لاجئة فلسطينية، في مخيم برج البراجنة جنوب بيروت، تمسك صورة ابنتها التي ما تزال في قطاع غزة في ظل الحرب المتواصلة بين حماس وإسرائيل.
لاجئة فلسطينية، في مخيم برج البراجنة جنوب بيروت، تمسك صورة ابنتها التي ما تزال في قطاع غزة في ظل الحرب المتواصلة بين حماس وإسرائيل.

عندما فرَّ الفلسطينيون من قراهم عام 1948، كان كثير منهم يعتقدون أنهم سيعودون سريعاً، لذا توجهوا إلى حدود لبنان القريبة منهم وتجمّعوا في مناطق بالقرب من الجنوب تحسباً للعودة.

بمرور الزمن وتوالي الحروب، لم يعُد المهجّرون أبداً. بل، زادت أعدادهم مع الانتصارات العسكرية الإسرائيلية أمام الجيوش العربية ليعيش الفلسطينيون في لبنان داخل مخيمات شهدت على أحداثٍ جِسام خلال السبعة عقود الماضية.

 

البداية.. أبعد من 1948

 

بحسب كتاب "اللاجئون الفلسطينيون في لبنان" لمحمد الخالدي، فإن نزوح الفلسطينيين إلى لبنان بدأ قبل سنوات من اندلاع حرب 48 خوفاً من الاشتباكات المشتعلة بين مسلحين عرب ويهود في أنحاء فلسطين الخاضعة حينها للانتداب البريطاني ما دفعهم إلى الهرب إلى الجار القريب: لبنان.

ووفق كتاب "اللجوء الفلسطيني في لبنان: كلفة الأخوّة في زمن الصراعات"، فإن ألف مقاتل لبناني شاركوا في حرب 1948 مات منهم 235، ضمنهم 11 عسكرياً حُفرت أسماؤهم على لوحة تكريمية أقيمت في ساحة وزارة الدفاع الوطني.

أدّت هزيمة العرب في الحرب إلى خلْق موجة نزوح فلسطينية كبيرة تجاه أراضي لبنان. ووفقاً لحلا نوفل رزق الله، في كتابها "الفلسطينيون في لبنان وسوريا"، فإن تبايناً كبيراً ورد في الوثائق حول أعداد المهاجرين الفلسطينيين إلى لبنان أواخر 1948، فقد قدّرتهم بعثة أممية بنحو 134 ألف فرد. أما وكالة الأونروا، فقالت إن عدد المسجلين لديها عام 1951 يقرب من 106 آلاف فرد.

لجأ معظم هؤلاء الفلسطينيين من مناطقهم في لواءي حيفا والجليل، بسبب القُرب الجغرافي لهذه الأماكن من لبنان. لهذا كان الأهالي الفارون يملكون صلات اجتماعية واقتصادية بكثيرٍ من اللبنانيين. وفور وقوع الحرب غادروا قراهم إلى الجنوب اللبناني وتحديداً ناحية مخيمي "البص" و"الرشيدية".

تقول حلا نوفل إن أرقام البعثة الأممية التي سعت لإحصاء عدد اللاجئين لم تشمل جميع الفلسطينيين الفارين. أما إحصائيات الأونروا فهي غير كاملة لأنها لا تضم اللاجئين الذين لم يسجّلوا في دفاترها ولم يتلقوا خدماتها. وفي 1962، كشفت الأونروا نفسها بأن إحصاءاتها شابتها "أخطاء هامة" في قوائم اللاجئين الفلسطينيين.

تعقدت الأوضاع أكثر خلال السنوات اللاحقة. ومع اندلاع حرب 1967، باتت عودة هؤلاء اللاجئين إلى أماكنهم أصعب، بل استمرت أعدادهم في التزايد داخل المخيمات التي لجأوا إليها. وفي 1969، بلغ عددهم 223 ألف فلسطيني حسب ما أعلنت مديرية شؤون اللاجئين، وهي إدارة حكومية أقامها لبنان في 1959 لتأمين احتياجات اللاجئين.

أقيمت هذه المخيمات في مناطق محدّدة خصّصتها الحكومة اللبنانية لهذا الغرض بلغ عددها 15 مخيماً. ووفقاً لكتاب "اللجوء الفلسطيني في لبنان: كلفة الأخوّة في زمن الصراعات"، فإن بعض هذه الأماكن حُدّدت على أساس ديني. فقد أقام اللاجئون الكاثوليك مثلا على قطع أراضٍ تبرّعت بها إدارة الأوقاف الكاثوليكية.

ومن بين مخيمات اللاجئين، كان "مخيم البص" هو أول مكان استقبل اللاجئين لسابق جاهزيته للعمل بسبب استخدامه سابقاً في إيواء اللاجئين الأرمن.

أما باقي أهم المخيمات فهي "برج البراجنة"، و"شاتيلا"، و"الدكوانة"، و"مار إلياس"، و"جسر الباشا"، و"البرج الشمالي".. إلخ.

خلال الأيام الأولى للرحيل، عاش اللاجئون داخل خيام قماشية اعتقاداً منهم أن إقامتهم في لبنان لن تطول. لكن مع استمرار بقائهم، استُبدلت الخيام بأكواخٍ من الطوب وغرف إسنتمية قادرة على إيواء عائلة من 5 أفراد. ولاحقاً، تحوّلت المخيمات إلى مُدن صغيرة.

 

هرب من الحرب إلى الحرب

 

في 1968، هاجمت إسرائيل مطار بيروت متسببةً في تدمير 13 طائرة مدنية رداً على عملية فلسطينية ضد طائرة إسرائيلية في مطار أثينا، فاشتعلت تظاهرات في لبنان تطالب بتخفيف القيود المفروضة على حركة اللاجئين.

وفي 1969، وقّعت السُلطات اللبنانية مع حركة فتح اتفاق القاهرة الذي قنّن وضع الفصائل الفلسطينية المسلحة داخل المخيمات ومنحها شرعية حكومية، وهو ما أثار غضب تل أبيب واعتبرته خرقاً لاتفاقية الهدنة الموقّعة مع بيروت عام 1948.

بموجب اتفاق القاهرة ازدادت العمليات التي شنّها الفلسطينيون ضد أهداف إسرائيلية، فيما ردّت تل أبيب بعمليات قصف موسّعة ضد أهداف داخل لبنان تضمّنت "مخيم النبطية" الذي تعرّض لسلسة غارات في 1974 أفضت إلى تدميره.

لعبت المخيمات الفلسطينية دوراً محورياً في الحرب الأهلية اللبنانية بعدما كانت شاهدة على الشرارة الأولى لاندلاع القتال بعدما استهدفت قوة من حزب الكتائب حافلة تقل فلسطينيين خلال توجههم إلى مخيم تل الزعتر في أبريل 1975 موقعة 29 قتيلاً. وكان هذا الهجوم الشرارة التي أشعلت الحرب.

تسبّبت الحرب الأهلية في تهجير أهالي مخيم ضبية على عدة مراحل وتدمير مخيمي "جسر الباشا" و"الدكوانة - تل الزعتر" بعدما خضع لحصار دام 53 يوماً أسفر عن مقتل 3 آلاف لاجئ. اضطر سكان المخيمات المدمّرة إلى النزوح عنها إلى مخيم عين الحلوة ومخيمات الضاحية الغربية في بيروت، فيما لجأ آخرون إلى المدن القريبة مثل صيدا والدامور.

Samir Ayoub, uncle of three children who were killed by an Israeli airstrike, puts flowers on their car in the town of Ainata,…
قرى جنوبية "شبه فارغة" ودروس من حرب 2006.. لبنان واحتمالات التصعيد
بموازاة الحرب الدائرة بين إسرائيل وفصائل فلسطينية مسلحة في قطاع غزة، أبرزها "كتائب عز الدين القسام" التابعة لحركة حماس، وتعقيداتها الجيوسياسية، يسود توتر أمني يومي في لبنان وتحديداً في الجنوب على طول الخط الحدودي، كما ينسحب هذا التوتر قلقاً في ضاحية بيروت الجنوبية حيث التواجد الكثيف لـ"حزب الله" وأنصاره.

وفي 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان. وبحسب حلا فإن عملياتها العسكرية أثّرت على حياة قرابة 198 ألف لاجئ فلسطيني من أصل 239 ألفاً كانوا مسجلين عند الأونروا فور وقوع الغزو.

أدت العمليات الإسرائيلية إلى تدمير مخيم عين الحلوة الذي يقع في منطقة صيدا، والذي كان يقطنه قرابة 20 ألف فردٍ بحسب إحصاء أُجري عام 1980. وتم أيضاً تدمير مخيمي "برج الشمالي" و"الرشيدية" في منطقة صور.

وفي 1985، اشتعلت ما عرف بـ"حرب المخيمات" التي جعلت المخيمات الفلسطينية في قلب المعارك الأهلية اللبنانية متسببة في تدمير نحو 70% من مخيم شاتيلا وأجزاء كبيرة من مخيم برج البراجنة. وقد تسبّبت هذه الحرب في تهجير قرابة 18 ألف لاجئ إلى المناطق المجاورة.

وفي 1987، ألغى مجلس النواب اللبناني اتفاقية القاهرة لحرمان المقاتلين الفلسطينيين من الحق في امتلاك السلاح داخل لبنان، وكانت بداية للتدابير الحكومية الحذرة التي تعامل بها لبنان مع مخيمات الفلسطينيين.

 

صعوبات مزمنة

 

منذ نشأتها عانت المخيمات من أوضاع اقتصادية واجتماعية قاسية. وبحسب الخالدي، فإنه في الوقت الذي بقيت مساحة المخيمات على حالها تضاعف عدد سكانها. فعلى سبيل المثال، كان عدد سكان مخيم برج البراجنة وقت إنشائه 4698 فرداً زادوا إلى ما يزيد عن 13 ألف فرد في 1992، وهو نفس ما جرى في باقي المخيمات.

تزامنت هذه الزيادة السكانية الهائلة مع تردٍّ كبير في الأوضاع المعيشية داخل المخيمات. فلم تتوفّر للسكان المياه الجارية إلا في 1971، كما أن نصفها تأخر توصيل مرافقه بشبكة الصرف الصحي حتى 1980.

ووفقاً لإحصائية أجريت عام 2000 فإن 44% من اللاجئين الفلسطينيين داخل مخيمات لبنان يحققون راتباً أقل من معدلات الدخل السنوي وهو 2400 دولار في العام، كما أن 24% من الأسر الفلسطينية لا تضم فرداً عاملاً يُنفق عليها.

عاشت مخيمات اللاجئين لعقودٍ على مساعدات المنظمات الأهلية التي تعتمد في أغلب تمويلها على منحٍ غربية. وفي 1995 أجريت دراسة أكّدت أنه خلال 1972 وحتى 1988 فإن قرابة 90% من اللاجئين الفلسطينيين طُردوا من منزلهم مرة واحدة على الأقل، فيما طُرد 20% منهم 3 مراتٍ أو أكثر.

وحسبما ما أورد حسين شعبان في ورقته البحثية "اللاجئون الفلسطينيون في لبنان: دور الجمعيات ومنظمات الإغاثة"، فإن المخيمات اللبنانية تشهد دائما ارتفاعاً مقلقاً في نسب تسرّب الأطفال من مدارس الأونروا. ففي 1998 بلغ عدد التلاميذ الذين تجاوزوا امتحان الشهادة المتوسطة 42% من إجمالي الطلاب بينما وصلت مدارس لاجئي الوكالة في سوريا بنسب الناجحين إلى 85% تقريباً.

وأكّد شعبان أن المخيمات في لبنان تعاني نقصاً كبيراً في الخدمات الطبية المقدمة؛ فالطبيب الواحد يعالج 100 مريض يومياً خلال يوم عمل لا يزيد عن خمس ساعات.

وفاقم من صعوبة هذه الأوضاع النظرة الأمنية الحذرة التي استمرّ لبنان في التعامل بها مع اللاجئين الفلسطينيين. في 2001 تبنّى البرلمان اللبناني مثلا تعديلاً يمنع اللاجئين من تملّك العقارات في لبنان، ويمنع اللاجئ الفلسطيني من توريث عقار يملكه إلى أقاربه حتى لو كان قد امتلكه بشكلٍ قانوني، كما ورد في دراسة "الإقصاء الاجتماعي للاجئين في لبنان" لساري حنفي وجاد شعبان.

ويقول الباحثان: "تسببت الصعوبة القصوى في حيازة ملكية خارج مخيمات اللاجئين في حشر الأجيال التالية من اللاجئين الفلسطينيين في الحيز المحدود لهذه المخيمات"، وهو ما يتناقض مع الوضع في الأردن الذي يسمح للاجئين الفلسطينيين بالتملك العقاري غير المحدود.

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".