أحد أسواق مدينة شانلي أورفا التركية- تعبيرية

"خسرت تعب سنوات خلال دقائق معدودة، في عقاب على ذنب لم أقترفه.. تحطّم كل شيء أمامي فقط لأني سوري"، يقول "محمد. ع"، تعليقا على ما حصل مساء الأربعاء الماضي في مدينة "شانلي أورفا" جنوب تركيا.

خلال دقائق معدودة، انتشر خبر في منطقة "بوزوفا" يفيد باعتداء شاب سوري جنسياً على طفل تركي قاصر، وهو ما استغلّه بعض المحرّضين الذين دعوا عبر مواقع التواصل للتجمُّع والتظاهر ضد اللاجئين السوريين.

يروي محمد (فضل عدم ذكر اسمه كاملاً)، وهو صاحب متجر: "وهذا ما حصل فعلاً خلال نصف ساعة، حيث بدأ الأمر بتجمُّعات لبعض الشبّان،وعلى أثر الضوضاء التي أثاروها تجمع شبان آخرون من أحياء ثانية، وبدأ الصراخ وإطلاق هتافات تقول (أخرجوا السوريين من بوزوفا، لم نعُدنريد السوريين بيننا، أبعدوهم إلى بلادهم فوراً)".

ويشير إلى أنّ "أصحاب المتاجر السوريين في المنطقة توقّعوا سيناريو أكبر من التجمّع والهتافات، فبادروا إلى إغلاق محالّهم بسرعة، وذهبوا إلى بيوتهم بسرعة، غير أن هذا لم يُجدِ نفعاً، فالشبّان الغاضبون كسّروا واجهات محلّات السوريّين، ثم امتدّت عمليات التكسير إلى داخل المتاجر، وكان المحلّ الذي أعتاش منه من بينها".

وعلى مواقع التواصل، تم تداول مقاطع فيديو مسجلة ومباشرة، لعمليات تحطيم المحلات، التي اتّسعت لتشمل مهاجمة بعض البيوت عبر رمي الحجارة على النوافذ والأبواب. 

يُردف محمد: "استمرّ الأمر أكثر من نصف ساعة قبل أن تتدخّل القوات الأمنيّة، وتفرّق الحشود الغاضبة من منطقة التجمّع عبر الغاز المُسيل للدموع، لكنْ.. كان كل شيء قد انتهى، عندما ذهبتُ إلى متجري رأيته وقد تكسّر تماماً، وتعرضت المحتويات للتكسير والنهب".

بنبرة تملؤها الحسرة والحزن يتساءل اللاجئ الذي قدم إلى تركيا قبل 7 سنوات، وأسّس فيها -وفق ما يقول- حياة بديلة عن أجواء الدمار الذي تعرّضت له مدينته الواقعة في الشرق السوري: "هذا المحل الصغير أتكسّب منه رزقي وقوت عائلتي، لا آخذ أي مساعدات من الهلال الأحمر أو سواه، إضافة إلى أنني أرسل مبالغ إلى أمي العجوز في سوريا من واردات هذا المحل.. لم يبقَ لي شيء الآن.. من سيعوّض خسارتي؟".  

 

عقاب جماعي و"قانون ضعيف"

سؤال محمد وهو يغالب دموعه، سرده قبله لاجئون سوريون تعرّضوا لمواقف مشابهة، في شانلي أورفا وفي إسطنبول وفي أنقرة وولايات أخرى، حين يقوم أحد "الأجانب" (كما تسمّيهم الحكومة التركية) باقتراف جُرم أو جُنحة ما، فيجد المحرّضون فرصة سانحة للتعبير عن غضبهم من وجود اللاجئين، والدعوات إلى طردهم، ومعاقبتهم بشكل جماعي.

ولاية شانلي أورفا أصدرت بياناً رسمياً حول الحادثة، حمل توقيع الوالي، جاء فيه: "يوم الاثنين 14 أغسطس وحوالي الساعة 22.15، تم استلام تقرير حالة الطب الشرعي من المستشفى الحكومي في منطقة بوزوفا، وتم نقل فرقنا على الفور إلى مستشفى الولاية. وبعد أن أعلن الطفل الضحية أنه تعرّض للاعتداء الجنسي من قبل مواطن أجنبي في المستشفى، بدأ التحقيق على الفور وتم القبض على المشتبه به".

وفق البيان، لم يتم تحديد جنسية "الأجنبي"، غير أن صفحات محلية سورية رجّحت أن يكون سورياً.

يقول الكاتب الصحافي المختص بالشؤون التركية والإقليمية فراس رضوان أوغلو، إن تلك الحوادث تكرّرت في عدة ولايات تركية مؤخّراً، عازياً ذلك إلى سببين اثنين.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "الأول ضعف في القوانين التركية التي يُفترض أن تردع هذه الظواهر، والثاني يتعلق بغياب الثقافة المدنية المجتمعية في بعض المناطق التي تسود فيها الأعراف العشائرية، وعدم تحرك الحكومة لبثّ التوعية اللازمة في هذا الصدد. ولا سيّما أن تركيا لم تعُد دولة منغلقة على قوميّتها، إنما تحوي الآن عدداً كبيراً من الأعراق والقوميات".

"وهذا عامل قوّة لدى بعض الدول كفرنسا مثلاً، بينما لم يتعوّد المجتمع التركي بعدُ على وجود تعدّدية ثقافية وعرقيّة ومن عدّة جنسيّات"، يتابع أوغلو.

 

حوادث مشابهة

في سبتمبر 2018، شهدت ولاية شانلي أورفا، مواجهات هي الأضخم بين لاجئين سوريين ومواطنين أتراك، على خلفية شجار بين أطفال تحوّل إلى ساحة معركة، سقط فيها قتلى وجرحى من الجانبين، ما أدى لاندلاع مظاهرات ضد وجود اللاجئين السوريين ومطالبات بترحيلهم، وتكسير محلات ومهاجمة بيوت. 

وشهدت ولايات تركية أخرى في السابق حوادث مشابهة، كان أبرزها ما شهده حي "ألتنداغ" في العاصمة التركية أنقرة في أغسطس 2021، عقب شجار بين شباب سوريين وأتراك انتهى بمقتل شاب تركي، ما أدى إلى تعرّض اللاجئين في المنطقة إلى هجمات من شباب أتراك، وشمل ذلك مهاجمة بيوت وتكسير محلات ومتاجر. 

ويعيش اللاجئون السوريون في تركيا منذ شهور قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الأخيرة في مايو الماضي، على وقع حملات عنصرية تغذّيها بعض أحزاب المعارضة، وعلى رأسها "حزب النصر" برئاسة أوميت أوزداغ، وحزب "الجيد"، إضافة إلى حزب المعارضة الرئيس "الشعب الجمهوري".

وخلال الأيام والأسابيع الماضية رصد موقع "ارفع صوتك" من خلال مواقع التواصل والمواقع الإخبارية السورية، عدة حوادث تعرض لها لاجئون سوريون، تعرّض بعضهم للطعن أو القتل أو الاعتداء الجسدي، بسبب دوافع يُعتقد أنها عنصرية، ناجمة عن التحريض الإعلامي ضد اللاجئين السوريين.