لاجئة فلسطينية في أحد المخيمات قرب العاصمو العراقية بغداد- أرشيف فرانس برس 2004
لاجئة فلسطينية في أحد المخيمات قرب العاصمو العراقية بغداد- أرشيف فرانس برس 2004

بدأت حكاية اللجوء الفلسطيني في العراق عندما أخلى الجيش العراقي بسياراته العسكرية أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني كانوا يسكنون حيفا والقرى المحيطة بها (إجزم ، جبع، عين غزال) إلى بغداد عام 1948.

ووفق دراسة حملت عنوان "الشتات الفلسطيني في العراق"، كان تعداد أول مجموعة وصلت بين  3-5 آلاف لاجئ، قامت وزارة الدفاع العراقية برعايتهم.

تضيف: "تم توزيعهم في البداية على المقرات الحكومية التي لا تستخدم عادة خلال العطلة الصيفية، مثل دار المعلمين والمباني الجامعية، كسكن مؤقت. بعد ذلك تم توزيعهم على معسكرات وأندية تابعة للحكومة في بغداد والبصرة والموصل".

حصل اللاجئون الفلسطينيون على مخصصاتهم، "أسوة بعناصر الجيش العراقي كونهم كانوا تحت مسؤولية وزارة الدفاع خلال تلك المدة حتى عام 1950، حيث انتقلت إدارة شؤونهم إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية"، بحسب الدراسة.

وفي تلك الفترة تم تأسيس دائرة خاصة بهم سميت "مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين" في العراق، حيث أعيد توزيع سكناهم وفق نظام السكن الجماعي في الملاجئ.

وبحسب تقديرات الحكومة العراقية، فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين في العراق وصل حتى عام 2003، إلى 34 ألفاً، فيما قدرت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة عددهم ما بين (34-42) ألفاً.

 

الوضع القانوني

وفق تقرير أعده "مركز الزيتونة للدراسات"، بعنوان "اللاجئون الفلسطينيون في العراق"، فإن حكومة العراق دأبت منذ البداية على تعريف اللاجئ الفلسطيني على أنه الشخص "الذي دخل إلى الأراضي العراقية وأقام فيها في الفترة (1948-1950). ووفقاً لهذا التعريف فإن أي فلسطيني قدم للإقامة بعد هذا التاريخ لم تتم إضافته إلى سجل اللاجئين الفلسطينيين".

ويفتقر اللاجئون الفلسطينيون في العراق إلى إحصاء  كامل بأعدادهم، بعد رفض الحكومة العراقية آنذاك أن يكون العراق هو المنطقة السادسة من مناطق عمليات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا) بعد تشكيلها في ديسمبر 1949.

حينها، تعهد العراق بوضع كافة إمكانياته للإشراف الكامل على شؤون اللاجئين الفلسطينيين وتقديم كافة المساعدات، مقابل عدم دفع العراق لأية تبرعات نقدية للأونروا، مع احتفاظ الفلسطينيين بجنسيتهم ومن دون أن تجري أي عملية توطين.

أدى الرفض العراقي إلى عدم تسجيل اللاجئين ضمن قوائم الوكالة أو أية مؤسسة دولية أخرى معنية بهذا الموضوع، ما أوجد ضبابية وعدم قدرة على تحديد ومعرفة الأعداد الحقيقية للاجئين الفلسطينيين الذين تواجدوا في العراق وأقاموا فيه.

 

ثلاث فئات 

تقسم دراسة نشرها "مركز الأمة للدراسات"، حملت عنوان "أوضاع الفلسطينيين في العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003"، الفلسطينيين المتواجدين في العراق، إلى ثلاث فئات بالاعتماد على أوقات لجوئهم.

الفئة الأولى، تضم الذين دخلوا العراق بين (1948-1950)، وينطبق عليهم تعريف العراق للاجئ، وهؤلاء تمتعوا بحقوق لم يتمتع بها باقي الفلسطينيين في العراق.

وشملت الفئة الثانية، الفلسطينيين الذين وصلوا العراق بعد عام 1967، الذين دخلوا بجوازات سفر أردنية، ولم يتمتع أي منهم بالصفة التي تمتع بها فلسطينيو 1948.

أما الثالثة، فتضم الفلسطينيين الذين قدموا إلى العراق بعد غزو الكويت عام 1991، وهم من حملة الوثائق المصرية الذين كانوا يقيمون في الكويت.

كان الوضع القانوني للفلسطينيين في العراق كما تحدث تقرير "الزيتونة"، مثيرا للجدل في الأوساط الفلسطينية داخل العراق وخارجه، والسبب "عدم وجود قانون واضح ينظم طريقة تعامل الحكومات العراقية المتعاقبة مع اللاجئين".

وعليه ومن الناحية القانونية، بقي وضع الفلسطينيين في العراق "ضبابياً قابلاً للتأويل على أكثر من وجه حتى عام 1961، عندما صدر القرار رقم (26)، لينظم عملية منح الفلسطينيين في العراق وثائق سفر خاصة ويحدد مدة صلاحيتها"، كما أوردت الدراسة.

 

الحقوق

لم يكن وضع اللاجئين الفلسطينيين مستقرا من ناحية الحقوق الممنوحة لهم من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة. وعلى الرغم من إعلان بغداد معاملتهم كالتعامل مع العراقي، إلا أنها كانت تصدر في الوقت ذاته استثناءات وتعديلات تمنعهم من الاستقرار.

في عام 1964 سُمح لهم بالعمل في الوظائف الحكومية باستثناء حق الحصول على راتب تقاعدي، بحجة أن ذلك قد يدفعهم للتمسك بالبقاء في العراق والتفريط بحق العودة.

واتخذت الحكومة العراقية عام 1968 قراراً يتضمن تخصيص أراض للفلسطينيين مع سلف لمواد البناء، وجرى إصدار تعليمات خاصة تتضمن تقديم إعانات نقدية منتظمة. لكن، لم يقدر للقرار التنفيذ بعد انقلاب يوليو عام 1968 وبدلاً عنه تقرر إنشاء مجمعات سكنية شعبية يسكن فيها الفلسطينيون على أن تعود ملكيتها للحكومة.

وفي السبعينيات، بحسب تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، أقامت الحكومة العراقية للاجئين الفلسطينيين مجمعات سكنية مزودة بالخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والصرف الصحي، "لكن شروط المنازل المؤقتة كانت سيئة، كما أن المساكن التي بنتها الحكومة لم تكن كافية لاستيعاب النمو السريع في أعداد الفلسطينيين".

واستجابة لحاجتهم إلى السكن، "بدأت الحكومة العراقية استئجار منازل خاصة من أجلهم وإسكانهم فيها مجاناً. ويقدر أن 63% من اللاجئين الفلسطينيين في العراق استفادوا من هذا الإسكان الذي وفرته الحكومة"، بحسب تقرير المنظمة.

وفي عام 1980 صدر قرار مجلس قيادة الثورة رقم (215)، ويحق بموجبه تملّك الفلسطيني المقيم إقامة دائمة داراً للسكن، وتم ربط القرار بإجراء التدقيق وأخذ موافقة وزارة الداخلية والموافقات الأمنية اللازمة، على أن تسجل الدار باسم وزارة المالية.

ولم يسمح للفلسطيني المقيم إقامة دائمة تملك قطعة أرض سكنية أو دار أو أرض زراعية إلا في عام 1987، ومن جديد توقف العمل بالقرار العام الذي يليه ولمدة خمس سنوات. وفي نهاية المدة صدر قرار بعدم تمليك أي شخص غير عراقي من ضمنهم الفلسطينيون، ثم عادت الحكومة وأصدرت قانوناً يمنع الفلسطيني من شراء سيارة خاصة أو خط هاتف منزلي أو حتى تجديد إجازة ممارسة حرفة عام 1993.

وفي عام 1997 أصدر الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، قراراً استثنائياً بتمليك الفلسطيني الحامل لشارة الحزب قطعة أرض سكنية.

وبقيت العلاقة بين الفلسطينيين والحكومات العراقية بين أخذ ورد حتى تم إصدار قرار واضح عام 2001 يتضمن معاملة الفلسطيني معاملة العراقي في الحقوق والواجبات، ما عدا الجنسية وخدمة العلم والحقوق السياسية من انتخاب وترشيح.

لكن، لم يقدر للفلسطينيين في العراق التمتع بأول امتياز قانوني واضح لهم منذ دخولهم إلى العراق فبعد سنتين فقط اشتعلت الحرب وسقط النظام البعثي.

 

التهجير الرابع

لم يكن اللاجئون الفلسطينيون بمنأى عن أعمال العنف في العراق بعد سقوط نظام البعث عام 2003، كما ورد في تقرير "هيومن رايتس ووتش"، وعنوانه "لا مفر: الوضع الخطير للفلسطينيين في العراق".

بحسب التقرير "تم اعتبارهم كأتباع للنظام السابق خصوصاً الأحزاب السياسية الفلسطينية التي كانت مدعومة من حزب البعث".

ورصد التقرير ممارسات عديدة تمت ضد اللاجئين الفلسطينيين في العراق منها قيام القوات الأميركية بمداهمة السفارة الفلسطينية واعتقال القائم بالأعمال وعدد من موظفيها لأكثر من سنة في أم قصر، كما تم قصف أكبر مجمع للفلسطينيين في منطقة البلديات وسط بغداد.

وخلال تلك الفترة، تولت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية مسؤولية اللاجئين الفلسطينيين الذين عانوا مشاكل تتعلق ببطاقة الإقامة التي كانت تتطلب تجديداً كل ثلاثة أشهر مع ما يرافق ذلك من تعقيدات ومعاناة عند مراجعة اللاجئ لأية دائرة حكومية.

واشتكى معظم الفلسطينيين في العراق الذين قابلتهم المنظمة، من ممارسة وزارة الداخلية التمييز بحقهم بسبب وقوعها تحت نفوذ فصائل سياسية شيعية معينة، وجرى الحديث عن فقدان أثر عدد كبير من الفلسطينيين بعد أن اعتقلتهم قوات الأمن العراقية.

واتهم التقرير وزارة الهجرة بـ"إظهار العداء تجاه الفلسطينيين بعد مطالبتها بإعادتهم إلى الأراضي الفلسطينية وتحديداً إلى غزة بعد انسحاب إسرائيل منها".

عللت الوزارة ذلك بـ"تورطهم في شن هجمات إرهابية بعد عرض لقاءات تلفزيونية مع بعض الفلسطينيين يعترفون فيها بالقيام بأعمال إرهابية وتفجيرات ضمن تنظيم القاعدة (برأهم القضاء العراقي فيما بعد)".

وصرحت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أنه في الفترة بين أبريل 2004 ويناير 2007، تأكد مقتل ما لا يقل عن 186 فلسطينياً في بغداد.

ووصل العنف ضد الفلسطينيين إلى حد أصدر معه المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني فتوى تحرم مهاجمة الفلسطينيين وممتلكاتهم، تقول "يجب أن لا تؤذون الفلسطينيين حتى من كان منهم متهماً بجريمة. وعلى السلطات المدنية حماية الفلسطينيين ومنع مهاجمتهم" وقد تقيد معظم الشيعة بفتوى السيستاني.

لكن بعض الجماعات المقاتلة التي ترتبط برجال الدين المنافسين مثل مقتدى الصدر لم تلتزم دوماً بتلك الفتاوى، كما جاء في تقرير "هيومن رايتس". لهذه الأسباب، لجأ فلسطينيو العراق إلى الهروب هذه المرة بعيداً عن بغداد باتجاه الحدود العراقية الأردنية والعراقية السورية، في رحلة شتات جديدة وضعتهم في مخيمات حدودية قبل ترحيل البعض منهم إلى العديد من الدول الأوروبية والآسيوية والأميركيتين وأستراليا.

وتقلص في النهاية عدد الفلسطينيين في العراق، بحسب منظمة الأمم المتحدة للاجئين، إلى أقل من سبعة آلاف فلسطيني أغلبهم يعيشون في العاصمة بغداد.

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.