صورة أرشيفية لمطعم سوري في مدينة الإسكندرية- تعبيرية
صورة أرشيفية لمطعم سوري في مدينة الإسكندرية- تعبيرية

أسباب عديدة تدفع بالسوريين للهجرة العكسية من الدول الأوروبية التي لجأوا إليها مع بداية ما عُرف بـ"الثورة السورية"، والعودة إلى مصر بشكل خاص، يتعلق معظمها بالعادات والتقاليد الاجتماعية وتربية الأبناء.

يستعد السوري حازم بنشي (42 عاما) وهو أب لثلاثة أطفال، أكبرهم في الثانية عشرة وأصغرهم في الرابعة، للعودة إلى مصر من ألمانيا بعد مرور عشر سنوات منذ وصوله إليها في رحلة شاقة وخطرة استمرت شهرا كاملا سنة 2013.

يقول حازم لـ"ارفع صوتك"، إن أهم الأسباب التي دفعته للعودة إلى مصر "تربية الأبناء"، مبيناً "في ألمانيا كما في أوروبا عموما، لا يمكننا السيطرة على أبنائنا ولا تربيتهم كما نريد، كنت دائم القلق على أبنائي وأفكر بالتأثير الذي من الممكن أن تتركه هذه البلاد على أفكارهم ومعتقداتهم".

"وبعد حصولي على الجنسية الألمانية وجمعي مبلغا جيدا من المال، قررت السفر إلى مصر لأفتتح مطعما صغيرا يعيلني وعائلتي، وفي الوقت ذاته، لا يضيع الأبناء بسبب اختلاف الثقافات"، يضيف حازم.

ويلفت إلى أن "الكثير من عائلات السوريين في ألمانيا تعاني من تفكك أسري رهيب، ونسب طلاق مرتفعة"، على حد تعبيره.

ويضيف حازم، أن "المساكنة بين الشاب والفتاة موجودة بشكل كبير هنا (ألمانيا)، ولا قيود على الحريات التي تتنافى مع معتقداتنا الدينية، وهذا أمر لا أرغب لأطفالي أن يكبروا عليه".

ويقول إن "التحرر الجنسي وشرب الكحول والحشيش وغيرها من أمور" تتنافى مع معتقداته "قصص لم نعتد عليها في مجتمعاتنا، وحتى إن كانت موجودة، فهي ليست على العلن كما يحدث هنا".

وعن سبب اختياره لمصر، يوضح حازم: "عاداتنا متشابهة ونجح فيها السوريون، وهناك فرص عمل جيدة خاصة في مجال المأكولات، كذلك هناك تشجيع للاستثمارات، كما أن شعبها ودود ويحب السوريين، إضافة إلى أنني عشت فيها سابقا، وخرجت منها عن طريق البحر بطريقة غير قانونية. لكنني اليوم بعد أن تغير وضعي المادي وصرت أحمل جنسية أجنبية، صار من الأفضل لي العيش فيها".

 

وحدة واكتئاب

عادت يمنى الداوودي (31 عاما) مؤخرا إلى مصر مع عائلتها بعد أن أقامت في هولندا وحصلت على جنسيتها. تقول لـ"ارفع صوتك" إنها "عانت لفترة طويلة من الاكتئاب بسبب الوحدة، وعدم وجود عائلة وأقارب وونيس سوى زوجها وابنتيها التوأم".

وتضيف: "نعمل ساعات طوال حيث نخرج من المنزل من الصباح حتى المساء، وأذهب بعد انتهائي من العمل لدراسة اللغة، وهو أمر إلزامي يزيد فرصي في التوظيف وإكمال الدراسة وتعديل الشهادة والحصول على الجنسية".

"ناقشت زوجي منذ سبعة أشهر بالقدوم إلى مصر حيث تعيش أختي وبعض أقاربنا، فتحمس للفكرة، وانتقلنا مؤخرا إلى القاهرة، خصوصا أنه يعمل في التجارة ويحمل الجنسية الهولندية، وبإمكانه التنقل والعمل بسهولة بين البلدين"، تتابع يمنى.

في السياق نفسه، يقول بسام اليافي (36 عاما) وهو أب لأربع فتيات: "سبقني العديد من الأصدقاء إلى مصر، وهذا شجعني على مغادرة السويد، ففي المدرسة يعلمونهم أمورا أرفضها كشخص متدين، بينها تشجيع المثلية والحرية الجنسية، ويغرسون في رؤوسهم أفكارا لا تشبه أفكارنا".

ويؤكد لـ"ارفع صوتك": "صبرنا حتى حصلنا على الجنسية، وعُدنا قبل بلوغ الفتيات سن المراهقة..  كنت أعيش الخوف والقلق الذي انعكس على عائلتي، خاصة مع وجود السوسيال (دائرة الشؤون الاجتماعية)  التي تقوم بسحب الأطفال من عائلاتهم في حال الشك بوجود عنف أسري، سواء كان جسديا أو معنويا، وإعطائهم لعائلات أخرى تقوم بتربيتهم".

يضيف بسام: "الآن وضعي النفسي أفضل، لأنه أصبح بإمكاني تربيتهم بالطريقة التي أريد، وليس الطريقة التي تفرضها علينا الدولة هناك".

 

من تركيا أيضا

تعمد الكثير من العائلات السورية في تركيا للخروج إلى مصر أيضا، ولكن لأسباب مختلفة أهمها العنصرية ضد اللاجئين السوريين.

يقول أحمد البكري (29 عاما)، الذي اختار الذهاب إلى مصر: "صحيح أن الرواتب أعلى في تركيا، والتضخم موجود في البلدين، لكن في مصر هناك ترحاب كبير بالسوريين، وأستطيع العيش فيها بشكل طبيعي، وأتحرك في البلاد كيفما شئت، دون أن أقابَل بشتيمة، أو توقيف أو تدقيق على وثيقة الحماية، أو إذن السفر، أو أن أتعرض لخطر التوقيف والترحيل".

ويؤكد أحمد الذي يحمل بطاقة الحماية المؤقتة في تركيا، وكلفه وصوله إلى مصر عن طريق أحد السماسرة 1100 يورو، أنه "غير نادم على اختيار مصر، حتى مع اضطراره لاقتراض المال للسفر"، مردفاً "لو اخترت أوروبا كنت سأدفع أضعاف هذا المبلغ، وقد لا أصل".

الستينية أم رأفت الشيباني، تروي قصتها أيضا لـ"ارفع صوتك": "عشنا وزوجي وأبناءنا ست سنوات في مصر، بعدها قررنا القدوم إلى تركيا للاجتماع بولدي اللذين يعملان في تركيا وتم تجنيسهما منذ عدة سنوات. ورغم أن وضعنا المادي جيد، لكن العنصرية الكبيرة الموجودة ضد السوريين، التي ارتفعت مؤخرا بشكل كبير أثناء وبعد الانتخابات الرئاسية في تركيا، جعلت لدينا الرغبة والحنين للعودة إلى مصر بعد قضاء ثلاث سنوات في تركيا".

ومنذ عام 2011 حتى 2013، استقبلت مصر آلاف السوريين بدون تأشيرة، ثم فرضت تأشيرة الدخول. وبحسب المنظمة الدولية للهجرة في مصر، التي نشرت تقريرًا مفصلًا عن أعداد اللاجئين المُسجلين في المفوضية حتى نهاية شهر يوليو 2022، بلغ العدد الإجمالي للسوريين في مصر 1.5 مليون شخص.

مواضيع ذات صلة:

متظاهر يميني ضد وجود المسلمين والمهاجرين في بريطانيا خلال إحدى التظاهرات
متظاهر يميني ضد وجود المسلمين والمهاجرين في بريطانيا خلال إحدى التظاهرات

في ظل تصاعد الهجمات العنصرية التي يقودها اليمين المتطرف في بريطانيا ضد المسلمين والمهاجرين، تعيش الجالية السورية حالة من القلق والصدمة.

هذه الهجمات التي ترافقت مع اعتداءات لفظية وجسدية وتخريب للممتلكات، تعد الأسوأ منذ 13 عاما، وتهدد الأمان والاستقرار الذي كان السوريون يأملون العثور عليه في بريطانيا باعتبارها ملاذا آمنا لجأوا إليه بعيدًا عن الاضطهاد والتمييز والعنف في بلادهم، أو في البلاد التي انتقلوا منها.

تقول السورية تاليا بابكير (39 عاما) المقيمة في مدينة مانشستر شمال غرب العاصمة البريطانية لندن، إن "الهجمات الأخيرة التي طالت المهاجرين لم تقتصر على الاعتداءات اللفظية، بل امتدت للتهديدات والاعتداء الجسدي وتخريب الممتلكات، ما يعكس تحولًا خطيرًا في التعامل مع المجتمعات المسلمة والمهاجرين".

وتضيف لـ"ارفع صوتك" أن هذه الحوادث التي "كانت تعتبر فردية ومعزولة في السابق" باتت اليوم "جزءًا من توجه متنام للإسلاموفوبيا في المملكة المتحدة".

وتلفت تاليا إلى وجود ارتفاع في جرائم الكراهية الدينية، الأمر الذي ما دفع الحكومة البريطانية لاتخاذ إجراءات صارمة من أجل "منع تفاقم أعمال العنف ضد المهاجرين والمسلمين، الذين أصبحوا يجدون أنفسهم الآن في موقف دفاعي، بعد أن كانوا يعتقدون أن بريطانيا ستكون ملاذهم الآمن" على حد تعبيرها.

واندلعت الاحتجاجات ضد المسلمين في بريطانيا يوم 29 تموز الماضي، بعد مقتل ثلاث فتيات تتراوح أعمارهن بين السادسة والتاسعة في هجوم على حفل للأطفال في بلدة ساوثبورت شمال إنجلترا، وأصيب 10 أشخاص بينهم ثمانية أطفال وبالغان اثنان.

ورغم أن الشرطة البريطانية ألقت القبض على فتى أيرلندي يبلغ من العمر 17 عاما، إلا أن معلومات كاذبة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أفادت بأن المشتبه به هو مهاجر مسلم متطرف، ما أدى إلى احتجاجات عنيفة مناهضة للمسلمين في ساوثبورت في اليوم التالي، ومحاولة مهاجمة مسجد البلدة.

ولاحقا تجمع آلاف المحتجين بالقرب من مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في داونينغ ستريت وسط لندن، واندلعت بعدها عشرات أعمال الشغب في شمال شرق وشمال غرب وجنوب إنجلترا وفي ايرلندا الشمالية، شارك فيها مئات الأشخاص الذين استهدفوا المهاجرين والمسلمين وأحرقوا مركبات الشرطة وألقوا حجارة وزجاجات على المساجد، وعلى فنادق تؤوي مهاجرين وطالبي لجوء، كما تعرضت بعض المتاجر المملوكة لمهاجرين للتخريب والنهب.

 

صدمة السوريين

يقول ريان (27 عاماً) الذي وصل إلى بريطانيا منذ أربعة أشهر، بعد معاناته لسنوات من التمييز العنصري في تركيا: "كنت أعتقد أنني سأجد الأمان هنا، لكنني فوجئت بالأحداث العنصرية الأخيرة، فقد تعرض الفندق القريب من شقتي في مدينة ليدز، لهجمات عنصرية".

ويشير لـ"ارفع صوتك" إلى أن هذ الفندق يؤوي طالبي اللجوء من مختلف الجنسيات"، مبيناً "تم تهديد قاطني الفندق وتكسير نوافذه بسبب رمي الحجارة. هذه الحوادث جعلتني أشعر بصدمة كبيرة وخوف تجاوز ما شعرت به في تركيا، لأني اعتقدت أن بريطانيا تحترم حقوق الإنسان وتحارب التمييز".

من مدينة لندن، تقول راما مرشد (30 عاماً)، التي  وصلت إلى بريطانيا عام 2020 بعد أن فرّت من الصراع في سوريا: "حصلت العديد من الأحداث كالشتم، والإهانات، والتحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتداءات على المساجد وأماكن تجمعات المسلمين".

وتلفت إلى "حادثة مروعة شهدتها عندما كانت في زيارة لأحد أقاربها الأسبوع الماضي في مدينة ميلتون، إذ هاجم أحد الأشخاص منزل عائلة مهاجرة حاملا سكينا وهددهم بالطعن، وأطلق شتائم عنصرية".

"لحُسن الحظ تدخل الجيران وأبلغوا الشرطة التي اعتقلت المعتدي، لكن تلك الحادثة جعلتني أشعر بالرعب على أطفالي، حتى أن ابنتي الصغيرة قالت لي إنها لم تعد ترغب في الخروج من المنزل خوفا من تعرضنا للاعتداء"، تتابع راما.

الحوادث العنصرية المتصاعدة لم تؤثر فقط على مشاعر الخوف والقلق بين السوريين في بريطانيا، بل أثرت أيضا على سير حياتهم اليومية، فالكثير من العائلات السورية أصبحت تخشى التجول في الشوارع ليلاً، وتتجنب الأماكن التي قد تتعرض فيها لاعتداءات.

يقول أحمد ديوب، وهو لاجئ سوري يعيش في مدينة مانشستر "ابنتي تعرضت للشتم في الشارع بسبب حجابها، وهذا أمر لم أتوقعه أبداً في بريطانيا... كنا نعتقد أننا سنجد الأمان هنا، لكن نحن نشعر الآن بالخوف على حياتنا وحياة أطفالنا".

ويؤكد أنه "ليس الوحيد الذي يعاني، فالكثير من السوريين أسوة بالمهاجرين الآخرين يشعرون بالخوف من التعرض للاستهداف بسبب دينهم وأصولهم".

 

مليون حادثة عنصرية في عام

أورد تقرير  أعدته مؤسسة PROTECTION APPROCHES  بالتعاون مع مركز دراسات الكراهية في المملكة المتحدة التابع لجامعة "ليستر"، أن البيانات المسجلة لدى الشرطة شهدت تصاعداً في مستويات جرائم الكراهية.

وأفاد التقرير الذي نشر في أبريل الماضي، أن 45% (430,000) من المهاجرين تعرضوا لجريمة كراهية، وأن 55% منهم تعرضوا لأكثر من حادث واحد، في إشارة إلى ما يقرب من مليون حادثة عنصرية، استهدفتهم خلال عام مضى.

وبيّن التقرير أن غالبية جرائم الكراهية التي يتعرض لها الأشخاص من شرق وجنوب شرق آسيا في المملكة المتحدة، لا يتم الإبلاغ عنها بسبب انخفاض الثقة في السلطات، حيث يبلّغ 10% فقط  منهم عن جرائم الكراهية للشرطة.

بحسب موقع برلمان المملكة المتحد، تمت بين عامي 2014 ومارس 2024 إعادة توطين 57000 شخص إلى المملكة المتحدة، وكان حوالي 20 ألف منهم من السوريين الذين أُعيد توطينهم بين عامي 2014 و2020.

كما أوضج التقرير أنه قبل عام 2011، لم يطلب أحد من سوريا اللجوء إلى المملكة المتحدة، وبين عامي 2011 و2021، مُنح قرابة 31 ألف سوري فار من الصراع حق اللجوء، وتمت إعادة توطين معظمهم مباشرة من دول ثالثة كتركيا ولبنان.