FILE - Victims of heavy flooding from monsoon rains take refuge as they prepare tea at a temporary tent housing camp organized…
FILE - Victims of heavy flooding from monsoon rains take refuge as they prepare tea at a temporary tent housing camp organized by the UN Refugee Agency (UNHCR), in Sukkur, Pakistan, Sept. 10, 2022. Earth’s warming weather and rising seas are getting…

في 13 ديسمبر عام 1950، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إنشاء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

بحسب الاعتقاد السائد آنذاك، فإن عمل المنظمة سيكون لفترة محدودة، تساعد فيها العالم على تضميد جراحه من الحرب العالمية الثانية، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك بعدما تتالت الصراعات، الأمر الذي دفعها لمضاعفة جهودها وميزانيتها لمواكبة التحديات الضخمة التي لم تنتهِ منها حتى الآن، ويبدو أنها لن تنتهي أبداً.

 

البدايات

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، اهتمّت عُصبة الأمم، وهي النسخة الأولى من منظمة الأمم المتحدة بأزمة ملايين اللاجئين الذين شُرّدوا بسبب الحرب، وفي نوفمبر 1920 عُين الرحّالة النرويجي فريدجوف نانسن (Fridtjof Nansen) أول مفوض سامٍ لشؤون اللاجئين. كانت أهم إنجازاته، إقرار ما عُرف بِاسم "جواز نانسن" الذي سمح لما يزيد عن نصف مليون نازح بامتلاك وثيقة هوية معترف بها دولياً.

وفي عام 1945، انتهت الحرب العالمية الثانية، بعدما خلّفت دماراً هائلاً في أنحاء العالم، وأكثر من مليون لاجئ، الأمر الذي أكد الحاجة لوجود مؤسسة دولية قوية تُساعد اللاجئين، فظهرت إلى النور المنظمة الدولية للاجئين (IRO)، وهي النسخة الأولى والأقدم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

عندما تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء مفوضية للعناية بشؤون النازحين واللاجئين لتستكمل عمل منظمة (IRO)، حُدّدت لها مدة عمل قدرها 3 سنوات قابلة للتجديد، لإنجاز مهمتها النبيلة.

وفي عام 1954 نالت المفوضية جائزة نوبل للسلام، لتصبح أول وكالة تابعة للأمم المتحدة تنال الجائزة الرفيعة. نشاطاتها وعملياتها في أوقات الأزمات والحروب، ومواجهة التحديات المتتالية قادتها إلى منصة نوبل للمرة الثانية في عام 1981.

بعد ذلك، تعيّن على المفوضية بذل المزيد من الجهود للاستمرار في رعاية أعداد اللاجئين التي لا تكفّ عن التزايد، حتى بلغت 27 مليوناً عام 1995، ثم قفزت إلى أكثر من 108 ملايين فرد في عام 2022، بحسب إحصائيات المفوضية.

بحسب كتاب "التسلّح ونزع السلاح والأمن الدولي" الذي ألّفته مجموعة من الخبراء الدوليين، فإنه في عام 2005 تبنّت الأمم المتحدة مفهوم "مسؤولية الحماية" لتعزيز أمن المشرّدين داخل دولهم، الذين يتعرضون لخطر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وفق هذا المبدأ، منح المجتمع الدولي نفسه الحق في مساعدة المتضررين إذا ما عجزت حكومات بلدانهم عن القيام بهذا الدور.

بعد إقرار هذا المبدأ القانوني الدولي، منحت الأمم المتحدة المفوضية دوراً كبيراً في تنفيذ "أنشطة الحماية" بعدما اعتُبرت المؤسسة الوحيدة الأكثر قُدرة على ذلك، نتيجة خبرتها الطويلة في حماية اللاجئين، وسابق تعاملها مع أزمات المشردين الداخليين في حالاتٍ محدودة.

نتيجة لهذه الأعباء المتزايدة، توسّعت المفوضية في بناء هيكل إداري ضخم وُزعت كوادره في أرجاء الدنيا، حتى بلغ 11 ألف موظف يعملون في 130 دولة، وفق ميزانية قدرها 6.5 مليار دولار عام 2016.

لاحقاً، زيدت الميزانية حتى بلغت 8.9 مليار دولار في عام 2021. تتلّقى المفوضية أغلبها من تبرعات تقدّمها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وجهات أخرى مانحة مملوكة لرجال أعمال.

إزاء استمرار الصراعات حول العالم وتسبُّبها في زيادة أعداد اللاجئين قرّرت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلغاء القيود الزمنية التي كانت مفروضة على عمل المفوضية منذ إنشائها، وجعلتها مرتبطة بعدد محدد من السنوات، يجري تجديده إذا ما تطلّب الأمر، أما الآن فدائماً ما تلعب دوراً مؤثراً في مساعدة الملايين من ضحايا المعارك التي اجتاحت العالم في العقد الأخير، بدءاً من الحرب الأهلية السورية وحتى غزو أوكرانيا الذي تسبّب في أكبر موجة لاجئين شهدها العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

المفوضية في العراق

 

قال مظهر الشاكر في كتابه "القانون الدولي للاجئين"، إن "المفوضية عملت في العراق بشكلٍ رسمي منذ سنوات ٍطويلة، ونجحت في اكتساب احترام حكومة العراق بسبب ما أظهرته من مهنية وحيادية وتجنيد مواردها لمساعدة الدولة العراقية".

في عام 1999 بلغ عدد اللاجئين العراقيين أكثر من 161 ألف فرد، أما في عام 2012 فبلغ 1.3 مليون نازح و143 ألف لاجئ، وهو ما خلق تحدياً ضخماً أمام المفوضية دفعها للقيام بجهدٍ أكبر في ملف العراق.

في عام 2010 بلغ عدد موظفي المفوضية 435 فرداً لرعاية اللاجئين والنازحين في العراق، بميزانية مالية بلغت 264 مليون دولار.

وبحسب الشاكر فإنه في عام 2012، مارست المفوضية جهوداً كبيرة في إقامة مخيم قُرب منفذ الوليد الحدودي لاستضافة 4 آلاف سوري فروا إلى العراق, وعندما اجتاحت الفيضانات محافظة صلاح الدين في عام 2013 بادرت بتقديم مساعدات إغاثية لآلاف العائلات المنكوبة.

وفي نهاية العام الماضي، وزّعت المفوضية مساعداتٍ نقدية على أكثر من 546 ألف فردٍ في العراق خلال فصل الشتاء، حتى يتسنى لهم شراء وقود أو ملابس ثقيلة يواجهون بها البرد.

 

سفراء المفوضية

 

تتبّنى المفوضية سياسة تعيين مشاهير ومؤثرين سفراء لها، لتسليط الضوء على مهامها حول العالم. من أبرز هؤلاء السفراء، كانت الممثلة الأميركية أنجيلينا جولي التي شغلت المنصب نحو 20 عاماً تقريباً، نفّذت خلالها أكثر من 60 مهمة ميدانية حول العالم. في العام الماضي، أعلنت جولي استقالتها "بحثاً عن تجربة جديدة تمكّنها من معاونة اللاجئين بشكلٍ مختلف".

على خُطى جولي عُينت شخصيات بارزة أخرى، مثل الممثلة الأسترالية كيت بلانشيت، والسعودية أسيل عمران، والمذيعة اللبنانية ريا أبي راشد، والسباحة السورية يسري مارديني التي نالت شهرة كبيرة بعد مساهمتها في إنقاذ حياة مئات اللاجئين عندما تعطّل بهم المركب قرابة ساحل جزيرة لسبوس اليونانية.

 

انطباعات حقوقيين عرب

 

يقول أحمد بدوي، رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية لدعم اللاجئين، إن "المفوضية واحدة من أهم وكالات الأمم المتحدة المسؤولة عن تنظيم أوضاع اللاجئين حول العالم، وتزايدت أهمية دورها بسبب كثرتهم حول العالم".

ويضيف أن "المفوضية تسعى لإبرام اتفاقيات داخلية مع حكومات الدول، مثل التي وقّعتها مع وزارة الخارجية المصرية، لتنظيم الأوضاع والتعاون المشترك على احتواء أزمات اللاجئين وتقديم الخدمات والتسهيلات القانونية".

وانتقد الحقوقي المصري خلال حديثه لـ"ارفع صوتك" ما أسماه "بعض التمييز الذي يشوب طريقة عمل المفوضية، حيث تتبنى في أحيان سياسات غير عادلة في تقديم الدعم الإنساني. هناك جنسيات تحصل علي خدمات وأخرى لا تحصل عليها".

من جانبه قال الدكتور صلاح عبدالعاطي، الناشط الحقوقي الفلسطيني، إن "دور مفوضية اللاجئين عمل إنساني مهم، لأنه يضفي الحماية على اللاجئين حول العالم، وإن كانت تتعاطى وفقا للدعم المتوفر لها".

وأكد لـ""ارفع صوتك": "من المفترض أن تتعامل المنظمة وفقا للمبادئ الإنسانية العامة، ولكنها تتقاعس أحيانا وفقا للظروف والمعيقات التي تحدد لها نطاق عملها. رأينا كيفية تعاطي العالم بمعايير مزدوجة مع اللاجئين من الشرق الأوسط والشرق الأدني مقابل اللاجئين الأوكرانيين".

من ناحيته قال الحقوقي العراقي، عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق علي البياتي إن "مفوضية اللاجئين تعمل تحت إشراف الأمم المتحدة لمساعدة الأشخاص في جميع أنحاء العالم، لكنها في النهاية تبقى خاضعة للتمويل الذي يرد لها من خلال مساهمات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمانحين الدوليين. قد تختلف مستويات الدعم المالي من دولة لأخرى ووفقًا للأولويات السياسية والاقتصادية".

وأشار خلال حديثه لـ"ارفع صوتك" إلى أن "المفوضية تعمل على احتواء الكثير من الأزمات حول العالم، لكن قُدرتها لتحقيق ذلك تتأثر بحجم التمويل المتاح والتعاون الدولي والتحديات السياسية".

مواضيع ذات صلة:

عناصر من قوات الشرطة الألمانية الخاصة في قبضتها المشتبه بتنفيذ الهجوم الإرهابي- ا ف ب
عناصر من قوات الشرطة الألمانية الخاصة في قبضتها المشتبه بتنفيذ الهجوم الإرهابي- ا ف ب

جدّد الهجوم الذي وقع في مدينة زولينغن الألمانية النقاشات السياسيّة حول اللجوء، الأمر الذي خلق مخاوف بين اللاجئين السوريين أو طالبي اللجوء من قرارات قد تضرّ إقامتهم في ألمانيا.

واعترف لاجئ سوري (26 عاماً) بتنفيذ الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين، خلال احتفال بالذكرى 650 لتأسيس المدينة. ومما زاد الأمور سوءاً أن تنظيم داعش الإرهابي أعلن مسؤوليته عن الهجوم.

 

توقيت حسّاس

يأتي الهجوم في توقيت حسّاس من حيث ارتفاع المطالبات عند أحزاب المعارضة بتغيير سياسة اللجوء في ألمانيا، وقبل أسبوع واحد من انتخابات محلية في ولايتين ألمانيتين، فضلا عن مطالب بتشديد قانون السلاح.

عقب الهجوم مباشرة، فتح رئيس الاتحاد المسيحي الديمقراطي فريدرش ميرتس النار على سياسة اللجوء في ألمانيا، واتّهم بشكل غير مباشر المستشار الألماني أولاف شولتس وحكومته الائتلافية باتباع "سياسة هجرة ساذجة" وفق تعبيره، مُطالباً بترحيل اللاجئين إلى سوريا وأفغانستان، ووقف قبول اللاجئين من هذه الدول.

وأضاف ميرتس في لقاء تلفزيوني "لقد وصلنا إلى نقطة يجب فيها اتخاذ إجراءات وليس الاستمرار في إلقاء الخطب التقليدية.. في النهاية، التعديلات القانونية هي ما يهم، ويجب البدء بها الآن".

كما طالب بإجراء عمليات تفتيش دائمة ودقيقة، ورفض دخول طالبي اللجوء بشكل حازم على الحدود الألمانية، بالإضافة إلى الالتزام بقواعد دبلن.

وكتبت رئيسة حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) أليس فايدل على "إكس" أن مشكلة اللجوء "يجب معالجتها من جذورها"، مشدّدةً أن هناك حاجة إلى "تحوّل فوري في سياسة الهجرة".

وطالبت بوقف الهجرة وقبول طلبات اللجوء والتجنيس لمدة 5 سنوات على الأقل، مع وجوب إغلاق الحدود وترحيل مجموعات الأشخاص "الذين لديهم أعلى معدل جريمة - خاصة الأفغان والسوريين والعراقيين الذين يقيمون بشكل غير قانوني في ألمانيا"، بحسب تعبيرها.

هذه التصريحات وغيرها لم يستطع الائتلاف الحاكم في ألمانيا مواجهتها بسبب موجة التنديد الشعبي بالهجوم الدامي، إذ أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس وحزبه الاشتراكي الديمقراطي دعم ترحيل الأشخاص إلى سوريا وأفغانستان، مؤكداً ضرورة المضيّ قدماً في عمليات الترحيل للأفراد الذين كانوا في البداية في دول أوروبية أخرى، وفقاً لـ"لائحة دبلن".

وبعيداً عن الخوف والقلق عند اللاجئين الأجانب وطالبي اللجوء إزاء تغيّر سياسات الهجرة، أثار الهجوم مخاوف متزايدة من ارتفاع التمييز والانفعالات العنصرية ضدّهم.

وشهدت زولينغن مظاهرات ندّدت بسياسة اللجوء في ألمانيا، اتسمت بطابع انفعالي قوي، أسفر عن مواجهات حاولت الشرطة منعها بين المتظاهرين وأنصار الجماعات الحقوقية المتضامنة مع اللاجئين، كما ردّد بعض المتظاهرين شعار "ألمانيا للألمان – اخرجوا أيها الأجانب".

بعد محاكمة ألمانيا لأحد عناصر داعش.. ما هي الولاية القضائية العالمية؟
ومنذ عام 2002، تبنّت برلين ما عُرف بـ"مدونة الجرائم ضد القانون الدولي" التي جرى تعديلها في ديسمبر 2016، ومنحت للقضاء الألماني في ملاحقة مرتكبي "الجرائم الأساسية" التي تضمّنت القتل العمد والتهجير القسري والإبادة الجماعية وغيرها من الفظائع التي اعتبرها المشرّع الألماني "جريمة عالمية".

الوضع "متوتر"

يخشى العديد من اللاجئين السوريين وغيرهم من دول عربية أخرى، أن ينعكس الهجوم الدامي بشكل سلبي على مجمل أوضاعهم في ألمانيا، سواء المتعلقة بقوانين اللجوء ومنح الإقامة، أو تعايشهم مع المواطنين.

من المدينة التي شهدت الهجوم الإرهابي، يتحدث اللاجئ السوري حسن شيخاني، الذب يعيش فيها منذ 8 أشهر فقط بعد وصوله لاجئاً من تركيا: "الألمان كانوا دائماً متعاطفين معنا، ولكن بعدما حصل أشعر أن الجوّ قد تغيّر".

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إنه يخشى أن يتمّ توجيه الغضب والمشاعر السلبية نحو المجتمع المسلم أو اللاجئ بأكمله بسبب فعل فردي، مردفاً "لقد واجهنا بالفعل العديد من التحدّيات هنا، ولا نريد المزيد من العداء".

يلفت شيخاني إلى أن المعاملات القانونية الخاصّة باللجوء في ألمانيا "شهدت خلال العام الأخير تشديداً نوعياً"، مبيناً "أخشى أن تؤثّر الأحداث على ملفي لأنه لا يزال في مرحلة التقييمات الأوّلية ولم أحصل على الإقامة بعد"،

ويتابع بحسرة "فررنا من تركيا خوفاً من التضييق في الإقامات، واليوم ربما نواجه المصير نفسه".

من جهته، يقول أحمد بكور (42 عاماً)، إن الوضع أصبح "أكثر توتراً"، وهو لاجئ سوري يقيم في ألمانيا منذ خمسة أعوام.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أنا وعائلتي قلقون جداً، ونخاف من أن يتم استخدام الهجوم كذريعة لتقليص حقوقنا وإعادة التفكير في قرارات اللجوء".

ويشير إلى أن العديد من السوريين يعانون أساساً من غياب الاستقرار المالي، ولكن الآن هناك "غياب استقرار نفسي أيضاً". 

اللاجئة العراقية إسراء السامرائي تقول إن أوضاع الكثير من اللاجئين في ألمانيا  "ليست مثالية أساساً" مع تغيّر المزاج العام عند الألمان من اللاجئين عموماً والقادمين من الشرق الأوسط خصوصاً.

وتضيف إسراء (34 عاماً) وهي أم لطفلين، أن جيرانها الألمان "ودودون ولطفاء" إلا أنها بعد الهجوم لاحظت منهم "نظرات شك وريبة".

"أرفض النظرة التعميمية لكل الأجانب بمجرد حصول هجوم أو حادثة يقف وراءها عربي أو مسلم"، تتابع إسراء لـ"ارفع صوتك".

هذه المخاوف "ليست اعتباطية" كما يرى الناشط الإعلامي السوري عمران المصطفى، المقيم في ألمانيا منذ ثلاث سنوات.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "توقيت الهجوم يحمل الكثير من الضغوطات تجاه الحكومة الألمانية من جهة، وتجاه مجتمع اللاجئين من جهة ثانية. وهناك عدة بلدات في الشرق والوسط الألماني شهدت خلال السنوات الماضية هجمات من قبل جماعات يمينية متطرفة ضد المساجد".

لذلك، يخشى المصطفى حدوث ارتفاع لوتيرة الاعتداءات بحق اللاجئين في ألمانيا، بسبب ما حصل في زولينغن.