منذ خمسة أعوام تقيم لبنى كرم، وهي نازحة من ريف دمشق في مخيم أطمة الحدودي مع تركيا. يعيش معها طفلاها الاثنان، وتعيلهما من خلال ما تحصل عليه من عملها معلمة صف في مدرسة المخيم. ويضاف إلى ذلك ما تحصل عليه من خلال المساعدات الإنسانية التي تأتيها من المنظمات الدولية.
تقول لـ"ارفع صوتك"، إنها "تعيش حياة مرفّهة مقارنة بغيرها من النازحين، لأنها تستطيع إعالة طفليها". توفر كرم لطفليها ما يعجز عن تأمينه أغلب النازحين، بسبب عدم حصولهم على فرص عمل.
ومع قرب الشتاء، تزداد الأمور صعوبة على النازحين في مخيمات الشمال السوري، التي تشهد تزايداً في عدد سكانها وسط ندرة الموارد، مع كل كارثة طبيعية أو قصف جوي يستهدف مناطق سكناهم.
وتجاوز عدد النازحين في شمال غرب سوريا ثلاثة ملايين، يعيش أغلبهم في المخيمات التي أنشأتها منظمات دولية وأخرى محلية، إضافة لبعض المخيمات التي أنشأها أصحاب الأراضي أنفسهم.
تضيف لبنى: "نتخوف من فصل الشتاء، لأن المخيمات تفتقر للبنية التحتية، وتعاني من السيول سنوياً، كما أن وسائل التدفئة شبه معدومة".
وعن نفسها تقول: "أشتري في كل عام من هذا الشهر (نوفمبر) بذور الزيتون وقشر الفستق كي أستخدمها في المدفأة، بينما لا يملك غيري المال اللازم لشراء أي من مواد التدفئة".
وأعلنت منظمات أممية مؤخراً، أنها ستخفض المساعدات الإنسانية للمخيمات في مطلع 2024، بنسبة قد تصل لـ50%، نتيجة "نقص التمويل اللازم لاستمرار العمليات الإنسانية"، بحسب ما أورده بيان لفريق "منسقو استجابة سوريا".
وأكد أن الاستجابة الإنسانية "تتناقص بشكل مستمر منذ بداية العام الجاري، فيما سيشهد العام المقبل نسب عجز مرتفعة للغاية، ما سيؤدي لزيادة مستويات الفقر والجوع في المنطقة، بالتزامن مع ارتفاع متزايد في نسب البطالة لعدم وجود فرص عمل حقيقية أمام المدنيين".
وحذر الفريق من استمرار عمليات التخفيض في المساعدات الإنسانية، التي قد "تنتج مجاعة كبرى لا يمكن السيطرة عليها"، كما جاء في البيان.
التدفئة "حلم"
يقول أحمد تكريتي وهو نازح من مدينة حمص ويقيم في مخيم كللي شمال سوريا، إنه "يتحضر لموسم البرد والمطر، بجمع الحطب مع ابنه من الشوارع والأراضي الزراعية، كي يستطيع تأمين التدفئة له ولعائلته المكونة من خمسة أفراد".
ومنذ أن خسر عمله قبل سنة ونصف السنة، ما يزال يبحث عن عمل، في بيئة تنعدم فيها الفرص.
يقول لـ"ارفع صوتك": "أعتمد على مبلغ بسيط يأتيني من عمل ابني، الذي اضطر لترك دراسته والعمل في إحدى ورشات الخياطة القريبة من المخيم، براتب 30 دولارا تقريبا كل شهر، يكفي العائلة لأسبوعين". وتعيش العائلة في الأسبوعين المتبقيين على المساعدات المقدمة من المنظمات الإنسانية.
ويشكو تكريتي من البطالة التي يعيش فيها، متخوفاً من وقف المساعدات الإنسانية، ويتحدث عن مخاوفه قائلاً: "كل سنة يقولون لنا إن المساعدات ستتوقف، وفعلا هذا العام انخفضت لأكثر من النصف، فلم تعد كافية أبدا، خاصة خلال الشهور الأربعة الأخيرة، ونسمع الأخبار عن قطع المساعدات بشكل نهائي قريبا، وهناك بعض المخيمات التي لم يعد يصلها أي صندوق مساعدات منذ شهرين، ولا أعلم كيف يعيشون اليوم".
ويشير إلى أخشاب بجانبه قائلاً: "أجمعها منذ شهر ونصف، سأقوم بإشعالها وستنتهي خلال شهر واحد فقط، ولا أعلم كيف سأقوم بتدفئة عائلتي حتى نهاية فصل الشتاء. أصبح تأمين التدفئة أحد أحلامنا اليومية".
أبو مازن الحموي نازح من مدينة حمص، يعتاش وعائلته المكونة من ثلاثة أفراد، من بيع قشور الفستق خلال فصل الشتاء. يقول لـ"ارفع صوتك": "بدأت ببيع قشور الفستق منذ ثلاث سنوات، وفي الصيف لا أعمل، لكن هذه المهنة تغنيني عن السلات الغذائية (المساعدات) لأن مردودها يكفيني عاماً كاملاً".
ويوضح: "هذا العام اشتريت من تركيا كمية كبيرة من قشور الجوز أيضاً، فهي أرخص من قشور الفستق، وغير منتشرة بشكل كبير، إلا أن أضرارها في ذات الوقت كبيرة أيضا على الجهاز التنفسي، لكن ليس لدينا بديل آخر، فأنا وعائلتي نتدفئ عليها مثل الجميع".
أضرار في المخيمات
مع بداية فصل ٢٠٢٣، سجلت مخيمات سرمدا وأطمة ومعرة مصرين وإعزاز وعفرين، الواقعة في ريفي حلب وإدلب، أضراراً مادية، وسُجلت الأضرار الأساسية داخل الطرقات الداخلية في أكثر من 47 مخيما، إضافة إلى الطرق الواصلة إليها، وفق إحصائية صادرة عن "منسقي الاستجابة".
يؤكد الصحافي المقيم في مدينة إدلب، فؤاد بصبوص، لـ"ارفع صوتك"، أن "الوضع المعيشي والإنساني أصبح أسوأ بكثير من الأعوام الماضية. ويتخوف النازحون كثيراً من انخفاض الدعم أو انقطاعه".
ويضيف: "ارتفعت البطالة، كما ارتفعت حالات الانتحار، وكانت معظمها بين اليافعين ممن يشهدون التغير الجذري في معيشتهم بين لحظة وأخرى، ومعظمهم عاطلون عن العمل ويعيشون أوضاعا إنسانية صعبة للغاية".
"يجب على المنظمات الإنسانية متابعة هذه الحالات، خاصة محاولات الانتحار التي باءت بالفشل، ومساعدة الذين أقدموا عليها وتقديم الدعم الكامل لهم"، يتابع بصبوص.
ويشير بصبوص إلى "وجود أعداد كبيرة من النازحين الذين يفترشون الطرقات خلال فصل الشتاء، بسبب السيول في مخيماتهم".
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي، د.فراس شعبو، إن "معظم النازحين في الشمال السوري تحت خط الفقر، فرواتب العاملين هناك لا تزيد عن 50 دولارا للفرد الواحد شهرياً".
ويضيف لـ"ارفع صوتك": "العام الجاري سيء جدا بكافة المقاييس، حتى من تأقلم على الوضع لم يعد يتحمل".
