مجموعة من اللاجئين السوريين عند الحدود التركية البلغارية في محاولة للوصول إلى أوروبا- تعبيرية
مجموعة من اللاجئين السوريين عند الحدود التركية البلغارية في محاولة للوصول إلى أوروبا- تعبيرية

في سبتمبر الماضي، تقدم 4465 قاصراً غير مصحوبين بذويهم بطلبات لجوء إلى دول أوروبية، بينهم 1540 سورياً، أغلبهم قدِموا عن طريق تركيا، وفقاً لدراسة للمركز الإحصائي للاتحاد الأوروبي (يورو ستات).

والد أحد هؤلاء الأطفال، يُدعى لؤي عباسي، وهو لاجئ في تركيا منذ سبع سنوات. يروي لـ"ارفع صوتك"، أنه "أرسل ابنه أحمد (14 عاماً) بطريقة غير شرعية إلى اليونان، مع مجموعة كانت تخطط للخروج من تركيا تجاه أوروبا، ووصل منذ شهرين إلى ألمانيا".

يقيم أحمد حالياً في إحدى المدارس التابعة لدوائر الهجرة الألمانية، وينتظر حصوله على الإقامة للم شمل عائلته، كما يقول والده.

يضيف عباسي: "اضطررت لإرساله، لأن تكاليف الهجرة عالية جداً ولا أقدر عليها، ولأن لم الشمل أسهل بكثير في حال غادر الابن لوحده".

"لو كنت سأذهب لوحدي، كنا سنضطر للانتظار أكثر من عامين حتى نلتقي مرة أخرى. عائلتي مكونة من أربعة أفراد. أرسلت ابني أحمد لأنه أكبر أولادي. هاجر معه بعض الأصدقاء الذين أثق بهم، ويساعدونه في عملية تقديم اللجوء"، يوضح عباسي.

وفي وقت سابق، أشار مركز "يورو ستات" إلى أن "السوريين شكلوا خلال العام الجاري، أكبر مجموعة بين طالبي اللجوء في أوروبا، بواقع 18170 متقدماً".

 

رحلة "خطرة"

في منتصف العام الجاري، نشر "المرصد الأورومتوسطي"، تقريرا كشف فيه عن الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال غير المصحوبين بذويهم خلال رحلة لجوئهم إلى أوروبا، تتعلق بالتمييز وسوء المعاملة.

وأكد "اختفاء 78% من طالبي اللجوء غير المصحوبين بذويهم في النمسا عام 2021". 

ويتابع عباسي: "هناك مخاطر كبيرة. في أول مرة قبض على ابني ومن معه وأعيدوا إلى تركيا، لكن ليس في اليد حيلة، ليس لدينا أي حل آخر، الحمدلله، وصل الآن ونستعد للانضمام إليه قريبا".

لم يسلم عباسي من انتقادات المعارف والمقرّبين منه بسبب ارسال ابنه القاصر، لكنه "ليس نادماً" بحسب تعبيره. ويقول: "لا أعمل منذ شهور، والمصاريف أرهقتني وسينتهي ما لدي من مال قريباً، كيف أتحملُ كل ذلك؟!".

مازن كلزي، لاجئ سوري في تركيا أيضاً، أرسل هو الآخر ابنه البالغ من العُمر 16 عاماً مع مجموعة مهاجرين غير شرعيين إلى أوروبا.

يقول لـ"ارفع صوتك": "عشتُ أسوأ أيام حياتي وأنا أنتظر وصوله بأمان، فبعد أن ذهب إلى بلغاريا اختفى وانقطع التواصل معه عشرة أيام. لم أعلم أي شيء عنه، ولم يصلني أي خبر منه، حتى ظننته فارق الحياة، إلى أن جاءني خبر وصوله النمسا".

في النمسا، قدم الفتى مهدي طلب اللجوء بمساعدة بعض الأشخاص الذين قابلهم هناك.

يضيف كلزي: "عرفتُ لاحقاً، أنه لم يتمكن من الاتصال لأنه تاه عن المجموعة التي كان يتواصل معي من خلالها، ولا يعرف أي لغة أخرى غير العربية، وفي النهاية تعرّف على بعض الأشخاص العرب هناك وقدموا له المساعدة. ننتظر الإجراءات التي ستلم شملنا قريباً".

 

"ضغط نفسي على الأطفال"

في محاولة للاقتراب أكثر من واقع الأطفال السوريين في تركيا، تخبرنا سنابل مرعندي، وهي مؤسسة أكاديمية "وجه الشرق" للتدريب المهني في إسطنبول، أن "عملها يقتضي دمج اللاجئين السوريين في المجتمع التركي، وإيجاد فرص عمل لهم تسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والمادي، ورفع الكفاءة المهنية" وتشير إلى أن "الفئة العُمرية التي تتواصل معها تتراوح بين (13-25) عاماً".

"كل طفل (ممن عملت معهم) يحتوي بداخله قصة حرب ورحلة تهجير وحكاية ألم، ولم يعش أحلام طفولته أو ينعم بالاستقرار العائلي. تحمّلوا مسؤولية العمل من الصغر و ليس لديهم أي طموح. يفكرون بشكل دائم في الهجرة إلى دول الاتحاد الأوروبي"، تقول مرعندي، لـ"ارفع صوتك".

وتؤكد أن "الوضعين السياسي والاقتصادي في تركيا جعلا الكثيرين يفكرون بمغادرتها، ومن لا يستطيع ذلك مع عائلته، يرسل أطفاله، ليتمكن من اللجوء عن طريقهم".

تبيّن مرعندي: "نعمل منذ عام 2011 على إيقاف رحلات الهجرة غير الشرعية، من خلال برامجنا التوعوية و التدريبية، حتى خرجت الأمور عن السيطرة، ووصلنا إلى مرحلة كارثية. الأمور تغيرت جدا ضمن حزمة من القوانين فُرضت على اللاجئين الأجانب منـذ بداية عام ٢٠٢٢".

وتتابع: "ثم حلّت الأزمة الإنسانية بعد ضرب الزلزال جنوب تركيا، حيث تعيش النسبة الأكبر من السوريين في  كهرمان مرعش وغازي عنتاب و كلس، ما أدى إلى خسارة الكثيرين لبيوتهم وعائلاتهم وعملهم، في ظل غياب منظمات المجتمع المدني لأي نوع من الدعم الخاص بهم".

تزامن ذلك، بحسب مرعندي، مع الوضع السياسي، الذي "حرّض بشكل مباشر أو غير مباشر ضد الوجود السوري في تركيا، مما أدى لتشديد أمني على أي لاجئ ارتكب خطئاً، و ترحيله بشكل قسري إلى مناطق النزاع".

وتشير إلى "انخفاض عدد المستفيدين في مؤسستها من الطلاب لأكثر من 65%"، عازية الأمر لـ"الضغط النفسي والاجتماعي القهري الذي يعيشه معظم اللاجئين".

وتوضح مرعندي، أن "أعمار الأطفال الذين يهاجرون وحدهم إلى أوروبا، تتراوح بين 11 و18 عاماً، معظمهم لم يُقبل في المدارس، أو تعرض للاضطهاد من خلال زملاء المدرسة، ولم يكن مرحّباً بهم".

"وجد هؤلاء الأطفال، أن العمل أفضل طريق للخروج من هذه الدائرة، فخضعوا لدورات مهنية وانغمسوا في سوق العمل، لكن الضغطين النفسي والأمني، أديا إلى هجرتهم، وهذا يعني ابتزازاً مادياً من المهربين، أو من الممكن تسميته ابتذالاً غير أخلاقي"، تختم مؤسسة أكاديمية "وجه الشرق".

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".