مع نشأة المخيم، سكنته 1000 نسمة تقريباً في مساحة لا يتجاوز طولها كيلومترا واحداً، لكن أعداد ساكنيه تضخمت إلى 8 آلاف نسمة بعد حرب عام 1967.
مع نشأة المخيم، سكنته 1000 نسمة تقريباً في مساحة لا يتجاوز طولها كيلومترا واحداً، لكن أعداد ساكنيه تضخمت إلى 8 آلاف نسمة بعد حرب عام 1967.

في السادس عشر من نوفمبر الحالي، اقتحم الجيش الإسرائيلي مخيم جنين الفلسطيني في الضفة الغربية، ووقعت اشتباكات عنيفة بين مسلحين داخله وجنود إسرائيليين أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى.

ليست هذه المرة الأولى التي يقتحم فيها الجيش الإسرائيلي المخيم، فقد نفذ سابقاً عشرات العمليات العسكرية فيه.

ومع هذا الاقتحام الجديد، تعود ذاكرة الفلسطينيين إلى عام 2002 ومعركة "مخيم جنين" بين المسلحين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي التي استمرت عشرة أيام.

يستذكر الفلسطينيون هذه المعركة منذ 21 عاماً، ويعتبرونها ذكرى مهمة، لما وصفوه بـ"الصمود" أمام الجيش الإسرائيلي.

 

"في انتظار العودة"

 

في عام 1950 هبّت عاصفة ثلجية عنيفة على مخيم "جنزور" الذي يقع على بُعد 6 كيلومترات فقط عن مدينة جنين ويقطنه اللاجئون الذين وفدوا إليه هرباً من 59 مدينة وقرية عربية حول مدن جنين والناصرة وحيفا.

بعد هذه العاصفة، اضطر سكان مخيم "جنزور" إلى النزوح لمخيم ملاصق لمدينة جنين، في منطقة سهلية استخدمها العثمانيون آنذاك محطة قطار، واستخدمها البريطانيون فيما بعد موقعا عسكريا. عُرف هذا المخيم لاحقاً باسم "مخيم جنين". وتشير بعض المصادر إلى أن المخيم حمل أيضا اسم "مخيم العودة".

مع نشأة المخيم، سكنته 1000 نسمة تقريباً في مساحة لا يتجاوز طولها كيلومترا واحداً، لكن أعداد ساكنيه تضخمت إلى 8 آلاف نسمة بعد حرب عام 1967.

في عام 2010، زاد عدد سكان المخيم ليصبح 11 ألف نسمة، وفقاً لأرقام جهاز الإحصاء الفلسطيني. وفي عام 2022 اتسعت مساحته لتبلغ 474 ألف متر مربع، يعيش فيها أكثر من 20 ألف إنسانٍ.

يضع ساكنو مخيم جنين لافتة على بوابة المخيم كتب عليها "محطة انتظار لحين العودة". يشير الفلسطينيون من خلال هذه العبارة إلى أنهم سيعودون يوما ما إلى المناطق التي نزحوا منها.

 

موطن التنظيمات المسلحة

 

بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية في المخيم، عاشت مجموعة ليست بالقليلة من العائلات على إعانات يومية تقدمها وكالة (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة.

ووفقاً للمنظمة الدولية، تعيش أغلب أسر المخيم تحت خط الفقر بسبب سياسات التضييق التي تمارسها إسرائيل.

في عام 2002، كشف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن "نسبة البطالة في المخيم بلغت 70%". ولا تقتصر معاناة سكان المخيم على الأوضاع الاقتصادية فحسب، بل على مستويي التعليم والصحة أيضاً.

لا توجد في المخيم سوى 5 مدارس لجميع المراحل، ومركزاً صحياً واحداً تابعاً لـ"الأونروا" وحضانة واحدة ومركزاً اجتماعياً واحداً يقدم بين وقت وآخر خدمات ترفيهية.

نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية، وسوء التعليم، واضطراب الأوضاع السياسية، نشأت في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، مجموعة جماعات مسلحة في المخيم مثل "الفهد الأسود" التابعة لحركة فتح، و"النسر الأحمر" التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومجموعة خلايا ذات صلة بكتائب القسام التابعة لحركة "حماس".

يذكر الكاتب الفلسطيني زكريا محمد في بحثه "تجربة المقاومة في مخيم جنين" أن "المخيم تحوّل إلى نقطة تجمّع للمطارَدين من قِبل الجيش الإسرائيلي منذ عام 1996. جعلت السلطة الفلسطينية من هذا المخيم، بإرادتها أو من دونها، منطقة خارجة عن الدولة ولا تنطبق عليها القوانين".

ويضيف زكريا أن "المخيم بات مُجمعاً لكتلة كبيرة من الفلسطينيين المطلوبين لدى الأمن الإسرائيلي لا مكان لهم سواه، وهو ما وضع المخيم في مواجهة حتمية مع الجيش الإسرائيلي وقعت في 2002".

 

عملية نيسان.. يوم الجرافة

 

في أبريل 2002، شنّت القوات الإسرائيلية عملية عسكرية شاملة أطلقت عليها اسم "الدرع الواقي" احتلت بموجبها أغلب مدن الضفة الغربية.

تضمنت العملية اقتحام مخيم جنين الذي كان يقطنه حينها ما يزيد عن 14 ألف لاجئ فلسطيني.

وصفت إسرائيل المخيم بـ"عش الدبابير" وقالت إنه "تحوّل إلى بؤرة لإيواء منفذي الهجمات الانتحارية". قتل وأصيب ما يزيد عن 100 إسرائيلي خلال الأشهر التي سبقت العملية ضد المخيم، واعتقدت إسرائيل آنذاك بأن العمليات انطلقت منه.

لأجل هذه العملية، حشد الجيش الإسرائيلي قوات خضمة لتصفية المخيم الذي تحصّن مقاتلوه وراء المتاريس ونشروا العبوات الناسفة في جنباته، إلا أن إسرائيل لجأت لأول مرة إلى الاستعانة بجرافة مصفحة قلبت موازين المعركة.

نتج عن العملية تدمير 140 مبنى بالكامل وتعرض 200 مبنى آخر لأضرارٍ شديدة، وأزيل حي الحواشين بالكامل.

نتج عن ذلك تشريد أكثر من 4 آلاف إنسان، أي أكثر من رُبع سكان المخيم. وانتهت العملية بمقتل 52 فلسطينياً و28 جندياً إسرائيلياً.

بعد انتهاء المعركة، نشرت الصحافة الإسرائيلية اعترافات الجندي موشيه نسيم قائد الجرافة التي تولت عمليات الهدم[GU1] ، ونقلت عنه قوله: "كان كل شيء مفخخاً، حتى جُدران المنازل. قد يطلقون النار عليك لحظة دخولك. كانت هناك عبوات ناسفة على الطرق وتحت الأرض وبين الجدران، لقد زرعوا العبوات في كل مكان".

ويضيف: "لم أكترث قط لهدم منازل الفلسطينيين، لم أشعر بشفقة على أحد. كنت مستعداً لأن أمحو بالجرافة أي شخص من الوجود، كل بيت كنت أهدمه كان يبعث السرور في نفسي".

في بحثه، نقل زكريا جزءاً من معاناة المسلحين الفلسطينيين مع هذه الجرافة. يقول أحدهم: "أطلقنا عليها اسم الغول. لم تؤثر فيها العبوات ولا قذائف الآر بي جي. فجّرنا بها عبوة ناسفة فلم تتأثر، سكب أحد إخوتنا البنزين فوقها وأشعل النار لكن من دون جدوى".

ونقلت صحيفة "يدعوت أحرنوت" تعليق أحد الضباط الإسرائيليين على العملية الذي قال: "لقد خططوا لتحويل المكان إلى نيران تتقد على الأرض ونجحوا في ذلك. لقد قاتلتُ في لبنان، لكن لم يكن هناك أمور كهذه. لبنان لعبة أطفال إزاء ما يحدث هنا في مخيم جنين"، حبسما ذكر جمال مصطفى حويل في أطروحته "معركة مخيم جنين: التشكيل والأسطورة".

بعد 11 يومًا من القتال، استسلم آخر المقاتلين الفلسطينيين بعدما أحكم قرابة 20 ألف جندي إسرائيل حصارهم على المخيم.

في مايو 2002، أصدرت منظمة "هيومان رايتس ووتش" الدولية تقريرها عن هذه العملية مؤكدة مقتل 22 مدنياً، واتهمت إسرائيل بأنها "تعاملت مع سكان المخيم بقوة مفرطة وعشوائية".

أثارت قصة مخيم جنين المخرج محمد بكري، وهو أحد عرب إسرائيل، ونجح في التسلل إلى المخيم وصوّر بعضًا من الدمار الذي لَحِق به واستقى شهادات الضحايا.

عُرض الفيلم في مهرجان قرطاج الدولي ونال جائزة المركز الأول، وأثار جدلاً داخل إسرائيل بين مؤيدٍ ومعارضٍ لعرضه على الشاشات الإسرائيلية.

تدخّل الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف حينها وطالب بمنع عرض الفيلم باعتباره "معاديا لإسرائيل". وانتهى الجدل بقرارٍ  من وزارة العلوم والثقافة الإسرائيلية برفع الفيلم من قاعات السينما لأنه "يحدث جرحاً عميقاً في مشاعر الشارع الإسرائيلي لحمله على الاقتناع بأن جيش الدفاع الإسرائيلي ينفذ جرائم حرب بشكلٍ موجه"، وفقاً لما ذكره محمد علي طه في بحثه "جنين في أحلام شقية: نشاط سينمائي ومسرحي متميز لدى عرب 48".

 

قبل هجوم 7 أكتوبر

 

رغم العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة، مثّل المخيم قلقا دائماً لإسرائيل بسبب الخروج المستمر لمسلحين منه لتنفيذ هجماتٍ ضد أهداف إسرائيلية.

بحسب ما كتبه الباحث عبد الباسط خلف، فقد نفّذ المسلحون الفلسطينيون في المخيم 1132 عملا ضد إسرائيل، فقط ما بين بين شهري يونيو وأغسطس من هذا العام.

تراوحت هذه العمليات بين تنظيم مظاهرات، وإسقاط طائرات مسيّرة، واشتباكات مسلحة، ومحاولات طعن جنود تبنّت أغلبها مجموعات عسكرية غير معروفة مثل "جنين القسّام" و"كتيبة جنين".

في يوليو 2023، اقتحم 3 آلاف جندي إسرائيلي المخيم ونفّذوا عملية عسكرية انتهت بمقتل 12 فلسطينياً وجرح 100 آخرين وتدمير عددٍ من المباني، لتُقدّر الخسائر بقرابة 40 مليون دولار، وفقاً لعبد الباسط.

بسبب هذه العملية أعلنت السُلطة الفلسطينية وقف جميع الاتصالات الدبلوماسية والأمنية مع إسرائيل، ثم زار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مخيم جنين، وألقى كلمة أمام حشدٍ من مواطنيه تعهّد فيها بإعادة إعماره ووصفه بأنه "أيقونة للنضال والصمود والتحدي". 

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".