"يجب أن نجد فرصة للخروج إلى أوروبا هذا الصيف، الأوضاع تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، ويبدو أن فُرصنا في هذه البلاد انتهت"، يقول اللاجئ السوري إسماعيل الحسين، معبراً عن أحوال الكثير من السوريين في تركيا مؤخراً.
كما يستبعد البقاء في تركيا مدة أطول مع كمّية الصعوبات والتحدّيات المستمرة منذ سنوات، واشتدت قبل وبعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، على حدّ وصفه.
يتابع إسماعيل حديثه وهو يتجهّز لرحلة "لم يفكّر فيها خلال فترة وجوده بإسطنبول منذ عام 2018"، مبيناً لمراسل "ارفع صوتك": "كما تلاحظ.. عناصر الشرطة ينتشرون في كل مكان، وتصريحات الحكومة تزيد هلعنا من القادم، صحيح أن أوراقي في إسطنبول نظامية، لكننا نسمع قصصاً عن شباب تعرضوا للترحيل رغم امتلاكهم إقامة نظامية.. القادم مجهول بالنسبة لنا".
"خيبة أمل"
محمد، الذي اكتفى بذكر اسمه الأول، هو صديق إسماعيل، ويعمل معه في نفس الورشة بمنطقة "بايرام باشا" بإسطنبول، يقول إن السوريين عاشوا قبل الانتخابات شهوراً وأسابيع ثقيلة وصعبة. وأقسى ما مرّ معي، اللافتات الطرقية لمرشح المعارضة، التي توعّد فيها بطردنا كأننا لسنا بشراً. اعتبرونا مجرد كائنات غريبة عبرت الحدود".
ويشعر بما أسماه "خيبة أمل كبيرة" بعد نهاية الانتخابات التي فاز فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "ظننّا أن الضغط علينا سيتوقف أو يخفّ على أقل تقدير، لكن ما حصل أن المسؤولين الجدد وعلى رأسهم وزير الداخلية ووالي إسطنبول، وضعوا ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين على رأس أولوياتهم".
يكلّف مبلغ الرحلة إلى أوروبا مبالغ طائلة تفوق قدرة اللاجئين (تتعدّى أحياناً 10 آلاف دولار)؛ لذلك يعمل كثير من الشباب على جمع هذا المبلغ عبر سنوات من العمل، والذين لا يجمعون المبلغ المطلوب يخاطرون بحياتهم بالسفر دون دليل وبالاعتماد على برامج الخرائط، للوصول إلى غدٍ أفضل مما هم فيه.
ويبدو عامل سياسة الدولة التركية تجاه اللاجئين هو الأبرز، حيث لم يُخفِ أردوغان عزم حكومته على إعادة "مليون لاجئ" إلى الشمال السوري وفق ما وعد به أنصاره خلال خطاب "شرفة النصر" عشية الانتخابات، لا سيما أن البلاد مقبلة على استحقاق انتخابي جديد في مارس 2024، أي الانتخابات البلدية.
ويطمح أردوغان أن يفوز حزبه بالولايات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة، اللتين لم يحصل فيهما على غالبية أصوات الناخبين.
في السياق، يقول الناشط الحقوقي غزوان قرنفل، لـ"ارفع صوتك"، إن "موجة هجرة السوريين من تركيا إلى أوروبا، استجابة طبيعية لحالة عدم الاستقرار وعدم الاطمئنان للمستقبل".
ومن حق السوريين إزاء هذا الوضع التفكير بالمغادرة والبحث عن ملاذ آمن آخر، بحسب قرنفل، مؤكداً "لا مستقبل للاجئ السوري في الأراضي التركية، فهو عرضة للترحيل في أي لحظة، ولأي سبب مهما كان تافهاً".
يتابع: "حتى الذين لم يتعرّضوا للترحيل، فإن الحكومة التركية تمارس عليهم إجراءات تضييق كي تدفعهم إلى المغادرة بشكل طوعي، كقرارات إذن السفر وإغلاق آلاف الأحياء في وجوههم. وسياسة التضييق والتخلص منهم ليست خاصة بتركيا وحدها، إنما هو توجّه عام لدى دول جوار سوريا على الأقل".
"نحن لا نثق بأي ضمانات أمنية في حال أُجبرنا على العودة، النظام الذي هربنا منه وتركنا كل شيء وراءنا للنجاة من ممارساته يستحيل أن يضمن سلامتنا، إنه يصنّف اللاجئين وخاصة الموجودين في تركيا على أنهم إرهابيون ومعارضون، وبالتالي فأنا مستعدّ لركوب أمواج البحر ومخاطر الغابات في سبيل عدم إعادتي إلى سوريا"، يقول اللاجئ السوري محمد.
"نقطة عبور"
إضافة إلى كل ما سبق، يضاف عامل رئيس آخر في ارتفاع نسبة الهجرة السورية من تركيا، يتعلق بالأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد، مع ارتفاع نسبة التضخم وانخفاض القدرة الشرائية نتيجة التعثر التاريخي في قيمة الليرة التركية، وهي أمور تُعد ضاغطة جداً على المواطنين الأتراك، ناهيك عن اللاجئ السوري.
إبراهيم الحسن، لاجئ سوري آخر يقيم في أنقرة، يراقب يومياً مجموعات فيسبوك التي تنشر أخبار اللجوء إلى أوروبا، ولأن الأمم المتحدة لم تردّ على طلبات قدّمها بشأن اللجوء إلى كندا، بدأ يتابع مسارات التهريب إلى أوروبا، رغم ما يرافق ذلك من أخطار أدت إلى وفاة الكثيرين.
يقول لـ"ارفع صوتك": "لديّ طفلان أحدهما في المدرسة، وإيجار البيت ارتفع بسبب الاستغلال الذي أعقب الزلزال، إلى ثلاثة أضعاف ليصل إلى 7 آلاف ليرة تركية، بينما المعاش الذي أتقاضاه لا يتعدّى 12 ألفاً، فكيف يمكن أن أدبّر مصاريف البيت إذا كان أكثر من نصف الراتب يذهب للإيجار والفواتير؟".
من جهته، يرى المحلل السياسي التركي يوسف كاتب أوغلو، أن "من يهاجر فقط اللاجئ المخالف (الذي لا يملك أوراقاً ثبوتية)، أو من أتى إلى تركيا كنقطة عبور إلى أوروبا".
وينفي وجود ضغوطات على اللاجئين السوريين في تركيا، مبيناً: "الذين يقصدون أوروبا، يفعلون ذلك لأسباب تتعلق بالضغوطات الاقتصادية، وسعياً منهم للبحث عن فرص اقتصادية أفضل. فالإجراءات الحالية ليست تضييقاً، إنما تطبيق للقانون، وهذا لا ينطبق على السوريين فقط، إنما يستهدف جميع المخالفين على الأراضي التركية".
