـ"ارفع صوتك"، إن "موجة هجرة السوريين من تركيا إلى أوروبا، استجابة طبيعية لحالة عدم الاستقرار وعدم الاطمئنان للمستقبل".

ومن حق السوريين إزاء هذا الوضع التفكير بالمغادرة والبحث عن ملاذ آمن آخر، بحسب قرنفل، مؤكداً "لا مستقبل للاجئ السوري في الأراضي التركية، فهو عرضة للترحيل في أي لحظة، ولأي سبب مهما كان تافهاً".

يتابع: "حتى الذين لم يتعرّضوا للترحيل، فإن الحكومة التركية تمارس عليهم إجراءات تضييق كي تدفعهم إلى المغادرة بشكل طوعي، كقرارات إذن السفر وإغلاق آلاف الأحياء في وجوههم. وسياسة التضييق والتخلص منهم ليست خاصة بتركيا وحدها، إنما هو توجّه عام لدى دول جوار سوريا على الأقل".

"نحن لا نثق بأي ضمانات أمنية في حال أُجبرنا على العودة، النظام الذي هربنا منه وتركنا كل شيء وراءنا للنجاة من ممارساته يستحيل أن يضمن سلامتنا، إنه يصنّف اللاجئين وخاصة الموجودين في تركيا على أنهم إرهابيون ومعارضون، وبالتالي فأنا مستعدّ لركوب أمواج البحر ومخاطر الغابات في سبيل عدم إعادتي إلى سوريا"، يقول اللاجئ السوري محمد.

 

"نقطة عبور"

إضافة إلى كل ما سبق، يضاف عامل رئيس آخر في ارتفاع نسبة الهجرة السورية من تركيا، يتعلق بالأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد، مع ارتفاع نسبة التضخم وانخفاض القدرة الشرائية نتيجة التعثر التاريخي في قيمة الليرة التركية، وهي أمور تُعد ضاغطة جداً على المواطنين الأتراك، ناهيك عن اللاجئ السوري. 

إبراهيم الحسن، لاجئ سوري آخر يقيم في أنقرة، يراقب يومياً مجموعات فيسبوك التي تنشر أخبار اللجوء إلى أوروبا، ولأن الأمم المتحدة لم تردّ على طلبات قدّمها بشأن اللجوء إلى كندا، بدأ يتابع مسارات التهريب إلى أوروبا، رغم ما يرافق ذلك من أخطار أدت إلى وفاة الكثيرين.

يقول لـ"ارفع صوتك": "لديّ طفلان أحدهما في المدرسة، وإيجار البيت ارتفع بسبب الاستغلال الذي أعقب الزلزال، إلى ثلاثة أضعاف ليصل إلى 7 آلاف ليرة تركية، بينما المعاش الذي أتقاضاه لا يتعدّى 12 ألفاً، فكيف يمكن أن أدبّر مصاريف البيت إذا كان أكثر من نصف الراتب يذهب للإيجار والفواتير؟". 

من جهته، يرى المحلل السياسي التركي يوسف كاتب أوغلو، أن "من يهاجر فقط اللاجئ المخالف (الذي لا يملك أوراقاً ثبوتية)، أو من أتى إلى تركيا كنقطة عبور إلى أوروبا".  

وينفي وجود ضغوطات على اللاجئين السوريين في تركيا، مبيناً: "الذين يقصدون أوروبا، يفعلون ذلك لأسباب تتعلق بالضغوطات الاقتصادية، وسعياً منهم للبحث عن فرص اقتصادية أفضل. فالإجراءات الحالية ليست تضييقاً، إنما تطبيق للقانون، وهذا لا ينطبق على السوريين فقط، إنما يستهدف جميع المخالفين على الأراضي التركية". 

مواضيع ذات صلة:

الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية
الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية

مع بدء السنة الدراسية الجديدة في معظم أنحاء الشرق الأوسط، يجد تلاميذ قطاع غزة أنفسهم للعام الثاني على التوالي دون مدارس ينهلون منها العلم والمعرفة، مما حدا برهط من المسؤولين والأهالي إلى إيجاد بعض الحلول الفردية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وكان من المفترض أن يبدأ العام الدراسي الجديد رسميا هذا الأسبوع، في القطاع الذي يشهد حربا شرسة منذ أكثر من أحد 11 شهرا بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس، المصنفة "منظمة إرهابية" في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وأدى القصف إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية الحيوية في القطاع الفلسطيني، بما في ذلك المراكز التعليمية، التي كانت تستوعب نحو مليون تلميذ تحت سن 18 عاماً، وفقاً للأمم المتحدة.

وفي ظل صعوبة تأمين مساحة آمنة لتدريس الأطفال، قررت وفاء علي، التي كانت تدير مدرسة بمدينة غزة قبل الحرب، فتح فصلين دراسيين في منزلها شمالي القطاع، حيث يتجمع العشرات من الأطفال لتعلم العربية والإنكليزية بالإضافة إلى مادة الرياضيات.

وقالت علي: "أرادت الأسر أن يتعلم أطفالها القراءة والكتابة بدلاً من إضاعة الوقت في المنزل، خاصة أن الحرب لن تنتهي قريبا".

ولا يستطيع المعلمون الوصول إلا إلى نسبة صغيرة من الأطفال الذين حرموا من التعليم بسبب الحرب، التي بدأت بعد أن هاجمت حركة حماس إسرائيل في 7 أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال، حسب بيانات رسمية.

وردًا على ذلك، شنت إسرائيل عملية عسكري أدت إلى مقتل أكثر من 41 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.

"نبذل قصارى جهدنا"

من جانبها، أوضحت آلاء جنينة، التي تعيش حاليا في خيمة بوسط قطاع غزة، أن طفلها البالغ من العمر 4 سنوات وابنتها ذات السبع سنوات، يتلقيان دروسًا في خيمة قريبة.

وقالت المراة البالغة من العمر 33 عاما، إنها زارت مؤخرا "مدرسة الخيام"، مضيفة: "لقد أحزنني ذلك. ليس لديهم ملابس أو حقائب أو أحذية. لكننا نبذل قصارى جهدنا".

وتقول وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تدير عشرات المدارس بالقطاع، إن أكثر من ثلثي مدارسها دُمرت أو تضررت منذ بدء الحرب.

ووفقا للوكالة، فقد قُتل "مئات" الفلسطينيين الذين نزحوا إلى مرافق الأونروا، ومعظمها مدارس، بينما تؤكد إسرائيل
أن ضرباتها على المدارس وملاجئ الأونروا "تستهدف المسلحين الذين يستخدمون تلك المرافق"، وهو أمر تنفيه حركة حماس.

ورفضت هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن التنسيق مع جماعات الإغاثة، التعليق، كما لم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لطلب التعليق من الصحيفة الأميركية.

"بقع لليأس والجوع"

وقالت "الأونروا" إنها أطلقت برنامج العودة إلى التعلم، الذي سيجلب حوالي 28 ألف طفل إلى عشرات المدارس، لافتة إلى أن ذلك البرنامج سيركز على "الدعم النفسي والفنون والرياضة ومخاطر الذخائر المتفجرة، ثم سيتعمق أكثر في مواد القراءة والكتابة والرياضيات".

وفي هذا الصدد، قال المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، الأربعاء، على وسائل التواصل الاجتماعي: "الكثير من المدارس لم تعد مكانًا للتعلم. لقد أصبحت بقعا لليأس والجوع والمرض والموت".

وتابع: "كلما طالت فترة بقاء الأطفال خارج المدرسة.. كلما زاد خطر تحولهم إلى جيل ضائع. وهذه وصفة للاستياء والتطرف في المستقبل".

من جانبه، أوضح الباحث في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بقطر، معين رباني، أن قطاع غزة "كان لديه معدلات تعليم عالية نسبيًا، على الرغم من نسب الفقر الكبيرة التي تسوده".

وأضاف رباني أن الفلسطينيين "سعوا منذ فترة طويلة إلى التعليم للتقدم وسط ظروف اقتصادية صعبة، حيث وقد وفرت لهم الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية مختلفة فرصًا تعليمية جيدة".

ولفت في حديثه للصحيفة الأميركية، إلى أن العديد من الفلسطينيين في غزة "اعتادوا على فقدان أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم، وبالتالي اهتموا بالتعليم، لأنه أمر يمكنك أن تأخذه معك أينما ذهبت".

وهناك ثمن نفسي للابتعاد عن المدرسة على الأطفال أيضًا، إذ قالت ليزلي أركامبولت، المديرة الإدارية للسياسة الإنسانية في منظمة إنقاذ الطفولة الأميركية، إن قضاء عام بعيدًا عن المدرسة والأصدقاء والملاعب والمنازل خلال صراع مسلح عنيف، "يمثل إزالة للركائز الأساسية للاستقرار والسلامة للأطفال".

وشددت على أن "عدم اليقين والتوتر وفقدان المجتمع، يمكن أن يؤدي إلى تحفيز أنظمة الاستجابة الطبيعية للتوتر في الجسم، والتي يمكن أن تكون ضارة بمرور الوقت".

واستطردت حديثها بالتأكيد على أن "تكرار هذه الأعراض أو استمرارها لفترات طويلة، قد يؤدي إلى مجموعة من النتائج السلبية على الصحة العقلية، التي لا يتعافى منها الأطفال بسهولة".

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، قد كشفت في وقت سابق هذا الشهر، أن الأطفال في قطاع غزة "هم الفئة الأكثر تضررًا" مما يحدث هناك، وهم بحاجة ماسة لدعم نفسي وتعليمي بشكل عاجل.

وقال الناطق باسم المنظمة، كاظم أبو خلف، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، إن الوضع الحالي في غزة "يتطلب استجابة عاجلة لمساعدة الأطفال الذين يعانون من فقدان التعليم والأضرار النفسية الجسيمة التي يتعرضون لها".

وشدد على أن "جميع الأطفال في القطاع يحتاجون إلى دعم نفسي، حيث فقد ما لا يقل عن 625 ألف طفل عامًا دراسيًا منذ بدء الحرب.. وبعض الأطفال تعرضوا لبتر أطرافهم وهم بحاجة إلى الخروج من القطاع لتلقي العلاج، فيما يعاني العديد من الأطفال من الخوف والقلق بسبب الحرب".