صورة تعبيرية لإحدى العيادات في مدينة أنقرة التي تستقبل لاجئين سوريين- ا ف ب
صورة تعبيرية لإحدى العيادات في مدينة أنقرة التي تستقبل لاجئين سوريين- ا ف ب

تستمر الحملة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في تركيا بهدف التقصي عن سرطان الثدي والقولون وعنق الرحم، التي تستهدف جميع اللاجئين والمقيمين في تركيا، سواء ممن هم تحت بند الحماية المؤقتة، أو من لا يحملون إقامات، وذلك ضمن مشروع صحة "SIHHAT"، التعاون والتنسيق مع الحكومة التركية.

يتألف المشروع من كرفانات تضم طواقم طبية تركية وسورية، تجول في مختلف الولايات التركية، وتتمركز بجانب مراكز صحة المهاجرين، في حملة ابتدأت الشهر الماضي وتستمر طوال أغسطس الحالي، لإجراء الفحوصات والتقصي عن وجود سرطان الثدي، والقولون، وسرطان عنق الرحم.

يقول يوسف رحمون، وهو أحد العاملين الإداريين في مركز صحة المهاجرين في مدينة إسطنبول: "تنتشر الكرفانات في جميع الولايات التركية، وتتوقف بجانب مراكز صحة المهاجرين البالغة 190 مركزا، وتقدم خدماتها خمسة أيام في الأسبوع بدوام عمل رسمي من الاثنين إلى الجمعة، وهي ليست ثابتة في مكان واحد، إذ تتنقل بين مركز وآخر داخل الولاية لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من السوريين، وسواهم من المقيمين على الأراضي التركية".

ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أن الفرق الطبية العاملة في الكرفانات "تضم العديد من الأطباء السوريين المتخصصين في أمراض النساء والتوليد والأمراض الباطنية، بالإضافة إلى ممرضين وعاملين صحيين".

ويشير رحمون إلى وجود تنسيق بين العيادات المتنقلة ومراكز صحة المهاجرين، حيث "تقوم طواقم الكرفانات بأخذ مسحات من عنق الرحم من النساء، وصور الماموغرام للثدي، وعينات الدم للكشف عن سرطان القولون لدى الرجال والنساء".

"ثم ترسل النتائج إلى الأطباء العاملين في مراكز صحة المهاجرين، الذين يقومون بدورهم بالتواصل مع المريض الذي شُخّصت حالته بالإيجابية أو تم الاشتباه بإصابته، من أجل المتابعة والمزيد من الفحوصات. لتبدأ لاحقاً رحلة العلاج في هذه المراكز، أو إحالة المريض إلى المشافي الحكومية التركية المتخصصة منها في الأمراض النسائية أو الجراحة العامة"، يتابع رحمون.

ويؤكد أن العلاج "مجاني بالكامل لمن يحملون الحماية المؤقتة، وهو مدفوع لغير حاملي الإقامة أو حاملي الإقامة السياحية".

 

الاكتشاف المبكر "أمل أكبر للعلاج"

اللاجئة السورية في غازي عينتاب، أمل علبي، استفادت بدورها من هذه الفحوصات. تقول لـ"ارفع صوتك": "أجريتُ صورة ماموغرام من أجل فحص سرطان الثدي، وتم أخذ خزعة من عنق الرحم للفحص، وأنا بانتظار النتيجة الآن".

وترى أن مثل هذه الحملات "ضروري جداً للتوعية والتذكير بأهمية الفحص الدوري لسرطان الثدي وعنق الرحم لدى النساء، والقولون لدى الجنسين".

وتضيف أن "الفحوصات مجانية وهي تغطي جميع الولايات التي يتواجد فيها السوريون بكثافة، كما أن العديد من العاملين سوريون، بالتالي لا يوجد مشكلة في الترجمة والتواصل مع الأطباء، وعلاوة على ذلك تتنقل الكرفانات بين المراكز في الولاية، بالتالي يختار الشخص المكان الأقرب والأنسب إليه".

"لذا من المهم جدا للسوريين الاستفادة من هذه الخدمات لكونها ضرورية و منقذة للحياة والأهم أنها مجانية، كما أن خدماتها مقدمة لمن يحملون الكيمليك (بطاقة الحماية المؤقتة) أو لمن لا يحملونه على السواء"، تتابع أمل.

أما السبب الذي دفعها لهذا الفحص، فهو إصابة صديقتها بسرطان الثدي، وكان اكتشافه "صدفة"، بعد إجراء الفحص في إحدى العيادات المتنقلة التابعة لمشروع "صحة". تقول أمل "لحسن حظها، أن السرطان في مراحله الأولية، خصوصاً أن الطبيب طمأنها بأن الأكل كبير بالشفاء".

من جهتها، تؤكد الطبيبة النسائية مريم قوتلي، على أهمية الكشف المبكر عن السرطان لدى النساء، باعتباره خطوة وقائية مهمة تعزز من إمكانية اكتشاف السرطان في مرحلة مبكرة، وتزيد احتمال نجاح العلاج، كما تحد من احتمال الحاجة إلى الجراحة أو التدخلات الطبية الأخرى.

وتشرح لـ"ارفع صوتك": "يساعدنا الكشف المبكر عن سرطان الثدي على اختيار عدد كبير من الإجراءات للمعالجة، بعكس وصول المريضة إلى المشفى وهي في مرحلة متأخرة من الإصابة".

وتشير قوتلي إلى أن "نسبة قليلة من اللاجئات السوريات في تركيا يقمن بإجراء الفحص الدوري، والغالبية لديهن اعتقاد أن هذه الفحوصات ليست من الأولويات، وهناك أمور أكثر أهمية تشغلهن عنها، كذلك هناك نسبة أميّة مرتفعة نتيجة الحرب واللجوء وتدني المستوى المادي والتعليمي وتغير البيئة المجتمعية".

وتبيّن: "رغم الحملات الواسعة قبل بدء الأزمة في سوريا حول أهمية إجراء الفحص الدوري للثدي وعنق الرحم، إلا أن نسبة قليلة جدا من الأشخاص يقومون بها، حتى أن جزءا كبيرا من الكادر الصحي والأشخاص المسؤولين عن تطبيق الفحوصات لم يقوموا بإجراء الفحص لأنفسهم، بينما يُعتبر فحص الثدي وعنق الرحم في دول أخرى إجراءً روتينيا من ضمن النظام الصحي في الدولة".

وتلفت قوتلي، إلا أنه وخلال السنوات الأخيرة "ازداد التركيز في تركيا على أهمية التوعية حول الكشف المبكر عن سرطان الثدي وعنق الرحم"، لذا تم تأسيس مواد علمية ومنشورات يستخدمها عمال الصحة في التوعية، تتضمن المخاطر والفوائد وطريقة إجراء الفحوصات، كذلك استُحدثت مراكز "WGSS- Women and girls safe space" للتركيز على صحة اليافعات والنساء والتوعية من السرطان.

يُشار إلى أن السلطات التركية، خصوصاً في مدينتي إسطنبول وأنقرة، صعّدت في الأشهر القليلة الماضية، من عمليات الترحيل بحق مئات السوريين من غير حاملي بطاقات الإقامة المؤقتة (الكيمليك)، بحجة أنهم "مهاجرون غير شرعيين"، كجزء من ترحيل أي مهاجر غير شرعي في البلد.

وبحسب تقارير نشرناها في "ارفع صوتك"، وصلتنا شهادات من سوريين، حتى من حاملي "الكيمليك"، يتحركون ببالغ الحذر والقلق في المدينتين، بسبب ترحيل أشخاص مقيمين على حدّ زعمهم.

إحدى الحافلات التي تنقل سوريين عائدين "طوعاً" إلى سوريا من تركيا- تعبيرية
سوريون "خائفون" في شوارع إسطنبول الفرعية
"منذ سنتين، وأنا أحاول تفادي حواجز التفتيش التي تقيمها الشرطة التركية، في الأحياء والشوارع المؤدية إلى مكان عملي في مدينة إسطنبول، وألجأ بشكل دائم لسلك طرق فرعية للوصول إلى المنطقة الصناعية في أسنيورت حيث أعمل"، يقول اللاجئ السوري ربيع (26 عاما)، الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول.

مواضيع ذات صلة:

Fire following over-border rockets launched at Israel from Lebanon amid Hezbollah and Israeli forces hostilities
تُظهر الصورة تصاعد النيران في الجانب الإسرائيلي بعد ضربات صاروخية من لبنان- تعبيرة

في ظل التهديدات المتزايدة بتوسع الصراع بين حزب الله وإسرائيل وتوجيه السفارات العربية والغربية دعوات عاجلة لرعاياها بمغادرة البلاد، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، ويعيشون حالة من القلق المتزايد دون أي اهتمام أو توجيه من الحكومات في مختلف مناطق السيطرة داخل سوريا، أو من المنظمات الدولية والمحلية المعنية باللاجئين.

 

أين يذهب السوريون؟

من ضاحية بيروت الجنوبية، يروي الشاب الثلاثيني خالد لـ"ارفع صوتك": "منذ بداية التصعيد أعيش حالة من الخوف المستمر.. كلما سمعت أصوات الطائرات الحربية أو خرق جدار الصوت، أفكر في أسوأ السيناريوهات، فغالبية السفارات طلبت من رعاياها المغادرة، ولكن ماذا عنا نحن؟!".

يضيف خالد الذي يعمل في أحد مطاعم المأكولات السريعة، إن السوريين الذين لجأوا إلى لبنان هرباً من ويلات الحرب في وطنهم، يجدون أنفسهم الآن محاصرين مرة أخرى.

"ليس لدينا أي خيار سوى البقاء؛ فنحن لسنا رعايا لدولة يمكن أن تهتم بنا أو ترسل طائرات لإجلائنا، أو تعطينا توجيهات الأمن والسلامة، أو تفتح أبوابها لاستقبالنا. أشعر أننا منسيون"، يتابع خالد بحسرة.

بالنسبة لعبد الله (39 عاما) الذي سبق أن اعتقله النظام السوري سنة 2013، ويعمل حالياً بأجر يومي في منطقة البقاع اللبنانية، فإنه "سيضطرّ للمجازفة والبحث عن أي طريقة للهروب".

يقول لـ"ارفع صوتك": "لا أريد أن أتعرض لما تعرضتُ له في سوريا مرة أخرى".

وينتقد عبد الله  أداء المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالشأن السوري مردفاً "لم يخبرنا أحد ماذا نفعل في حال نشبت الحرب وإلى أين ننتقل، ولا أحد يجيب على اتصالاتنا وأسئلتنا ومخاوفنا".

يوضح: "بعض السوريين ممن لا مشكلات لهم مع النظام ربما يفكرون بالعودة كحل إذا توسعت الحرب على لبنان، أما من لديه مشاكل أمنية أو كان من المعارضين للنظام، فسيبقى أو سيحاول البحث عن طرق للهجرة إلى أوروبا أو أي دولة أخرى، رغم التكاليف المالية الكبيرة ومخاطر الهجرة في البحر أساساً".

تقيم أم محمد (43 عاما)  مع أبنائها الخمسة في مدينة صور منذ عام 2014 حين لجأت للبنان من ريف دمشق. ترى أن الحل في العودة لبلادها. فمع تصاعد التوترات الأمنية، "يفكر بعض اللاجئين بالعودة لسوريا، رغم الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة هناك".

"لكن لا يوجد لدينا خيار آخر"، تؤكد أم محمد.

حملة إخلاء "شرسة" في شمال لبنان.. اللاجئون السوريون يواجهون مصيرا مجهولا
كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمال البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

ارتفاع الإيجارات بشكل كبير

تسببت الضربات الإسرائيلية على القرى الحدودية اللبنانية والتهديد باستهداف ضاحية بيروت الجنوبية بنزوح الكثير من العائلات اللبنانية إلى مناطق أكثر أمانا في الداخل اللبناني، ما أدى لارتفاع إيجارات الشقق والمنازل، وألقى بتبعاته على النازحين السوريين الراغبين في الانتقال.

تقول سعاد رملاوي، وهي أم سورية لثلاثة أطفال وتقيم في منطقة "الجناح" في العاصمة اللبنانية بيروت "أشعر أننا عالقون في دوامة جديدة من الخوف، لا أستطيع النوم ليلاً وأنا أفكر في ما قد يحدث غداً إذا توسعت الحرب وكيف سأحمي أطفالي؟".

وتبين لـ"ارفع صوتك" أن نزوح أهالي الجنوب اللبناني وأهالي ضاحية بيروت الجنوبية لمناطق في الداخل اللبناني "رفع الإيجارات بشكل كبير، حتى أصبحت خارج متناول قدرة العائلات السورية"، مستدركة "رغم ذلك فإن الحل الوحيد المتاح لي  هو الانتقال لمناطق آمنة مهما ارتفعت الأسعار".

 

ماذا يقول اللبنانيون؟

تتفاوت الآراء حول مصير السوريين وسط التعيد العسكري واحتمالات الحرب الأوسع التي تلوح في الأفق. 

من جهته، يقول معروف الحراكي، وهو مسن لبناني من بلدة عبية في جبل لبنان "الوضع صعب على الجميع، ونحن نعرف ما يشعر به النازحون سواء كانوا سوريين أم لبنانيين لأننا مررنا بنفس الظروف خلال الحرب الأهلية وهُجّرنا من بيوتنا مرات عديدة، ويجب أن نتضامن معهم في هذه الأوقات الصعبة".

في المقابل، يعتقد البعض أن الأولوية يجب أن تكون لحماية اللبنانيين وتوفير الظروف الملائمة لهم في حال توسعت الحرب.

يقول رامي حداد، وهو موظف حكومي لبناني "الأولوية الآن يجب أن تكون لتأمين اللبنانيين، وعلى الحكومة أن تضع خططاً واضحة لحماية مواطنيها وتوفير الإمدادات الأساسية للصمود خلال الحرب".

في السياق نفسه، يرى المحامي والناشط الحقوقي اللبناني المتخصص بشؤون اللاجئين السوريين محمد صبلوح، أن الحكومة اللبنانية والأجهزة اللبنانية والمنظمات لم تقم بعمل خطة لمواجهة سيناريو نشوب الحرب.

يقول لـ"ارفع صوتك": "نحن نعيش كل يوم بيومه ولا يوجد أي خطة للمواجهة".

ويوجّه صبلوح نصيحة للاجئين السوريين في حال اندلعت الحرب ألّا يغادروا منازلهم "فالعين مفتوحة عليهم، وكثير من المسؤولين لديهم مخاوف واتهامات للاجئين بأنهم مسلحون، وسيشتركون في الحرب مع حزب الله، رغم كونهم أضعف الموجودين في لبنان" على حدّ تعبيره.

يتابع "أنصحهم بالبقاء في منازلهم ريثما تتم معالجة قضاياهم، وأدعوهم لعدم التدخل في أي حدث أمني، فالبلد فيها جيش وفيها حكومة قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة".

الفقر في لبنان يتضاعف ثلاث مرات.. وضحاياه يروون قصصهم
يوماً بعد يوم، تتسع هوة الفقر في لبنان، مبتلعة المزيد من اللبنانيين في آتونها، ليغرقوا في حرمان متعدد الأبعاد وقيود ثقيلة تطال كل جانب من جوانب حياتهم، وبعد مرور نحو خمس سنوات على الأزمة الاقتصادية، أصبح تأمين أبسط احتياجات الحياة الكريمة حلماً بعيد المنال للعديد من العائلات.

ويشير صبلوح إلى أن لبنان يخضع لاتفاقيات دولية ولقواعد إنسانية تلزمه بحماية اللاجئين، وهو يحصل على مساعدات لقاء ذلك، مشدداً "يجب على لبنان أن يقوم بعمل خطة طوارئ لحماية اللبنانيين وحماية اللاجئين، وتأمين أبسط مقومات العيش الكريم لهم عبر للمساعدات التي يحصل عليها".

ويعتبر أن  حماية اللاجئين السوريين "مسؤولية المجتمع الدولي، كونه قادرا على إلزام لبنان بحمايتهم".

"كما يجب على مفوضية الأمم المتحدة أن تقوم بدورها ولا تغلق مكاتبها" يقول صبلوح، لافتا إلى وجود علامات استفهام على أداء العديد من الموظفين في المفوضية.

أما بالنسبة للتعاون بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية المختصة باللاجئين، فهو بحسب صبلوح تعاون "شكلي وضعيف"، حتى أن "بعض الأجهزة تتهم المنظمات بأنهم عملاء للخارج وليس هدفهم مصلحة لبنان".